الأحد , 16 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

مقدمة سوسيولوجية وأنثربولوجية للسّياسة في السّودان (2-3)

أحمد يعقوب

أحمد يعقوب

أحمد يعقوب

البِنى المؤسسة للاجتماع السوداني: (2)

إن مقاربة مسألة “المجتمع” في السودان، ليست مجرد استعراض لتركيبة ديموغرافية أو وصف لتعدد إثني، بل هي غوص في أعماق التاريخ الأنثربولوجي والسوسيولوجي لتفكيك البنى الخفية التي تشكل نسيجَه الاجتماعي، وتحدد إيقاع حركته، بل وتسبغ عليه هويته المتشظية. فـ”المجتمع السوداني”، بهذا المعنى، ليس كياناً جامداً أو معطى نهائياً، بل هو حقل متوتر من العلائق، والصراعات، والتمثلات الرمزية التي تتأسس عبر زمن طويل من التفاعل بين الإنسان والأرض، وبين الجماعة والأخرى، وبين السلطة والهوية.

من منظور سوسيولوجي تاريخي، يفرض علينا السؤال عن البنى المؤسسة لهذا المجتمع الانتقال من قراءة الأنساق الاجتماعية بوصفها مجرد أطر وظيفية، إلى قراءتها باعتبارها بنىً مخيالية، أي منظومات دلالية وسردية تنتج المعنى وتوجه الفعل. فهذه البنى ليست وليدة لحظة آنية، بل هي نتاج تراكمات تاريخية تمت صياغتها عبر أنساق ثقافية متوارثة، تجلت في القصص، والأشعار، والأمثال، والحكايات، التي شكلت معاً “نسقاً مخيالياً” ضابطاً. وهذا النسق ليس مجرد انعكاس سلبي للواقع، بل هو أداة إنتاجية للواقع نفسه؛ فهو الإطار الذي من خلاله يُدرك أفراد المجتمع ذواتهم، ويُفسرون علاقاتهم، ويشرعون ممارساتهم، ويُخضعون الآخر لسلطة رؤيتهم للعالم.

وهنا تبرز الأنثربولوجيا الفلسفية كأداة نقدية، حين تكشف لنا أن هذا “المخيال” في السياق السوداني، وفي غياب مشروع وطني جامع، قد اتخذ شكلاً قبلياً ضيقاً. فالمخيال القبائلي، لا يحمل في طياته وعوداً تحررية تتجاوز الجماعة الضيقة نحو أفق إنساني أوسع، بل هو يستدعي الماضي كصحوة أصولية، تنتج إغراء الاستعلاء، وتكرس منطق إقصاء الآخر، وتُعيد إنتاج ذات الجماعة في مواجهة “الغير” بوصفه تهديداً وجودياً. إنه مخيال يستوطن الأرض لا ليعمرها، بل ليرسم حدودها الفاصلة، ويفرض قوانينه المتسيّدة، فيتحول الفضاء الجغرافي إلى مسرح للصراع الدائم، ليس مع جيران الجماعة فحسب، بل حتى داخلها بين عشائرها المكونة، فيما يشبه “حرب الكل ضد الكل” في غياب ضابطة رمزية أو سياسية عليا.

هذه السيادة المخيالية للقبيلة، أدت إلى مفارقة تاريخية كبرى: وهي أن الدولة السودانية الحديثة، سواء في صورتها الاستعمارية أو ما بعد الاستقلال، لم تستطع الخروج من خطاب هذه الكيانات القبلية، بل ظلت أسيرة له، وتحولت في كثير من الأحيان إلى أداة سائلة في أيديها، تعكس توازنات القوة بينها، وتُكرس هيمنة الأقوى على حساب الأضعف. وهنا يبرز السؤال حول مفهوم “المدينة” في هذا السياق: فالمدينة، التي يفترض أن تكون فضاء الحداثة والتعدد والتعاقد المدني، لم تشكل في السودان بوتقة انصهار قومي حقيقي، بل لم تخرج من حالتها القبائلية الأولى؛ بل إن بعض مدنها تحولت إلى “غيتوهات” قبلية، يعيش سكانها في زمن قبائلي متجمد، يحكمه نسق ثقافي واحد، يكرس العزلة، ويرسخ دعائم الإقصاء والعنصرية بحق أي “دخيل” يهدد تماسك هذا النسق.

