الإثنين , 21 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

الوساطة في السودان: حراك نيويورك لتوحيد المواقف الدولية

فؤاد حكمت

فؤاد حكمت

 

فؤاد حكمت
خبير فض وإدارة النزاعات، مستشار سابق للمبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي للقرن الافريقي

 

يتكثّف الحراك الدبلوماسي بشأن السودان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وسط معلومات عن اجتماع يضم أعضاء الآليتين الرباعية والخماسية، إلى جانب دول أخرى دعتها الولايات المتحدة، من بينها النرويج والمملكة المتحدة وسويسرا وقطر.

ويأتي الاجتماع المقرر في 24 سبتمبر في توقيت مهم، إذ تحاول واشنطن إحياء الجهود الرامية إلى التوصل لهدنة إنسانية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بالتوازي مع السعي لتعزيز التنسيق الدولي لدعم منظومة الوساطة الأوسع. وكان كبير المستشارين الأميركيين، مسعد بولس، قد أكد في 19 سبتمبر أن واشنطن تعمل مجدداً مع مصر والسعودية والإمارات، وهي الدول الأخرى الأعضاء في الرباعية، إلى جانب قطر وتركيا وشركاء أوروبيين، لفتح مسار جديد نحو هدنة إنسانية.

وعليه، ينبغي النظر إلى مباحثات نيويورك المرتقبة باعتبارها أكثر من مجرد اجتماع تنسيقي آخر؛ فهي تمثّل مسعى لتقريب مواقف الأطراف الخارجية الرئيسية، وإعادة ربط مسار الرباعية المعني بالهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار بالمسار السياسي للخماسية، وإرساء إطار دولي أكثر اتساقاً للتعامل مع الأزمة السودانية.

 

الرباعية والخماسية: نحو تقارب المسارين

يظل التمييز بين المسارين مهماً. فقد ركّزت الرباعية بصورة أساسية على التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف دائم لإطلاق النار، تعقبه مرحلة انتقالية. أما الخماسية، فقد انصبّ اهتمامها بصورة أكثر مباشرة على مشاورات تمهّد لعملية سياسية سودانية شاملة.

وتبرز الآن محاولات واضحة للربط بين هذين المسارين. فقبيل زيارة بعثة الخماسية إلى الخرطوم، خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر، أكدت الآلية صراحةً أنها تواصل التنسيق الوثيق مع الرباعية وشركاء دوليين آخرين، سعياً إلى بلورة مسار سياسي متسق. ووصف الاتحاد الأوروبي، بدوره، الآليتين بأنهما تعملان على نحو متزايد «جنباً إلى جنب»، بما يشير إلى بداية تشكّل منظومة أكثر تكاملاً لإحلال السلام.

ومن ثم، قد يمثّل اجتماع نيويورك خطوة إضافية نحو إضفاء طابع مؤسسي على هذا التقارب. وسيكون لصدور بيان يؤكد وحدة النهج دلالة سياسية مهمة، خاصة بعد أشهر أضعفت خلالها المبادرات المتنافسة، وتباين المصالح الإقليمية، والخلافات حول ترتيب الخطوات، قدرة المجتمع الدولي على التأثير.

وقد يسهم الاجتماع أيضاً في استعادة زخم الرباعية، التي واجهت مقترحاتها السابقة، ولا سيما ترتيبات الهدنة الإنسانية، صعوبات كبيرة مع طرفي الحرب. فقد انصبّ اعتراض القوات المسلحة أساساً على بنود الانسحاب وترتيب تنفيذ الخطوات، مع إصرارها على أن يسبق انسحاب الدعم السريع من المدن التي يحتلها أي هدنة، أو يتزامن معها، وفق شروط تختلف جوهرياً عن المطروح. من جانبها، أبدت قوات الدعم السريع تأييدها لهدنة إنسانية، مع اعتراضها على بعض عناصر ترتيبات الانسحاب المقترحة.

 

معضلة قبول الأطراف

إن تعزيز وحدة الموقف الدولي أمر ضروري، لكنه لا يكفي وحده.

ويظل الخطر الأساسي هو بناء إطار للتسوية من أعلى إلى أسفل؛ أي أن تتوافق الأطراف الخارجية فيما بينها، ثم تعرض ما تتوصل إليه على الأطراف السودانية لقبوله.

وتشير تجربة الحرب إلى محدودية فرص نجاح هذا النهج. فلا يمكن التعامل مع القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع باعتبارهما مجرد متلقّيين لصيغة جرى التفاوض عليها دولياً. ومهما يكن تقييم المجتمع الدولي لطرفي الحرب، فإنهما يظلان الطرفين العسكريين الرئيسيين اللذين تحدّد قراراتهما ما إذا كانت الهدنة الإنسانية أو وقف إطلاق النار سيدخلان حيّز التنفيذ فعلياً. وفي غياب أدوات ضغط مؤثرة، فإن هذا النهج، ببساطة، لا ينجح.

لذلك، لا بد أن يصاحب التوافق الدولي تشاور منظّم ومستمر مع الطرفين، قبل وضع الصيغة النهائية للمحددات الجوهرية لأي اتفاق.

ولا يعني ذلك منح أي من طرفي الحرب حق النقض على مستقبل السودان السياسي. بل يعني التمييز بين مسألتين مختلفتين: الاتفاق العسكري اللازم لوقف القتال، وهو يقتضي بالضرورة مشاركة الأطراف المسلحة وموافقتها؛ والتسوية السياسية التي تحدّد كيفية حكم السودان مستقبلاً، وهي تتطلب مشاركة سودانية أوسع بكثير في صياغتها وقيادتها، ولا يجوز أن يحتكرها حاملو السلاح.

