الثلاثاء , 18 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

من الدولة إلى القبيلة: تفكيك السياسة السودانية خارج منطق الدولة

نور الدين صلاخ الدين

نورالدين صلاح الدين
أحاول تحت هذا العنوان ” من الدولة إلى القبيلة: تفكيك السياسة السودانية خارج منطق الدولة ” تقديم قراءة مباشرة للتحول البنيوي في طبيعة السلطة السياسية في السودان منذ استيلاء الجبهة الإسلامية على الحكم، وتأثير ذلك التحول على مفهوم الدولة، وطبيعة الصراع السياسي، وبنية الفاعلين الجدد.

منذ استيلاء الجبهة الإسلامية على الحكم، شهد السودان تحوّلاً بنيوياً في طبيعة السلطة السياسية، هذا التحول لم يكن مجرد انتقال من نظام إلى نظام.. بل كان انتقالاً من منطق الدولة إلى منطق الجماعة ومن السياسة بوصفها إدارةً للشأن العام إلى السلطة بوصفها أداةً للتمكين والسيطرة.

في المقابل، كانت الديمقراطية السودانية، بكل عيوبها واختلالاتها، قابلةً للإصلاح والتطور. وتجربة الأحزاب السياسية الكبرى، وعلى رأسها حزبا الأمة والاتحادي الديمقراطي، قبل انقلاب 1989، تؤكد ذلك. فقد كانت تلك المرحلة، رغم ضعف الآداء التنفيذي وكثرة الأزمات، محكومة بسقفٍ مدنيٍ واضح، وصراعٍ سياسي داخل مؤسسات منتخبة او متوافق عليها نسبياً، وهناك إمكانية حقيقية للتداول والمحاسبة، وهو ما قطعته الحركة الإسلامية بانقلابها العسكري، لا بسبب فشل الديمقراطية، بل خوفاً من تطورها خارج سيطرتها.
عموماً كانت هناك مؤسسات، وأحزاب، ونقابات، وصحافة، ومساحات عامة للصراع السياسي السلمي. وكانت الأزمة في الآداء، لا في البنية. أما ما حدث بعد ذلك فكان تدميراً للبنية نفسها، وليس مجرد إفساد لآدائها.

ضمن هذا السياق، تظل سلطة الحزب السياسي، مهما كانت فاشلة أو فاسدة، قابلة للمساءلة والتغيير داخل إطار الدولة. أما سلطة القبيلة أو الجماعة المسلحة أو البنية الأهلية، فهي سلطة مغلقة بطبيعتها، لا تخضع لمنطق القانون ولا لمنطق التداول، بل لمنطق الولاء والانتماء والحماية.

وعلى مستوى أعمق، لم يكتفِ مشروع الحركة الاسلامية بإضعاف الدولة، بل أعاد إنتاج المجتمع سياسياً على أساسٍ قبلي وأهلي. حيث جرى تفكيك المؤسسات الوطنية، وإضعاف الخدمة المدنية، وتسييس الجيش، وتفريغ الأحزاب من مضمونها، لصالح خلق طبقة سياسية جديدة قائمة على العصبيات والانتماءات الأولية.

في هذا السياق نشأت الحركات المسلحة، ثم ظهرت مليشيا الدعم السريع لاحقاً بوصفها إحدى أخطر تركات نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وامتداداً مباشراً لمنطق التفكيك نفسه.
إن الدعم السريع لم يظهر في فراغ، بل جرى تأسيسه ورعايته داخل بنية الدولة نفسها، في ظل نظام المؤتمر الوطني، كآداة أمنية موازية للجيش، خارج العقيدة العسكرية الوطنية، ومرتبطة مباشرة بمنطق الولاء السياسي والحماية السلطوية. وهو نتيجة لمسارٍ طويل من عسكرة السياسة، وتطييف الصراع، وتحويل الدولة إلى شبكة مصالح أمنية وقبلية.