ومن هنا، فإن قراءة البنى المؤسسة للمجتمع السوداني، تقتضي منا تجاوز النظريات التقليدية التي تتحدث عن “الصراع بين المركز والأطراف”، إلى مقاربة أكثر عمقاً تفكك أركيولوجيا المخيال السوداني المتعدد، أي البحث في طبقاته الجيولوجية التاريخية، حيث تتراكم سرديات الانتماء، وتتشكل أنساق الهيمنة، وتُبنى شرعية السلطة. إنها محاولة لفهم كيف تحولت التنوعات الثقافية واللغوية والدينية من ثراء افتراضي إلى عامل تفكك، وكيف تم أسر الدولة في خطابات الهوية الضيقة، وكيف يمكن، انطلاقاً من هذا التشخيص، استشراف إمكانيات تعافي المجتمع من خلال إعادة بناء مخيال آخر، يتجاوز الاستعلاء والإقصاء، نحو أفق وطني تعددي قائم على الاعتراف بالآخر، ليس بوصفه تهديداً، بل بوصفه شرطاً لوجود الذات وتجددها.

وهكذا، فإن هذه الخطاطة تسعى لوضع إطار نظري وتاريخي يربط بين سوسيولوجيا البنى، وأنثروبولوجيا المخيال، وفلسفة التاريخ، لتقديم قراءة متماسكة لمشكلات المجتمع السوداني، لا تكتفي بوصف الأعراض، بل تتعقب جذورها في أعماق البنى المؤسسة، مؤملة في أن تكون مدخلاً لنقد هذه البنى، وربما لتجاوزها.

الذات السودانية بين البنية المعرفية وعصاب الهوية

إن تأمل نظرة السوداني إلى ذاته في “المرآة”، لا يمكن أن يكون مجرد استعراض انطباعي أو وصف لحالة نفسية عابرة؛ بل هو بالضرورة مقاربة إبستمولوجية تبحث في البنية المعرفية التي تشكل رؤية الذات للذات وللآخر، ضمن إطار كلي يحكم هذه التمثلات ويضبطها. حيث لا يمكن تعريف أي مجتمع بمعزل عن هذه البنية المعرفية التي تمثل الأساس الراسخ الذي تنطلق منه ماهيته وتصوراته. وهنا تكمن المفارقة المركزية في السياق السوداني: إذ يبدو أن البنية المعرفية الجامعة إما أنها غائبة، أو أنها متعددة ومتصارعة إلى درجة تجعل صورة السوداني، حين ينظر إلى نفسه في مرآة الجغرافيا والتاريخ والممارسة يجدها صورة غائمة، مشوشة، شائهة، تعكس أزمة عميقة في تكوين الذات الفردية والجمعية على حد سواء.

من منظور الأنثروبولوجيا المعرفية، تستند أي جماعة إلى مرجعية معرفية (أسطورية، دينية، تاريخية، أو فلسفية) تتيح لها استبطان وجودها، وتفسير علاقتها بالآخر، وتبرير أنماط ممارستها اليومية. وهذه المرجعية تشكل ما يمكن تسميته بـ “مرآة المجتمع” التي يرى من خلالها ذاته منتصبة، متماسكة، ذات معنى. غير أن السودان، بتعدده الإثني والثقافي واللغوي، لم يشهد حتى الآن تولد بنية معرفية وطنية جامعة تتجاوز خصوصيات المجموعات، وتستوعب تعددها في إطار كلي متسامح. وبدلاً من ذلك، تسيدت بنى معرفية متعددة ومتنافسة، كل منها تدعي أنها “الأساس الراسخ” الذي تنطلق منه الماهية، ولكنها في الواقع تعكس مخيالاً قبلياً أو جهوياً أو عرقياً ضيقاً، أن هذه التعددية، في غياب حوار معرفي حقيقي، لم تنتج تنوعاً غنياً، بل أنتجت حالة من الفوضى المرجعية، حيث أصبح السوداني يبحث عن ذاته في مرايا متعددة، لا تعكس له وجهاً واحداً، بل وجوهاً متشظية لا تلتئم.