وعليه، فإن التشاور مع القوى السياسية والمدنية أمر أساسي، لكنه لا يغني عن الانخراط مع الأطراف الرئيسية للنزاع عند التفاوض بشأن الهدنة، أو وقف إطلاق النار، أو الانسحابات، أو إيصال المساعدات الإنسانية، أو ترتيبات المراقبة، أو الضمانات الأمنية.

 

البعد الداخلي

تزداد هذه المهمة تعقيداً في ظل استمرار الانقسامات داخل السودان.

فالتشظّي السياسي لم يعد مقتصراً على الخلاف بين الكتل الرئيسية، بل بات يتسع داخلها أيضاً. ولا تزال المقاربات المتنافسة للحوار، والخلافات حول المشاركة والإقصاء، والجدل بشأن العلاقة بالقوات المسلحة والدعم السريع، والرؤى المتعارضة جذرياً حول دولة المستقبل، تعوق تبلور مركز سياسي سوداني جامع بالاتساع المطلوب.

وقد سعت الخماسية إلى معالجة ذلك من خلال التشاور مع الأطراف السياسية السودانية. ويتمثل هدفها المعلن في إطلاق عملية شاملة قادرة على بناء الثقة والمشروعية (وهذا الاهم) والفهم المشترك حول مسار سياسي يملكه السودانيون ويقودونه. غير أن التيسير الدولي لا يستطيع أن يصنع توافقاً سودانياً او يفرض مشروعية من الخارج ما دامت الأطراف السياسية نفسها تعاني انقسامات عميقة. ومن الواضح أن الاقتصار على التعامل مع جانب واحد من الطيف السياسي لن يفضي إلى توافق كافٍ، خاصة أن الجانب الذي يُنظر إليه بوصفه مهيمناً على ذلك الطيف تحيط بمنهجيته إشكالات.

ويضع ذلك الوساطة أمام تحدٍّ على ثلاثة مستويات.

أولاً، تحتاج الأطراف الخارجية إلى قدر كافٍ من التقارب فيما بينها. وثانياً، لا بد من إشراك الطرفين العسكريين الرئيسيين بالقدر الذي يتيح التفاوض على وقف الأعمال العدائية وتنفيذه. وثالثاً، تحتاج القوى السياسية والمجتمعية السودانية إلى بناء أرضية مشتركة كافية لمنح التسوية السياسية اللاحقة المشروعية وتحديد وجهتها.

وأي إخفاق في أحد هذه المستويات قد يقوّض التقدم المحرز في المستويات الأخرى.

ينبغي، إذن، النظر إلى اجتماع نيويورك المرتقب بعد أيام باعتباره تطوراً قد تكون له أهمية كبيرة، خاصة إذا نجح في تجسير الخلافات بين الرباعية والخماسية، وإرساء تقسيم أوضح للأدوار بين المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية. غير أن الانقسامات الحادة بين أعضاء الآليتين واحتدام التنافس بينهم، في ظل التحديات الاستراتيجية الإقليمية الآخذة في التشكّل، قد تحدّ من فرص نجاح هذا المسعى.

ولن تكون النتيجة الأكثر فائدة للاجتماع إصدار خارطة طريق تفصيلية أخرى تُصاغ خارج السودان، بل الاتفاق على إطار مشترك للوساطة، يقوم على مبادئ موحّدة، ورسائل منسّقة، وتحديد ترتيب خطوات مساري الهدنة الإنسانية والعملية السياسية، وآلية للتشاور المنتظم مع الأطراف السودانية.

فالمشكلة الأساسية لم تعد غياب المبادرات الدولية. لقد شهد السودان مبادرات وإعلانات وصيغ وساطة عديدة، لكن ما ظل ينقصها هو الاتساق، وقبول الأطراف، والتنفيذ، فيما أسهم التنافس الحاد في تقويضها.

ومع ذلك، يظل التوافق أقوى أساس متاح لعملية تسوية مشروعة، لكن ينبغي ألا يُخلط بين التوافق والإجماع التام. فعلى المستوى الدولي، المطلوب قدر كافٍ من الاتفاق بين الأطراف الخارجية الرئيسية يحول دون تنافس مسارات الوساطة. وعلى المستوى العسكري، المطلوب قدر كافٍ من الاتفاق بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع يجعل الهدنة وما يعقبها من وقف لإطلاق النار قابلين للتنفيذ. أما على المستوى السياسي، فالمطلوب توافق سوداني واسع بما يكفي للحيلولة دون تحوّل التسوية النهائية إلى مشروع لمعسكر سياسي في مواجهة معسكر آخر.

ويظل تحقيق هذه المستويات الثلاثة في وقت واحد أمراً صعباً، بالنظر إلى عمق الانقسامات الداخلية في السودان وتضارب مصالح الأطراف الخارجية.

ومع ذلك، تتيح مباحثات نيويورك فرصة للانتقال من وساطة مشتّتة إلى إطار موحّد ومنسّق. وينبغي أن يُقاس نجاحها في نهاية المطاف بمدى ترجمة التقارب الدولي إلى تشاور جاد مع الأطراف السودانية الرئيسية، وإلى عملية ذات مصداقية يملكها السودانيون ويقودونها، لا بقوة صياغة البيان الذي يصدر عنها.

ومن دون هذا الجسر بين التوافق الخارجي والقبول الداخلي، فإن أي إطار آخر يحظى باتفاق دولي، أو خارطة طريق يُعاد إحياؤها، أو بيان مشترك جديد، قد ينضم إلى القائمة الطويلة من المبادرات التي حققت توافقاً دبلوماسياً خارج السودان، ولم تجد إلا حظاً ضئيلاً من التنفيذ داخله.