الخميس , 3 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

بعثة تحقيق: الدعم الخارجي يغذي حرب السودان ومسيّرات الطرفين ترتكب جرائم حرب

رئيس بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق محمد شاندي عثمان - "رويترز"

جنيف 3 سبتمبر 2026 – قالت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان، الخميس، إن الدعم الخارجي عزز القدرات العسكرية، فيما نفذ الجيش والدعم السريع هجمات بالطائرات المسيّرة طالت مدنيين ومستشفيات ومدارس وأسواقًا، ترقى إلى جرائم حرب.

وتحقق بعثة تقصي الحقائق، التي شكلها مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر 2023، في جميع تجاوزات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، في سياق النزاع المسلح المستمر منذ 15 أبريل 2023.

وقالت البعثة، في تقرير، إن “تجنيد أفراد أجانب وشبكات الدعم الخارجي يساهمان في تأجيج الحرب في السودان، ويعزّزان القدرات العسكرية لأطراف النزاع في البلاد، ويمكّنانها من تنفيذ عمليات عسكرية متزايدة التطوّر”.

وخلصت إلى وجود أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن هجمات الجيش وقوات الدعم السريع بالطائرات المسيّرة على الأسواق والمدارس وإمدادات الكهرباء والوقود تشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى إلى جرائم حرب.

وأفادت البعثة، في التقرير الذي تقدمه إلى الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان، بأن الحرب منذ 2025 شهدت تحولًا في طبيعة العمليات الجوية، حيث أصبح لدى الطرفين مسيّرات قادرة على تنفيذ عمليات المراقبة والهجمات عبر خطوط المواجهة وعلى مسافات بعيدة.

وأوضحت أن المسيّرات تشمل طائرات متعددة المراوح قصيرة المدى، وطائرات ثابتة الجناحين قابلة لإعادة الاستخدام، ومنصات هجومية أحادية الاتجاه.

وأشارت إلى أن الطائرات المسيّرة التابعة للدعم السريع استُخدمت في العمليات حول الفاشر، وفي الهجمات على مروي وبورتسودان وأم درمان والخرطوم والأبيض، إضافة إلى النيل الأزرق، بينما امتدت العمليات الجوية للجيش إلى عمق دارفور، بما في ذلك الضعين ونيالا.

التأثير على المدنيين

وقال التقرير، الذي عُنون بـ “تأجيج النزاع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي”، إن مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثقت مقتل أكثر من 1,000 مدني في ضربات نفذتها طائرات مسيّرة خلال الفترة من يناير إلى 11 مايو 2026.

وأفاد بأن هذه الهجمات طالت مرافق صحية ومدارس وأماكن عبادة وأسواقًا ومواقع نزوح وتجمعات مدنية، بينها حفلات زفاف ومراسم جنازات، إضافة إلى منشآت للطاقة.

وحذر من أن هذه الهجمات على الكهرباء والوقود والمياه والنقل والصحة تؤدي إلى تعطيل أنظمة مترابطة يعتمد عليها المدنيون للبقاء.

وذكرت البعثة أن شهودًا وصفوا هجمات شبه يومية بطائرات مسيّرة خلال يونيو الماضي، استهدفت مواقع عسكرية ومناطق سكنية وإمدادات الوقود والبنية التحتية للكهرباء والمياه، وأدت إلى سقوط ضحايا مدنيين في الأبيض بشمال كردفان.

وشددت على أن الهجمات على محطات الطاقة قلصت الوقود المتاح للمولدات التي تعتمد عليها المستشفيات وخدمات المياه، حيث أصبح العاملون الصحيون يكافحون للحفاظ على الأكسجين وغسيل الكلى وحفظ الدم وإجراء العمليات الجراحية الطارئة.

وأفادت بأن طائرة مسيّرة أصابت في أواخر يونيو صهريجًا فارغًا قرب مدرسة دار الفكر في الأبيض، ما أدى إلى إصابة مدنيين، بينهم تلميذة أصيبت بجروح خطيرة في الرأس وتوفيت لاحقًا.

ووثقت البعثة هجمات متعاقبة في كالوقي بولاية جنوب كردفان، بدأت في 4 ديسمبر 2025 عندما أصابت طائرة مسيّرة روضة “نبع الحنان” أثناء استعداد أطفال صغار ومعلمة لإقامة احتفال مدرسي.