العلاقة بين الحركات المسلحة والدعم السريع ليست علاقة تناقض جذري في البنية، بل اختلاف في التموضع داخل المشهد السياسي والأمني الذي صاغه نظام المؤتمر الوطني. كلاهما نتاج لانهيار الدولة الذي قادته الحركة الإسلامية، وكلاهما يعمل خارج منطق الدولة، ويستمد شرعيته من السلاح لا من السياسة. كلاهما نتاج لانهيار الدولة، وكلاهما يعمل خارج منطق الدولة، وكلاهما يقوم على التعبئة الاجتماعية المسلحة لا على الشرعية السياسية.

وفي المرحلة الراهنة، نشهد خطاباً إعلامياً وسياسياً جديداً يعبّر عن هذا الانحدار البنيوي حيث برز ناشطون، وإعلاميون، وفاعلون سياسيون يبررون العنف، ويدافعون عن الدعم السريع وغيره من المليشيات، ويتعاملون مع هذه التركات بوصفها أمراً واقعاً لا بوصفها جريمة سياسية يجب تفكيكها.
هذا الخطاب لا ينفصل عن محاولات تبييض تجربة الحركة الإسلامية نفسها، عبر تقديم نتائج سياساتها الكارثية وكأنها أخطاء لاحقة أو انحرافات معزولة، لا امتداداً طبيعياً لمشروع حكم قام على تقويض الدولة وبناء سلطات موازية.

وبهذا المعنى، فإن الدفاع عن الدعم السريع، أو تبرير وجوده، أو التعامل معه كفاعل سياسي مشروع، هو في جوهره دفاع غير مباشر عن المنطق الذي أنشأه، أي منطق المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، حتى وإن جرى ذلك بأسماءٍ جديدة وشعاراتٍ مختلفة.

نتيجةً لذلك، لم تعد المشكلة في اختلاف المواقف السياسية، بل في انهيار المعايير نفسها. ولم يعد النقاش حول برامج أو رؤى أو سياساتٍ عامة، بل حول ولاءات، وهويات، وانتماءات، ومناطق، وقبائل، ومحاور.

وعند هذه النقطة، يتضح أن ما حدث في السودان ليس مجرد فشل ديمقراطي، بل انهيار لمفهوم الدولة ذاته. حيث كان الانتقال من دولةٍ ضعيفة إلى حالة اللادولة، ومن نظامٍ سياسيٍ مأزوم إلى بنية سلطوية مفككة، ومن صراعٍ سياسي إلى صراعٍ اجتماعي مسلح.

وانطلاقاً من هذا التشخيص، فإن إعادة بناء السودان لا تبدأ من المصالحات القبلية ولا من التوازنات العسكرية، ولا من إعادة تدوير أدوات المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، بل من استعادة منطق الدولة والمضي نحو دولة القانون، والمؤسسات، والمواطنة، والسياسة المدنية، والاحتكار الشرعي للسلاح، والفصل بين المجتمع والسلطة.
وبغير ذلك، فإن أي مشروع لا ينطلق من هذا الأساس سيعيد إنتاج الأزمة نفسها بأسماءٍ جديدة، وشعاراتٍ مختلفة، ووجوهٍ أخرى، لكن بالمنطق ذاته.

إن القوى السياسية والمدنية التي تساوي بين الدولة والمليشيا، أو تضع الجيش النظامي والدعم السريع في كفةٍ واحدة، أو تتعامل مع المليشيا بوصفها طرفاً سياسياً عادياً، تتحمل مسؤوليةً سياسيةً مباشرة عن إطالة أمد الأزمة، وعن إعادة إنتاج شروط الانهيار. فالمعادلة بين الدولة واللا دولة ليست موقفاً وسطاً، بل انحيازاً عملياً لمنطق التفكيك، مهما كانت النوايا المعلنة.
فالمسألة ليست تغيير سلطة بسلطة، بل تغيير منطق الحكم نفسه.

هذا النقاش ليس ترفاً فكرياً، بل هو شرطٌ لازم لفهم جذور الأزمة السودانية، ولتجنّب إعادة إنتاجها تحت أي مسمى سياسي أو عسكري جديد.

26 يناير 2026