حكومة التعايشي الافتراضية متاهة جديدة في الأزمة السودانية (3)
الصادق علي حسن
حكومة تأسيس خرجت من رحم التناقض، وفلول الدعم السريع يعتقلون أبناء نيالا ويانكو، ويجندون الأطفال
على الرغم من أن القوتين الرئيسيتين: الدعم السريع، والحركة الشعبية شمال بقيادة القائد الحلو، تمثلان عَضُم تحالف تأسيس وجسمه الرئيس، وما عداهما أذرع وأطراف ولافتات، مما يعني أن تحالف تأسيس تتغلب عليه تأثيرات فوهة البندقية في مواجهة طرف معسكر بورتسودان. وبحسب الناطق الرسمي باسم تحالف تأسيس، د. علاء نقد، فقد اتخذ التحالف المذكور من مدينة نيالا عاصمة له. لم يظهر من بين أبناء نيالا أو لجان مقاومتها أحد في جلبة تأسيس، بل شهدت نيالا — في ظل واقع الدعم السريع المرير المفروض عليها وعلى إنسانها — تجاوزات وانتهاكات جسيمة ظلت تقوم بها عناصر الدعم السريع منذ اندلاع الحرب العبثية الدائرة. وظلت أحياء المدينة تتعرض للسلب والنهب، وقد تم نهب منازل أحياء وسط المدينة ونقل أثاثاتها، كما حدث بواسطة عناصرها بالخرطوم وبواسطة جنود الجيش عقب استرداد الخرطوم.
وفي نيالا، تعرض نشطاء المدينة للاعتقالات التعسفية لعدم موالاتهم الدعم السريع. ومن الذين اعتُقلوا: يانكو وآخرون لمجرد أنهم ظلوا يتحدثون عن انتهاكات الجيش والدعم السريع. وهناك تجنيد مستمر للأطفال. كما لم تسلم المدينة من انتهاكات المرأة والعنف الجنسي. والذين يمارسون التسلط على المدينة هم أنفسهم منسوبو حزب المؤتمر الوطني الذين ظلوا طوال عهد النظام البائد يمثلون السلطة ويمارسون فسادها، وقد تحولت مراكزهم من مؤتمر وطني إلى دعم سريع فتأسيس، ومن أداة وأيادٍ قاهرة بشعارات المؤتمر الوطني إلى أداة وأيادٍ قاهرة بشعارات الدعم السريع.
ممارسات وفظائع جسيمة ظلت متستَّرًا عليها، ليتحمل الإنسان العادي مرة أخرى أثقال المعاناة، بعد أن استرخى برهة من الوقت عقب الثورة، لتتجدد معاناته بأثقال إضافية بأيدي عناصر الدعم السريع. ولم تكترث الأحزاب والقوى السياسية أو المدنية لأعداد ضحايا نيالا وضحايا دانات الدعم السريع والقصف الجوي للمدينة بواسطة الجيش، وظلت الطائرات والعتاد الحربي الإماراتي تأتي وتنقل الجرحى، بينما التزمت القوى السياسية كلها الصمت المطبق.
التزم الدقير وإبراهيم الشيخ وبرمة ناصر وصديق الصادق، وعلى رأسهم د. حمدوك في الإمارات، الصمت المطبق. كما التزم الفكي وبابكر فيصل وسلك وغيرهم الصمت المطبق. فالضحايا مجرد أرقام للنخب السياسية في قحت وتقدم وصمود، كما صاروا مجرد أرقام لنخب تأسيس الذين يرفعون شعارات هلامية، تارة بإنهاء دولة 1956م، وتارة أخرى بديمقراطية مدعاة، لتزداد معاناة الإنسان والأسر والأطفال والنساء والمرضى والعجزة في المصير المجهول.
شعارات نخب وأسماء أدمنت السلطة
من يطالع تصريحات ونتائج مخرجات تحالف تأسيس يجدها عبارة عن شعارات هلامية. ومن هذه الشعارات “محاربة الفلول”، بينما مفاصل الدعم السريع وتأسيس تعج بالفلول. وعن الديمقراطية المدعاة، فإن ممارسات تأسيس لا تكشف عن ديمقراطية، بل نخب جديدة متدثرة بشعارات الهامش امتهنت العمل السياسي، ولا تدفع فاتورته، وتسوق البسطاء بالشعارات البراقة.