وقالت إنه بعد الضربة الأولى، تجمع السكان وأولياء الأمور لمساعدة المصابين، قبل أن تضرب طائرة أخرى الموقع أو محيطه، مستهدفة أشخاصًا كانوا يشاركون في عمليات الإنقاذ والإسعاف.

وأشارت إلى أن المصابين نُقلوا إلى مستشفى كالوقي الريفي، على بعد نحو 600 متر، حيث وقعت ضربة أخرى بالقرب من مركبة تنقل جرحى، ما أدى إلى مقتل سائقها ومن كانوا على متنها.

وذكرت أن هذه الهجمات أسفرت عن مقتل 114 شخصًا، بينهم نحو 60 طفلًا، وإصابة 35 آخرين. وأُغلقت المدارس لعدة أشهر، فيما توقف المستشفى الريفي عن العمل لنحو 45 يومًا خوفًا من تعرضه لضربات إضافية.

وأكدت إفادات الشهود والمعلومات التي حصلت عليها البعثة عدم وجود استخدام عسكري للروضة أو المستشفى وقت الهجمات، وخلصت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الدعم السريع نفذ الهجمات المتعاقبة.

هجمات أخرى

وقال التقرير إن طائرة مسيّرة شنت هجومًا في 31 أكتوبر 2025 على المقر السابق للمنظمة الدولية للهجرة في منطقة كلبا بمدينة كادقلي بولاية جنوب كردفان، الذي كان يستخدم لإيواء أسر نازحة.

وأوضح أن الهجوم أدى إلى مقتل خمسة مدنيين على الأقل، بينهم أطفال، وإصابة آخرين، رغم أن الموقع لم يكن مستخدمًا لأغراض عسكرية.

ووثقت البعثة في التقرير هجمات أخرى للدعم السريع في جنوب كردفان، من بينها ضربة استهدفت مركز الشرتاي الصحي في كادقلي في فبراير 2026، وهجوم على سوق الدلنج في 15 يناير أدى إلى مقتل 12 مدنيًا على الأقل وإصابة آخرين.

وذكرت البعثة أنها تعتقد بأن الجيش نفذ ضربات متعاقبة بطائرات مسيّرة على مستشفى الضعين التعليمي بشرق دارفور في 20 مارس 2026، الذي تزامن مع أول أيام عيد الفطر.

وقالت إن الضربة الأولى أصابت قسم الطوارئ والصيدلية وبنك الدم والمختبر، فيما وقعت ضربة أخرى بعد بدء عمليات إنقاذ المصابين، بينما لم تظهر صور الأقمار الصناعية أضرارًا مماثلة في مباني الشرطة أو الحكومة القريبة، كما لم تجد معلومات تشير إلى تخزين أسلحة أو شن هجمات من داخل المستشفى.

وأوضحت أن الهجمات قتلت 70 شخصًا وأصابت 146 آخرين، وأخرجت المستشفى عن الخدمة، ما أجبر المرضى المحتاجين إلى رعاية متخصصة على قطع مسافة تزيد على 150 كيلومترًا للوصول إلى أقرب مستشفى إحالة.

وذكرت أن الجيش نفذ في 6 يونيو 2026 هجومًا بطائرة مسيّرة على محل بسوق أبو زعيمة في حمرة الشيخ بشمال كردفان، ما أدى إلى تدميره وإلحاق أضرار بمخبز مجاور، حيث انتُشلت 9 جثث من الموقع، وتوفي لاحقًا عدد من المصابين.

وأفادت بأن الجيش مسؤول عن هجوم شن في 29 أو 30 مارس على السوق الرئيسي ومنطقة مضخة مياه قريبة منه في يابوس بالنيل الأزرق، أسفر عن مقتل 13 مدنيًا وإصابة آخرين، كما ألحق أضرارًا بمرفق طبي وأغلق السوق لعدة أسابيع، مع تعطيل النشاط التجاري والخدمات الأساسية.

وقال التقرير إن ضربة استهدفت تجمعًا لحفل زفاف في كتم بشمال دارفور في 8 أبريل أدت إلى مقتل نحو 30 مدنيًا، وضربة استهدفت مخيم الحميدية للنازحين في زالنجي في 27 أبريل أدت إلى مقتل 5 مدنيين على الأقل وإصابة 12 آخرين.