إن غياب البنية المعرفية الجامعة، يقود بالضرورة إلى ما يمكن، استعارة بمفهوم التحليل النفسي، تسميته بـ “العصاب الهوياتي”. فالسوداني يعيش حالة من عدم اليقين الذاتي، فهو غير متيقن من كيفية ظهور كينونته أمام الآخر، والآخر بدوره غير معترف بالتعريف الذي يلقاه، والعكس صحيح. وهذه الحالة تنتج توتراً دائماً يظهر في الممارسة اليومية على شكل استبسال دفاعي عن صور عرقية وثقافية شائهة، وتصلب في المواقف، وعنف رمزي أحياناً، لأن الذات، التي لا تجد انعكاساً مستقلاً لها، تضطر إلى تأكيد وجودها عبر نفي الآخر أو استعلائها عليه. ففي غياب مرآة كلية تعكس الجميع، يصبح كل فرد وجماعة مرآة الآخر، ولكن هذه المرايا مشوهة، مكسورة، لا تعكس إلا صورة الذات كما يريد لها الآخر أن تكون، أو كما تخشى الذات أن تكون؛ فالصورة التي يراها السوداني لنفسه في مرآة الحياة، هي في الغالب صورة مبنية على نظرة الآخر إليه، وليست صورة مستمدة من جوهره الذاتي المستقل.

يتجسد هذا التشوش بوضوح حين “يتجول السوداني في بقاع السودان المختلفة”، فهذا التجوال، الذي يفترض أن يكون اكتشافاً للذات عبر التنوع، يتحول إلى اختبار مستمر للهوية وسط مرايا متغيرة. ففي الشرق، ينظر إليه بوصفه “غربياً” أو “وسطياً”، وفي الغرب يوصف بوصفه “شرقياً” أو “نيلياً”، وفي الجنوب (قبل الانفصال) كان يُصنف بوصفه “شمالياً”، وفي الشمال قد يُصنف بوصفه “جنوبياً” أو “غربياً” وفي كل محطة، يعاد تشكيل صورته وفقاً لمخيال القبيلة أو الجهة المسيطرة، وكأن الذات السودانية ليست كياناً قائماً بذاته، بل هي نتاج متغير لعدسات النظر المتعددة. وهكذا، يصبح السوداني رهينة “المنظور إليه من عدسة الآخر دائماً”، يفقد السيطرة على سرديته الخاصة، ويتحول إلى موضوع يُرى ويُصنف، بدلاً من أن يكون فاعلاً يرى ويُعرف.

من منظور السوسيولوجيا السياسية، فإن هذه الأزمة المعرفية تنعكس وتتغذى في آن واحد من علاقة الدولة بالمجتمع. فالدولة السودانية، التي كان يُفترض أن تكون الصانعة للبنية المعرفية الجامعة من خلال التعليم والإعلام والسياسات العامة، تحولت هي نفسها إلى ساحة للصراع بين الهويات المتشظية. فهي لم تنجح في إنتاج “مواطن” له هوية مدنية جامعة، بل ظلت أداة في أيدي الجماعات القبلية وأسيرة للمخيال القبائلي وحيث تعكس توازنات القوة لا توازنات المعنى. وهذا الفشل السياسي في إنتاج إطار رمزي وطني، عمّق من التشوش المعرفي، وجعل السوداني ينظر إلى الدولة نفسها كمرآة مشوهة تعكس هيمنة الآخرين، لا كمرآة تعكس حقه في الوجود والمواطنة المتساوية.

ورغم هذا التشوش العميق، فإن تأمل السوداني لذاته في مرآة الحياة ليس لحظة يأس مطلق، بل يمكن أن يكون لحظة نقد ذاتي ووعي نقدي. فالاعتراف بـ “تشوه الصورة” هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء بنية معرفية جديدة، تقوم ليس على إنكار الاختلاف، بل على إعادة تأويله في إطار وطني تعددي. وهذا يتطلب جهداً فلسفياً وسياسياً وثقافياً لبناء مرآة جديدة، مرآة لا تكرس استعلاء مجموعة على أخرى، بل تسمح للجميع بأن يروا أنفسهم فيها، ويروا الآخرين، في آن واحد، كوجوه مكملة، وليست مهددة. إنها مهمة شاقة، تتطلب إعادة كتابة التاريخ، وتنقية الذاكرة، وتطوير تعليم ينتج وعياً وطنياً نقدياً، وسياسات تعترف بالتعدد كثراء، وليس كتهديد.

وتظل نظرة السوداني إلى ذاته في مرآة الحياة معلقة بين حاضر مشوش ومستقبل مرتجى. لكن ثمة إمكانية للخلاص، إذا ما تحول التشوش إلى فضول معرفي، وإذا ما تحول العصاب الهوياتي إلى طاقة نقدية، وإذا ما تمكن السودانيون، عبر مرآتهم المتكسرة، من رؤية بعضهم بعضاً على حقيقتهم، والبدء في بناء مرآة جديدة قادرة على احتضان كل هذه الوجوه دون أن تهشمها ولن يتم ذلك الا بالنظر إلى سلطة التاريخ ومخيالاته.