الإثنين , 21 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

التجاني عبدالقادر حامد… رحم الله الرجل الذي عاف طعام الاستبداد وعصى انقلاب الجماعة!

الراحل التجاني عبد القادر حامد

ياسر عرمان

في الدوحة يوم 16 سبتمبر 2026 رحل دكتور التجاني عبدالقادر، أحد قادة الإسلاميين السودانيين المتميزين، والذي قال لا في وجه انقلاب الجماعة ولم يمضِ مع القطيع. فانقلاب يونيو 1989 كان انقلابًا على كل القيم الموصولة بتقوى الله ونصر الفقراء. مضى التجاني وحيدًا إلا من القلة، وبعيدًا عن بريق السلطة والجاه.

الحقيقة أن التجاني عبدالقادر لم يحدث قطيعة مع فكر الجماعة، ولكن حينما استعصمت الجماعة بالسلطة والسلطان، جاهر بسديد القول ضد رهط المال والسلطان والقبيلة، واتجه نحو قبلة تعتزل الفتنة التي لا تزال نارها تأكل السودان.

لم نتفق مع كل ما قاله التجاني عبدالقادر، سيما بعد حرب 15 أبريل الأخيرة، وقد اجتهد الأستاذ عادل الباز، في لقائه الأخير معه، أن يلحقه بموائد الجماعة التي عصاها التجاني عبدالقادر زمنًا طويلًا، وبما أسماه دكتور التجاني عبدالقادر نفسه في لقاء سابق في 2017 أجراه معه الأستاذ عبدالرؤوف طه علي لجريدة الصيحة، حينما أكد أنه ابتعد عن الخرطوم لأنها «تقتضي في الوقت الراهن أن يكون المرء ذو سعة في المال وقوة في البدن وصلة قوية بالسلطان، وقدرة عالية على اللف والدوران، وهي ميزات غير متوفرة لدينا». والخرطوم اليوم أسوأ من الأمس، وكل شيء في السودان لحق به الانحطاط، ولا بواكي على بلاد طالب صلاح أحمد إبراهيم الطير أن تعب منه الجناح أن يزيد في السرعة حتى يسلم على النيل والشباب.

التجاني عصى انقلاب الجماعة على كل شيء جميل وخير، وفي رحلته دعوة صادقة لمن صدق من الجماعة ليثوب لطريق الحق والوطن ويكفوا عن الاستبداد والحروب، وفي لقائه مع عبدالرؤوف، وهو من أفضل لقاءاته، ذكر أن الإنقاذ قسمت الحركة الإسلامية القديمة لثلاث فئات: «فئة قضت نحبها في الجنوب، وفئة تستوعب في أجهزة الدولة، وفئة تُحوَّل لفائض عمالة تستنفر عند الضرورة القصوى ثم تُسرَّح»، وتحدث عن الزمن الذي تحولت فيه كل الأشياء إلى «سلع»، وأكد التزامه بالفكر الإسلامي، وأن الملعب السياسي قد تحول لملعب أمني، ولا توجد فيه خانة شاغرة لفكر أو تنظير لا يتسق مع المنظومة الأمنية الحاكمة، وهو تشخيص دقيق يطارد الحركة الإسلامية اليوم أكثر من الأمس، وقد تحولت إلى مليشيا من مليشيات الاستبداد والسلطة.

أكد التجاني عبدالقادر في نفس اللقاء أن دكتور الترابي صاحب فضل، ولكنه انشغل بتكوين الجماعة السياسية أكثر من اهتمامه بتكوين جماعة فكرية، وفي واقع اليوم فإن الجماعة التي تدعم الحرب لا تمتلك حتى منظورًا سياسيًا خارج دائرة القمع والاستبداد، فهي ما عادت تؤمن بالسياسة لكسب الناس وإقناعهم، بل كل ما عندها لا يتجاوز العصا والسلاح واللف والدوران الذي أشار إليه التجاني عبدالقادر.

اهتم دكتور التجاني بالعامل الاقتصادي، وطالب الجماعة بالعودة للفقراء، وأكد أن لم شمل الإسلاميين ليس أكثر أهمية من لم شمل الوطن، وقال: دعنا ننسى أنفسنا ونفكر في الوطن أولًا. وتحدث عن غياب المنهج وهشاشة الرؤية وضعف قيادة الكيانات الإسلامية التي تلتف حول السلطة السياسية دون هدىً أو كتاب منير، ولعل في ذلك تذكرة لشباب الإسلاميين الجدد، إن كان هنالك ثمة أمل في إصلاح الحركة الإسلامية التي أضحت في خدمة السلطان والاستبداد.

بعد توقيعنا على اتفاق سويسرا مع المؤتمر الشعبي في عام 2001 ، الذي شارك فيه من المؤتمر الشعبي المحبوب عبدالسلام وعمر الترابي، ومن جانب الحركة الشعبية فاقان أموم وياسر عرمان، اتصل بي الراحل الدكتور أحمد عثمان مكي، وبعد عدة رسائل ومكالمات طلب أن يلتقي بالدكتور جون قرنق، ورتبت له موعدًا للقدوم لأسمرا، وذكر لي (ود المكي) أنه يكن احترامًا عميقًا لدكتور قرنق، ويرى أن دعوته للسودان الجديد يجب أن تؤخذ بجدية، وأن له رأيًا إيجابيًا ويرى أن الخير يكمن في الاتفاق معه على طريق جديد، ولذا فإنه ينوي المجيء للحوار مع قرنق. بدأ لي دومًا أن التجاني عبدالقادر وأحمد عثمان مكي منسوجان من نفس خامة القماش ويوجد وجه شبه بينهما.

اتصل بي ود المكي لاحقًا وأكد لي أن طبيبه الخاص حدد له موعدًا لإجراء (عملية) مستعجلة، وأنه يود أن يترك أمر الطبيب ويأتي للقاء، وقلت له من الأفضل أن تستمع لرأي الطبيب وسوف أحدد لك موعدًا آخر مع دكتور قرنق، وقد كان ذلك حديثنا الأخير، ورحل الدكتور أحمد عثمان مكي عند إجراء تلك العملية الجراحية في الولايات المتحدة الأمريكية، وطلبت من دكتور قرنق أن اصدر نعيًا لود المكي باسم الحركة الشعبية، وقد كان ما بيننا وبين الإسلاميين ما صنع الحداد، ووافق دكتور قرنق، وكان ذلك هو أول بيان تنعي فيه الحركة الشعبية أحد قادة الإسلاميين. ما أشبه الرحيل المفاجئ للتجاني عبدالقادر بذات الرحيل المتعجل لأحمد عثمان مكي.

في السنوات الأخيرة تبادلت الرسائل وقليل من المحادثات مع دكتور التجاني عبدالقادر، وضربنا موعدًا للقاءات لم تتم، وأشعر بالأسف لعدم تمام اللقاء مع رجل يستحق، فرغم الاختلاف ظل التجاني عبدالقادر محل احترامنا، وخلف رحيله حزنًا ودمعة على تلك الروح التي عافت طعام الاستبداد وعصت انقلاب الجماعة، وتلك الروح التي تمسكت بالفكر بديلًا لأجهزة الأمن وعسس الجماعة.

التعازي الحارة لأسرته ولأهله في ريف شمال كردفان الذي يقطر دمًا.

ألا رحم الله الدكتور التجاني عبدالقادر، وهو عند مليك رحيم، وجعل مثواه الجنة وأنزله مع الصديقين والشهداء والصالحين.

21 سبتمبر 2026