أميركا تقترح توسيع حظر السلاح في السودان وسط اعتراض روسي صيني
نيويورك 24 أغسطس 2026 – اقترحت الولايات المتحدة الأمريكية، الاثنين، على مجلس الأمن الدولي توسيع قرار حظر السلاح في دارفور ليشمل كل السودان، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، وسط رفض روسي صيني قاطع.
وعقد مجلس الأمن جلسة إحاطة بشأن الوضع في السودان، تحدث فيها كبار مسؤولي الأمم المتحدة، ومستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ومندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس، كما شهدت الجلسة مداولات بين أعضاء المجلس.
وقال مسعد بولس إن بلاده “طرحت مشروع قرار قويًا يتضمن أربعة أمور رئيسية، في مقدمتها توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل أراضي السودان، على أن تقع الطائرات المسيّرة والأنظمة والتكنولوجيات ذات الصلة ضمن نطاق الحظر”.
وأوضح أن مشروع القرار يطالب الأمين العام بزيادة عدد الخبراء في فريق الخبراء التابع للقرار 1591، مع دعوته إلى التعاون مع فرق الخبراء الأخرى التي تغطي المنطقة، من أجل تزويد مجلس الأمن بمعلومات أفضل بشأن انتهاكات تجميد الأصول وحظر السفر وحظر الأسلحة.
وأشار إلى أن المقترح يهدف إلى عكس الحقائق القاسية للنزاع الحالي وزيادة الضغط على جميع الأطراف لإنهاء القتال.
وأضاف: “لا تسعى هذه الإجراءات إلى منح أي طرف مزايا أو عيوبًا، أو تغيير ديناميكيات ساحة المعركة، باستثناء الدفع نحو إنهاء سريع للقتال. كما لا تهدف إلى خلق أو الإيحاء بوجود تكافؤ بين أطراف النزاع، باستثناء حقيقة أن على الجميع السعي إلى السلام وتحمل مسؤوليات المساءلة”.
وفرض مجلس الأمن الدولي نظام العقوبات على السودان عام 2005 بموجب القرار رقم 1591، الذي يحظر بيع وتوريد الأسلحة إلى جميع الأطراف المتحاربة في دارفور، مع فرض عقوبات تشمل حظر السفر وتجميد الأصول على منتهكي القرار.
وشكل مجلس الأمن، بموجب القرار 1591، فريق خبراء يساعد اللجنة على رصد تنفيذ التدابير المفروضة، إضافة إلى التحقيق في تمويل الجماعات المسلحة والعسكرية والسياسية ودورها في الهجمات على المدنيين.
وأفاد بولس بأن النزاع أجبر المدنيين على الفرار من منازلهم التي تعرضت بعد ذلك للنهب، كما واجهوا فظائع وانتهاكات مروعة حتى أثناء فرارهم إلى مناطق آمنة، واضطروا إلى الاختباء من الطائرات والطائرات المسيّرة التي تستهدف المواقع المدنية.
وذكر أن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة خلف دمارًا، حيث أودت بحياة أكثر من 1,120 مدنيًا سودانيًا خلال النصف الأول من هذا العام، بما يقارب 80% من إجمالي وفيات المدنيين المسجلة في 2026.
وأوضح أن المسيرات تلحق أضرارًا بالأسواق والمنشآت الصحية وقوافل المساعدات والبنية التحتية الأخرى الضرورية للحياة اليومية، مما يؤدي إلى تعميق الأزمة والاحتياجات الإنسانية.
وبين أن قوات الدعم السريع تواصل عرقلة وصول المساعدات الإنسانية ومهاجمة البنية التحتية الحيوية، مثل محطات المياه وشبكات الكهرباء.
وكشف بولس عن شن الجيش أكثر من 12 هجومًا وغارة بالطائرات المسيّرة خلال أغسطس الحالي في شمال وجنوب كردفان، من بينها هجوم على جبرة الشيخ أسفر عن مقتل 5 مدنيين.