وأوضح أن طائرة مسيّرة شنت هجومًا في 2 أغسطس الماضي على جلسة لمحكمة عرفية في قرية غرة الزاوية بشمال دارفور، كان يحضرها عدد كبير من المدنيين، بينهم زعماء مجتمع وشيوخ.

شبكة إقليمية

وقال التقرير إن شبكة عابرة للحدود ساعدت قوات الدعم السريع عبر طرق إمداد جوية وبرية وبحرية تربط كيانات وأفرادًا في الإمارات العربية المتحدة وتشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند في الصومال.

وأفاد بأن تشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند عملت كنقاط عبور ومراكز لوجستية لنقل الأسلحة والأفراد والإمدادات العسكرية إلى المناطق الخاضعة للدعم السريع، حيث تتوفر أدلة تربط أفرادًا وكيانات مقرها الإمارات بهذه الترتيبات.

وأوضح أن البعثة حصلت على معلومات تشير إلى وصول أسلحة ومعدات إلى الدعم السريع تتسق مع معدات سبق تصديرها إلى الإمارات، بينها مدافع هاوتزر من طراز NORINCO AH-4 عيار 155 ملم، وأنظمة دفاع جوي من طراز FK-2000، ورادارات ومركبات مدرعة وسيارات لاند كروزر وأزياء عسكرية وذخائر وأسلحة وإمدادات طبية.

وذكر أن هذه المعدات مرت عبر بوصاصو وبنغازي والكفرة والجفرة وتشاد قبل وصولها إلى مناطق الدعم السريع، وإن صورًا موثقة أثبتت وجود مدافع AH-4 ضمن معدات استعادتها القوات المسلحة بعد استعادة الخرطوم، كما رصدت أنظمة FK-2000 في الدبيبات في فبراير ويوليو 2026.

وأفاد شهود للبعثة بوصول طائرات استطلاع وهجوم مسيّرة من طراز CH-95 وقدرات حرب إلكترونية ودعم تقني إلى الدعم السريع.

وحددت مصادر تحدثت إلى بعثة تقصي الحقائق مطار نيالا باعتباره نقطة دخول رئيسية للإمدادات إلى مناطق الدعم السريع.

وقالت البعثة إنها تلقت معلومات تفيد بأن عناصر من الدعم السريع، بمساعدة متعاقدين كولومبيين، أطلقوا طائرات مسيّرة من نيالا ضد مناطق خاضعة لسيطرة الجيش في كردفان والخرطوم.

ونقلت البعثة عن مصادر وشهود وصور أقمار صناعية أنهم حددوا بنغازي والكفرة والجفرة في جنوب شرق ليبيا كمراكز لتجميع أفراد أجانب وإمدادات عسكرية متجهة إلى مناطق الدعم السريع.

وأشارت إلى أن هذه المواقع استقبلت أسلحة ومركبات ووقودًا وإمدادات غذائية وأفرادًا عسكريين قبل نقلهم إلى السودان، مع دعم من كتائب تابعة للجيش الوطني الليبي، بينها كتيبة سبل السلام.

وتلقت البعثة أدلة على وجود مرافق تدريب في بنغازي والكفرة، تلقى فيها مقاتلو الدعم السريع تدريبًا متخصصًا على تشغيل وصيانة أسلحة، بينها بنادق الكلاشينكوف وقاذفات RPG والرشاشات الثقيلة دوشكا، على أيدي مدربين أجانب، بينهم كولومبيون.

وقالت إن التدريب استمر حتى 3 أشهر في بعض الحالات، أعقبه نشر المتدربين في دارفور وكردفان، مع بقاء بعض المدربين لمرافقتهم وتقديم المشورة بعد الانتشار. كما استُخدمت الجفرة معسكرًا لتدريب مقاتلين من السودان وتشاد ودول أخرى قبل نشرهم مع الدعم السريع.

وأفاد التقرير بأن بوصاصو في بونتلاند بالصومال أصبح مركزًا لوجستيًا ونقطة عبور متكررة، حيث رُصدت رحلات شحن بطائرات إليوشن-76 ربطت بين بوصاصو والكفرة وبنغازي وتشاد، قبل نقل الشحنات والأفراد إلى السودان.

