الخميس , 3 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

إلى مني أركو مناوي: اللجنة ليست منبراً للحوار

الواثق كمير

الواثق كمير


الواثق كمير
kameir@yahoo.com

قرأت المقابلة التي أجرتها صحيفة “أفق جديد” مع الأخ مني أركو مناوي، والتي خصّ فيها لجنة تهيئة الحوار السوداني بانتقادات حادة، ووجدت أن جانباً مهماً من هذه الانتقادات يبدو قائماً على تصور لمهمة اللجنة لا يتفق مع ما أعلنته هي عن نفسها.

وأقول ابتداءً إن ما أكتبه هنا هو رأي شخصي، لا يصدر باسم اللجنة ولا يمثل موقفها. والأخ مناوي يعرفني منذ سنوات، وبيننا حوار وتواصل حول قضايا السودان وخلافاته السياسية. بل كنت أود، قبل الإعلان عن اللجنة، أن أتحدث معه مباشرة حول فكرتها ومهمتها، لكن لم يتيسر لنا ذلك. ولعل ما ورد في مقابلته يوفر الآن مناسبة لأن أوضح، من موقعي الشخصي، أين أرى موضع الاختلاف في فهم طبيعة هذه اللجنة وما تسعى إليه.
قال الأخ مناوي إن “الحوار السياسي ليس من اختصاص الشخصيات المستقلة”، وإن التنظيمات السياسية هي صاحبة الاختصاص في طرح وإدارة أي حوار سياسي. وهذا، من حيث المبدأ، ليس موضع خلاف كبير. فالقوى السياسية والمجتمعية والمدنية هي التي يفترض أن تكون أطرافاً في أي حوار وطني جاد، وهي التي تفاوض وتختلف وتتوافق حول قضايا البلاد ومستقبلها.

لكن اللجنة لم تقل إنها حزب سياسي، ولا إنها تمثل القوى السياسية، ولا إنها ستقوم بالتحضير أو إدارة الحوار نيابة عنها، ولم تدّع أنها منبر الحوار نفسه.
وهنا، في تقديري، وقع الخلط الأساسي.
مهمة اللجنة في هذه المرحلة أضيق من ذلك وأوضح: تهيئة المناخ، وفتح قنوات التشاور، والاستماع إلى مختلف القوى حول شروط أي حوار جاد، وضماناته، ومعايير المشاركة فيه، والقضايا التي ينبغي حسمها قبل أن يصبح انعقاد الحوار ممكناً ومجدياً.
ولهذا استغربت مطالبة الأخ مناوي أعضاء اللجنة بأن يقدموا أنفسهم “كجهات سياسية”. لماذا؟
إذا كانت القوى السياسية هي صاحبة الحق في خوض الحوار، كما يقول هو نفسه، فلماذا ينبغي لمن يساعد في تهيئة الطريق إلى ذلك الحوار أن يتحول بدوره إلى طرف سياسي؟
بل لعل قيمة اللجنة تحديداً في أنها لا تنافس الأحزاب والحركات على التمثيل، ولا تطلب حصة في السلطة، ولا تدّعي امتلاك تفويض سياسي من أحد.

أما تعليقه الساخر: “مافي مستقل حكم بلد”، فهو صحيح في غير موضعه؛ لأن اللجنة لا تطلب حكم البلد، وهذه تحديداً هي النقطة.

والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخ مناوي عدد في مقابلته جملة من الشروط التي ينبغي أن يقوم عليها أي حوار جاد: تهيئة المناخ، وبناء الثقة، وعدم عزل العملية إقليمياً ودولياً، ووجود دور دولي للمراقبة أو التسهيل وضمان التنفيذ.

وهذه كلها، في الحقيقة، ليست حججاً ضد وجود لجنة للتهيئة، بل تكاد تكون وصفاً لما ينبغي أن تنصرف إليه مهمتها.
فإذا كان الحوار يحتاج إلى بناء الثقة قبل أن يبدأ، فمن الذي يفتح قنوات التشاور الأولية؟
وإذا كان يحتاج إلى ضمانات، فمن الذي يستمع إلى الأطراف المختلفة حول طبيعة هذه الضمانات؟
وإذا كان يحتاج إلى عدم العزلة الإقليمية والدولية، فمن الذي يبدأ الاتصال بالقوى الإقليمية والدولية ويفهم مواقفها من العملية؟
.
هذه ليست مهاماً بديلة عن القوى السياسية، وإنما مهام تمهيدية تساعد على خلق البيئة التي تستطيع داخلها القوى السياسية نفسها أن تدخل في حوار جاد.