وقال إن الجيش والدعم السريع يفضلان تركيز جهودهما على تصعيد العنف، ومحاولة الاستيلاء على أراضٍ جديدة، والسعي إلى تحقيق نصر عسكري بعيد المنال، مدفوعين بالرغبة في الانتقام والتعطش إلى السلطة، بدلًا من السعي إلى هدنة إنسانية ومسار نحو السلام.
ودعا مجلس الأمن إلى بذل مزيد من الجهود لمنع الفظائع، وتخفيف معاناة المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وأعلن مندوبو كل من الدنمارك، بريطانيا وفرنسا في مجلس الأمن تأييد المقترح الأمريكي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل كل الأراضي السودانية.
ودعا وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، الذي تتولى بلاده رئاسة مجلس الأمن لشهر أغسطس، إلى توسيع نطاق تفويض المحكمة الجنائية الدولية ليشمل السودان بأكمله.
وحمل مجلس الأمن مسؤولية وقف الحرب التي أفاد بأنها تزعزع استقرار المنطقة بأكملها، مطالبًا بالتوصل إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف إطلاق النار، معتبرًا ذلك “السبيل الوحيد لتحقيق حماية حقيقية للمدنيين”.
الموقف الروسي

في المقابل، أعلن مندوب روسيا في مجلس الأمن، فاسيلي أ. نيبينزيا، رفضه المقترح الأمريكي لتوسيع نطاق عقوبات مجلس الأمن أو حظر الأسلحة على السودان.
وقال: “في الآونة الأخيرة، نسمع تقييمات مقلقة بشأن اتساع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة القتالية في سياق الصراع السوداني، وسط دعوات إلى فرض حظر شامل على تزويد البلاد بهذه الأنظمة والتقنيات المرتبطة بها. ونحن نتفق على أن الطائرات المسيّرة الهجومية تشكل تهديداً خطيراً”.
وأوضح نيبينزيا أن قوات الدعم السريع لا تستخدم هذه الطائرات بصورة عشوائية وغير منضبطة فحسب، بل غالباً ما تستخدمها بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالبنية التحتية المدنية والسكان المدنيين. وفي المقابل، تسعى القوات المسلحة السودانية إلى توخي الدقة عند استهدافها.
وتابع: “من غير المقبول القول إن طرفي الصراع يتحملان مسؤولية متساوية عن تداعيات استخدام الأسلحة، بالنظر إلى أن أحد الطرفين ينشر الفوضى والعنف، بينما ينفذ الطرف الآخر، في جوهر الأمر، عملية لتحييد من يُعدّون، في حقيقة الأمر، متمردين يدمرون البلاد”.
وأبدى الدبلوماسي الروسي عدم رضاه حيال العقوبات المفروضة على السودان، مشيراً إلى فرض الاتحاد الأوروبي في يوليو الماضي حظراً على واردات الذهب السوداني. كما وسعت واشنطن نطاق قيودها، بما في ذلك حظر تقديم المؤسسات المالية الدولية ائتمانات أو مساعدات مالية وفنية للسودان.
وأضاف: “نعتبر مثل هذه الخطوات غير مقبولة وعدائية تجاه حكومة البلاد. ففي وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من تداعيات سنوات من الصراع، وتزداد فيه حاجة الدولة إلى الموارد لإعادة تأهيل قطاع الصحة وإمدادات المياه والزراعة وغيرها من مرافق البنية التحتية الأساسية أكثر من أي وقت مضى، فإن سياسة الخنق الاقتصادي هذه تثير تساؤلات جدية”.
وشدد على أنه في نهاية المطاف، سيتحمل السودانيون العاديون العبء الأكبر لتداعيات هذه القيود الجديدة. ومن المنظور نفسه، ننظر إلى أي محاولات لتوسيع نظام العقوبات القائم الذي يفرضه مجلس الأمن الدولي على السودان.