رئيس وزراء تأسيس هاجر إلى بريطانيا منذ سنوات واستقر بها وصار من مواطنيها، وظل بعيدًا عن الثورات وكلفة ثورة ديسمبر المجيدة وفاتورتها الباهظة، يراقب من على البعد جهود الشباب التي بُذلت بسخاء وقدمت بجسارة متناهية، ثم أتى ليتولى المنصب السيادي الرفيع، لكنه انشغل بالسلطة ولم يتذكر الثوار، كما لم يجد الوقت ليتفقد أو يسأل عن أسرهم في أطراف هوامش الخرطوم.
ولا أزال أذكر أحد زملائه الذين أتوا من دول الغرب وتولى وزارة مهمة، حيث طالبناه وزملاؤه أن يخصصوا من عوائد نثريات سفرهم مبالغ قليلة لشراء منزل لأسرة الشهيد خاطر والشهداء الآخرين من أصحاب الاحتياجات الملحة والظروف الصعبة، فكان رده ببساطة: “الشهداء قدموا تضحياتهم من أجل إيمانهم بمبادئهم”. وعاد بعد الحرب ينتظر شباب الثورة للخروج مرة أخرى من أجل مبادئهم، ليعود هو نفسه مرة أخرى إلى المنصب الوزاري الرفيع.
الطاهر حجر من دارفور الاجتماعي، الذي صار من مدينة المناقل، تولى المنصب السيادي ولم يهتم طوال وجوده في القصر بزيارة معسكر من معسكرات النازحين التي بسببها نال المنصب السيادي، واهتم بالذهاب بعربة القصر الفارهة إلى جامعة النيلين لاستلام شهادة تخرجه كما نشر في الوسائط.
د. سليمان صندل، رائد الشرطة الشعبية الذي أدخل في إنسان مدينة نيالا الرعب، وكان يتصدى للآراء بالكتابة في صحيفة “ألوان” مهددًا بالويل والثبور، وعقب المفاصلة اتجه صوب الشعبي، ثم حمل بندقيته مع العدل والمساواة، ثم عاد وعلى كتفه رتبة فريق بعد اتفاق جوبا، وكان الأكثر تشددًا تجاه رفض مطالب الثوار ومن عتاة عناصر اعتصام الموز. لم ينل إدارة الجهاز، فأسس باسمه حركة مسلحة مستقلة ليطالب بها لنفسه بالمنصب، ويوعد مع زملائه إنسان دارفور بديمقراطية مدعاة لم يمارسها في حياته.
في زمن المزايدة بالشعارات، ظهر آخرون تملكتهم شهوة السلطة في “تأسيس فلان” و”فرتكان”، من الأسماء التي تجدها بارزة في التصريحات الإعلامية، فقد صارت لهم السياسة مغانم ومكاسب وسلطة.
الانقسام المجتمعي
لقد انقسم المجتمع إلى قبليات وجهويات، كما انقسمت الدولة نفسها إلى حكومتين تتنازعان على السلطة وتديران الحرب الواقعة على رأس المواطن المقهور، بشعارات “حرب كرامة” مزعومة و”ديمقراطية” مدعاة. حرب في جوهرها أهلية ومناطقية بين قيادة الجيش وحلفائها، والدعم السريع وحلفائه.
ولم يعد هناك خيار سوى وقف هذه الحرب لصالح الأجيال المتعاقبة لتعيش بسلام في دولة موحدة وفقًا لقواعد تأسيسها المجازة في 1955م، أو من خلال ذات القواعد لتقرير مصائر شعوبها. هذه هي النتيجة في خاتمة المطاف، ومن الأفضل الوصول إليها اليوم بالتراضي والوعي قبل حدوثها غدًا كأمر واقع.
يجب على كل الأطراف المتنازعة العودة إلى قواعد تأسيس الدولة التي تحدد مشروعية المطالب والحقوق. هذه القواعد نصت على وضع الدستور الدائم للبلاد بانتخاب النواب المؤسسين من كل أقاليم السودان، كما ومن خلالها يمكن للشعب أن يمارس كل الحقوق، ويمكن للشعوب أن تطالب بتقرير مصائرها، وبذلك يتم الحفاظ على الدولة وحقوق الشعوب المكونة لها إذا طالبت بذلك من خلال الاستفتاء الشعبي المكفول ضمن مبادئ الأمم المتحدة للشعوب.
ويتجاوز الإنسان السوداني والدولة حلقة الحرب الدائرة على السلطة بين نخب المركز المانحة للسلطة ونخب الهامش المتلقية، وقد ظهرت نخب “هوامش الهامش” وكثرت اللافتات المرفوعة بالحركات المسلحة التي في حقيقتها تتدثر برمزية القبائل والمناطق، في دولة هشة التكوين لم تعرف الاستقرار السياسي منذ إعلان استقلالها.