أما القول إن الحوار المطروح حالياً “يمهد لانقسام البلاد بوضع اليد” لأن الدعم السريع قد يطرح حواراً موازياً في المناطق التي يسيطر عليها، فهو استنتاج أكبر بكثير من مقدماته.
فاللجنة لم تدعُ إلى حوار لأهل مناطق سيطرة الجيش دون غيرهم، ولم تعترف بسلطة سياسية موازية، ولم تقترح تقسيم المجال السياسي بين مناطق نفوذ الأطراف المسلحة.

العكس هو الصحيح: الفكرة، كما أفهمها، تنطلق من ضرورة أن يكون هناك مسار سوداني جامع يتواصل مع جميع الفرقاء، لا مساران سياسيان متوازيان يكرسان واقع الانقسام العسكري.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام اللجنة: هل تستطيع أن تفتح قنوات مع من هم داخل مناطق سيطرة الدولة وخارجها؟ وهل تستطيع أن تتواصل مع القوى المؤيدة للحكومة ومع خصومها، ومع القوى المدنية والمسلحة المختلفة، من دون أن تتحول إلى امتداد لأي طرف؟
هذه أسئلة مشروعة، بل يجب أن تُطرح منذ البداية.
لكن هناك فرقاً بين مساءلة اللجنة عن قدرتها على القيام بهذه المهمة، وبين افتراض أنها جاءت لكي تصنع حواراً خاصاً بمعسكر سياسي بعينه.

وأتفق تماماً مع الأخ مناوي في قوله إن الأزمة السودانية أكبر من مجرد “حرب بين جنرالين”. بل إن هذا، في تقديري، أحد أهم أسباب الحاجة إلى مشاورات سودانية واسعة قبل أي حوار. فالحرب لم تنتج فقط صراعاً عسكرياً؛ بل عمقت خلافات سياسية ومجتمعية حول الدولة، والجيش، والسلطة، والعدالة، والمركز والهامش، وشكل الانتقال، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، وغيرها من القضايا التي لا يمكن تجاوزها بمجرد وقف إطلاق النار.

ولهذا فإن أي حوار جاد لا يمكن أن يبدأ بإعلان موعد وقائمة مشاركين وأجندة جاهزة، ثم نطلب من الجميع اللحاق به. لا بد أن تسبقه مشاورات حقيقية حول شروطه وملكيته وضماناته ومنهجه.
ومن حق الأخ مناوي، ومن حق الكتلة الديمقراطية، أن يقدموا تقييمهم للجنة، وأن يسألوا عن استقلالها، وعلاقتها بالدولة، ومصادر تمويلها، ومنهج عملها، وكيف ستتواصل مع القوى المختلفة، وما الضمانات التي تملكها حتى لا تتحول إلى مجرد واجهة سياسية.
كل هذه أسئلة مشروعة.

لكن من الإنصاف أيضاً أن تُحاسب اللجنة على المهمة التي قالت إنها ستقوم بها، لا على أدوار لم تدعها لنفسها. فهي لم تقل إنها ستختار القوى السياسية، ولم تقل إنها ستحدد مستقبل السودان، ولم تقل إنها ستدير الحوار نيابة عن أحد.
وإذا تحولت لاحقاً إلى شيء من ذلك، فمن حق مناوي ومن حق غيره أن يرفضها وينتقدها بأشد العبارات.
أما قبل ذلك، فأحسب أن الأدق هو أن نميز بين منبر الحوار وبين من يحاول تهيئة الطريق إليه.

ولهذا فإن الخلاف الحقيقي، في تقديري، ليس حول حق القوى السياسية في امتلاك الحوار، وإنما حول فهم وظيفة اللجنة في هذه المرحلة. فهي لا تنازع تلك القوى حقها، بل يفترض أن تساعد في تهيئة الشروط التي تجعل حوارها ممكناً وجاداً. ومن هنا يبدأ الحكم العادل على اللجنة: مما تفعله فعلاً، لا مما يُفترض فيها مسبقاً.

القاهرة، 3 سبتمبر 2026