وتابع: “نحن على قناعة بأن الطريق إلى تخفيف معاناة الشعب السوداني لا يكمن في مواصلة استنزاف الاقتصاد السوداني، وإنما في إنهاء الأعمال العدائية، وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية، ودعم جهود تعافي البلاد”.
وحول المسار السياسي للأزمة السودانية، قال المندوب الروسي إن التعثر لازم جهود الوساطة، فلم تحقق المجموعة الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) أي تقدم. كما أصاب الجمود “الرباعية” بشأن السودان، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.
ورأى أن هذه النتيجة كانت حتمية، إذ إن تحركات الرباعية، في سعيها لإيجاد أرضية مشتركة بين طرفي الصراع، اختُزلت عملياً في ممارسة الضغوط والابتزاز وليّ الذراع بهدف إجبار حكومة السودان على تقديم تنازلات غير مقبولة – وفق تعبيره.
وأردف: “ما زلنا نعتقد أن أي جهود للوساطة ينبغي أن تجري تحت رعاية الأمم المتحدة، وأن تحمل رسالة بناءة وواضحة إلى حكومة السودان”.
من جهته أشاد المندوب الصيني بالخطوات التي اتخذتها حكومة السودان لتيسير العمل الإنساني، موضحًا أن العقوبات هي وسيلة وليست غاية في حد ذاتها.
وأكد على ضرورة مراعاة المجلس لسيادة السودان ومؤسساته، مشيرًا إلى أن الصين لا تدعم فرض أي حلول خارجية على البلاد.
وتمتلك روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن، حيث تستطيعان عرقلة تمرير أي قرار.
رفض الحكومة

وبالتزامن مع جلسة مجلس الأمن حول السودان، أطلق رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، تصريحات مقللة من الحديث عن عقوبات إضافية.
وقال مخاطبا حفل تخريج الدفعة (22) ضباط تأهيلية كلية علوم الشرطة والقانون، إن “الحديث الدائر حول إمكانية فرض عقوبات على البلاد لن يؤثر علينا ولن يفت من عضدنا”.
ودعا الشعب السوداني إلى عدم الالتفات إلى ما يروجه من وصفهم بالأعداء والمغرضين بشأن فرض حظر جوي على البلاد، مجددًا المضي قدمًا في القتال حتى تحرير كل شبر من أرض السودان دنسه التمرد.
وأضاف: “رسالتنا للذين يتواجدون في فنادق الخارج ويصفقون للعقوبات لإخضاع الشعب السوداني، هي أن الشعب لن ينكسر، وسيحيق الانكسار والخذلان بكم. إن هؤلاء لن يستطيعوا حكم الشعب من جديد”.
تقويض للسيادة
وأعلن مندوب السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس، خلال مداولات جلسة مجلس الأمن، رفضه توسيع حظر الأسلحة إلى ما يتجاوز نطاقه الحالي.
وأوضح أن مشروع القرار سيؤدي فعليًا إلى مساواة الجيش بقوات الدعم السريع، ويقوض سيادة السودان.
وأضاف: “هذا ليس تعديلًا فنيًا، ولا مجرد تكيّف مع التطورات”.
ودعا الحارث مجلس الأمن إلى الاكتفاء بتجديد التدابير القائمة مع تعزيز إنفاذها ضد من ينتهكون حظر الأسلحة، وإخضاع الشبكات الخارجية التي توفر الأسلحة والطائرات المسيّرة لمزيد من التدقيق.
وأشار إلى أن الحكومة ملتزمة بواجباتها في حماية مواطنيها إلى أقصى حد ممكن، حيث أنشأت آلية وطنية لحماية المدنيين وتعمل على تسهيل عودة النازحين، إذ جرى تسجيل 5.8 مليون عودة طوعية بحلول نهاية يونيو.
وذكر أن الحكومة لا تزال ملتزمة بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن القوات الأمنية تعيد الانتشار مع استعادة السيطرة على الأراضي.