وتحدث شهود عن مرافق مرتبطة بأفراد وكيانات مقرها الإمارات في بوصاصو، بينها قاعدة عسكرية مر عبرها متعاقدون أجانب، بحسب التقرير.

وقدرت البعثة العدد الإجمالي للمتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين جرى تجنيدهم ونشرهم لدعم الدعم السريع بنحو 2,000 شخص، بعدما تراوحت تقديرات المصادر بين 350 و2,000.

وفي 28 أبريل 2026، فرضت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن عقوبات على العقيد المتقاعد من الجيش الكولومبي، والمقيم في الإمارات، ألفارو أندريس كيخانو، وزوجته كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو، لدورهما في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ونشرهم في السودان.

وقال شهود للبعثة إن بعض المتعاقدين مروا عبر الإمارات وبوصاصو وبنغازي، ثم عبروا جنوب ليبيا باتجاه دارفور، بينما سلكت مجموعات أخرى طريق بوصاصو أو الإمارات وتشاد قبل دخول السودان عبر مطار نيالا.

وأوضح التقرير أن المتعاقدين الكولومبيين أدوا دورًا مهمًا في تشغيل وصيانة طائرات الاستطلاع والهجوم والطائرات الهجومية أحادية الاتجاه، ودعم المدفعية وأنظمة الأسلحة المتقدمة، فضلًا عن الدعم الاستخباراتي والصيانة التقنية والتدريب.

وبين أن كثيرًا من المرتزقة تمركزوا في نيالا وحولها، بما في ذلك مطار نيالا، حيث شغلوا طائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، إضافة إلى أنهم كانوا مسؤولين عن تشغيل أنظمة المسيّرات.

وأفادت مصادر بأن متعاقدين كولومبيين شاركوا في تشغيل أنظمة مدفعية ومنصات مسيّرات خلال الهجوم على الفاشر، وأن أفرادًا منهم كانوا موجودين في المدينة ومحيطها قبل السيطرة عليها وأثناءها وبعدها.

وتحدثت البعثة عن مقاتلين من جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا، بينهم نساء، شاركوا في أدوار قتالية ضمن قوات الدعم السريع، وأن أدلة فوتوغرافية ومرئية ومستندية تشير إلى دمج أجانب في العمليات كمقاتلين ومشغلي مسيّرات وفنيين ومتخصصين عسكريين.

دعم خارجي

وقالت البعثة إن تحقيقاتها بشأن الدعم الخارجي للجيش لا تزال في مرحلتها الأولية، رغم حصولها على أدلة تفيد بأنه وسّع بصورة كبيرة، منذ أواخر 2023، قدراته في مجال الطائرات المسيّرة عبر أنظمة موردة من الخارج، ما عزز قدراته على الاستطلاع والضربات الدقيقة.

وأفادت بأنها تحققت من صور ولقطات لضربات وحطام مسيّرات منسوبة للجيش في كردفان ودارفور منذ يناير 2026، حيث حدد تحليل تقني سمات تتسق مع طائرات بيرقدار أقينجي، بما في ذلك مكونات دفع توربينية مزدوجة وآليات إطلاق ذخائر وعلامات تصنيع على الحطام.

وبينت أن الخبراء ربطوا ذخائر استُخدمت في هجوم سوق يابوس بمكونات تتسق مع ذخيرة متسكعة من طراز “ييها 3″، حيث ظهر النوع نفسه في حوادث أخرى منسوبة إلى الجيش، بينها ضربة في أبو زبد بغرب كردفان في يوليو 2026.

ودعت البعثة جميع الدول إلى إنفاذ حظر الأسلحة المفروض على دارفور ووقف نقل الأسلحة والطائرات المسيّرة ومكوناتها وأي شكل من أشكال المساعدة العسكرية، كما حثت مجلس الأمن الدولي على توسيع حظر الأسلحة المفروض على الإقليم ليشمل السودان بأكمله.

وأوصت بحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين على امتداد سلسلة القيادة والمسؤولية، وتقديم الدعم للضحايا والناجين، والتحقيق في مسؤولية الأفراد والشركات والوسطاء الذين قدموا دعمًا عسكريًا أو لوجستيًا ساهم في الانتهاكات.