الخميس , 5 نوفمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

مصدر عسكري سوداني: رصد أكثر من (180) مسيّرة خلال شهرين

مسيّرات الدعم السريع قصفت محطة كهرباء أبو حمد

الخرطوم 5 نوفمبر 2026- كشف مصدر عسكري لـ “سودان تربيون” عن رصد الأجهزة المختصة حركةَ أكثر من 180 مسيّرة خلال الشهرين الماضيين، مؤكداً التعامل مع معظمها وإسقاطها.

ويتبادل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع هجمات غير مسبوقة بالمسيّرات، في تطور جديد للصراع المستمر منذ منتصف أبريل 2023.

وقصفت عشرات المسيّرات محطاتٍ للكهرباء وبنى تحتية وأسواقا طوال الأسبوع الماضي مما خلق أزمة خانقة في البلاد التي تعاني من أزمة إنسانية هي الأكبر في العصر الحديث.

وقال المصدر العسكري إن أجهزة الرصد والمراقبة والتعامل تتابع حركة المسيّرات بيقظة عالية ونجحت في تحييد العدد الأكبر منها، لكنه قال إن بعضها نجح في الوصول إلى هدفه.

ودخل الصراع المسلح في السودان مرحلة تحول دراماتيكي يُعتقد أنها الأشرس والأخطر منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وبعد أشهر من الاشتباكات الميدانية المباشرة وحرب الشوارع، انتقلت العمليات إلى نسق سينمائي خفي يعتمد على حرب المسيرات، مستهدفةً بشكل متزايد وممنهج البنية التحتية الحيوية من محطات توليد الكهرباء ومستودعات الوقود ومرافق المياه عبر ولايات متعددة.

وتشير إحصائيات إلى استهداف أكثر من 19 محطة كهرباء خلال سبعة أيام فقط في عدد من الولايات أبرزها محطة المرخيات في أم درمان وقصف 6 أسواق كذلك أبرزها سوق نيالا.

وتضع الأمم المتحدة هذا التطور الميداني في دائرة الخطر المباشر على حياة ملايين السودانيين. إذ أعربت دينيس براون، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان في بيان، عن قلقها المتزايد حيال هذا النمط المكثف من الهجمات، واصفة إياه بـ “المخيف للسكان”، ومحذرة من استهداف وتدمير مصادر الطاقة والوقود بشكل منهج.

وأكدت براون أنه: “لا يوجد أي مبرر لاستهداف محطات الطاقة والوقود بشكل متكرر”، داعية الدول الأعضاء إلى إدراك حقيقة ما يجري واتخاذ خطوات جادة لتهدئة الوضع ومنع وصول السلاح والتصعيد.

الأرض المحروقة

ويتجلى المشهد الميداني في اعتماد طرفي النزاع استراتيجية استنزاف تبادلية وتكتيك خنق خطوط الإمداد حيث يسعى الجيش لقطع طرق الإمداد والتحركات اللوجستية لقوات الدعم السريع جواً وبراً عبر استهداف التحركات والمقرات الحيوية.

في المقابل، تلجأ قوات الدعم السريع إلى استراتيجية الإثقال والاستنزاف بشن ضربات مركزة بواسطة طائرات مسيرة تستهدف المحطات التحويلية وتوليد الكهرباء في الشمال والشرق والوسط (مثل محطات الدبة، مروي، عطبرة، الفاو، والجنيد)، للضغط على الحاضنة الشعبية وإرباك أجهزة الدولة المتبقية.

وباتت تُعرف العمليات عسكرياً بسياسة “الأرض المحروقة”، عند المراقبين حيث يتحول تحييد الخدمة العامة وتجفيف منافذ الوقود إلى سلاح شلل تكتيكي يحل محل الاصطدام المباشر.

حرب استنزاف

وتعود أسباب هذا التحول الميداني وتوقيته الحرج إلى عدة عوامل هيكلية في مقدمتها إنهاك القوى البشرية وتفادي المواجهة المباشرة، كما يعتقد الخبير العسكري العميد المتقاعد عبد الله أحمد النور.

ويرى النور في حديث لـ”سودان تربيون” أن بعد أشهر طويلة من القتال المكثف، تكبد الطرفان خسائر بشرية وميدانية كبيرة، مما جعل المواجهات المباشرة المفتوحة مكلفة للغاية.

وأصبحت “حرب المسيرات” البديل الأقل كلفة في الأرواح والأعلى تأثيراً في شل الخصم وفق قوله.

واعتبر أن الطرفين يبحثان عن أوراق ضغط تفاوضية لجهة أنهما يُدركان أن أزمة الطاقة شريان حياة لأي عمل عسكري ومدني. وأن استهداف المرافق الحيوية يُعتبر أداة لإحداث واقع سياسي وأمني جديد على الأرض يُستغل لفرض شروط أفضل في أي مبادرات أو مفاوضات قادمة.

ونبه في الوقت نفسه، إلى دخول التقنيات المجهزة والعمق الإقليمي الذي وفر مسيرات متطورة بعيدة المدى وبتكلفة منخفضة أتاح تنفيذ ضربات دقيقة في عمق الولايات التي كانت تُصنف بالآمنة، مما نقل الحرب من الجبهات التقليدية إلى المحافظات الشمالية والشرقية والوسطى.

استئصال البنى التحتية

ويعتقد الخبير الأمني د. محمد شرف الدين، أن لهذه المرحلة أبعاداً أخرى غير حرب المسيرات القائمة، تصل إلى استئصال البنى التحتية الذي يُعد تحولاً استراتيجياً فارقاً من مرحلة السيطرة على الأرض إلى مرحلة شلّ قدرة الدولة ومؤسساتها.

ورأى أن التحول الحالي للطرفين هو نحو الحرب غير المتماثلة لأن المواجهة المباشرة باتت استنزافاً غير محسوب للقدرات البشرية والعتاد.

وقال شرف الدين، إن استهداف شبكات الكهرباء ومستودعات الوقود في هذا التوقيت بالذات يهدف إلى ضرب شريان الحركة القيادية واللوجستية، مؤكداً أنه بدون وقود تتوقف المدرعات وشاحنات الإمداد، وبدون كهرباء تتوقف منظومات الاتصالات والمرافق الطبية والخدمية.

مستقبل المشهد

وأدى تدمير المنشآت الحيوية إلى انقطاع الكهرباء والمياه عن ولايات كاملة، وتعطيل المستشفيات وأقسام العناية المركزة وغسيل الكلى، فضلاً عن ضرب الموسم الزراعي وتفاقم الجفاف والنزوح.

ويتضح أن حرب المسيرات لم تعد مجرد تكتيك عسكري حاسم لإنهاء معركة، بل أصبحت وسيلة إعاقة شاملة تعمق الأزمة الإنسانية والسياسية، وتضع السودان أمام خيارين  إما إيقاف تدفق الأسلحة وتخفيف التصعيد بجهود دولية، أو الغرق في نفق الإظلام والاستنزاف المفتوح.