الإثنين , 31 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

«سودان تربيون» تكشف بالأسماء والمسارات: كيف يهرب ذهب دارفور إلى إفريقيا الوسطى؟

الحدود الشاسعة وغير المراقبة لجمهورية أفريقيا الوسطى هي شريان التهريب الأول.- صورة خاصة لسودان تربيون

الفاشر/ نيالا 31 أغسطس 2026- في أقصى غرب السودان، حيث تتقاطع الحدود الملتهبة مع الغياب التام لسلطة الدولة، تتحول الطرق والوديان إلى ممرات لواحدة من أكبر شبكات تهريب الثروات المعدنية في إفريقيا.

وبين مكامن الذهب في دارفور الممتدة من الجبال شمال الإقليم إلى جنوبه، تدور عجلة اقتصاد موازٍ تتغذى عليه النزاعات العسكرية، وتقوده تفاهمات ميدانية بين قوات الدعم السريع التي تحتل مساحات شاسعة من دارفور ومجموعات مرتبطة بحكومات دول مجاورة تستقبل الذهب المهرب من السودان.

خارطة الذهب

تكتنز دارفور عشرات المربعات والتجمعات التعدينية التي تحول معظمها إلى معسكرات مغلقة ومناطق عسكرية تحت سيطرة الدعم السريع، أبرزها منجم جبل عامر بشمال دارفور.

ويعد هذا المنجم أضخم وأشهر مواقع التعدين التقليدي في الإقليم، حيث يحتوي على 12 مربعاً استكشافياً وتعدينياً. وخضع على مدى سنوات لسيطرة شركة “الجنيد” المرتبطة بقيادة الدعم السريع قبل أن يتوسع نطاق السيطرة الميدانية ليشمل المحيط بالكامل.

ولا يمكن تجاهل مناجم الردوم وسنقو بجنوب دارفور، في أقصى الجنوب الغربي قرب الحدود مع جمهورية إفريقيا الوسطى، حيث تتميز بإنتاجيتها العالية وسهولة الربط اللوجستي عبر الشريط الحدودي.

وفي الجانب الآخر توجد مناجم كتم وكبكابية شمال دارفور، وهي غنية بالذهب الرسوبي، وتستخدم كنقاط تجميع أولية للخام قبل نقله غرباً.

بجانب ذلك، توجد مناجم أم دخن وحفرة النحاس وسط وجنوب غرب دارفور، وهي مناطق تنقيب استراتيجية قريبة من المثلث الحدودي بين السودان وتشاد وإفريقيا الوسطى.

تحالف قديم

موقع لانتاج المعدن النفيس في دارفور، حيث يستخرج أكثر من 90% من ذهب دارفور بطرق غير قانونية – سودان تربيون

تكشف معلومات التحقيق الذي أجراه فريق “سودان تربيون” على مدى أسابيع عن آلية تداخل معقدة بين قوات الدعم السريع ومجموعة “فاغنر” الروسية قبل حرب أبريل 2024، ومن ثم لفترات متفرقة بعدها، ثم تحولت واجهاتها لاحقاً إلى كيانات.

وتعتمد هذه الآلية والعلاقة المزدوجة على حماية مناطق الاستخراج وتسهيل عمليات المعالجة باستخدام السيانيد والزئبق في مناجم خاصة ومغلقة، مقابل توفير دعم لوجستي وتقني وأسلحة ومعدات عسكرية للقوات الميدانية.

وتشير مصادر متعددة تحدثت لـ”سودان تربيون” إلى إكمال نقل هذا الدعم وعمليات الشحن والتسليم غالباً عبر مدرجات هبوط ترابية ومطارات نائية في دارفور، إضافة إلى الامتدادات العسكرية التابعة لفاغنر في قاعدة “بيراو” شمال جمهورية إفريقيا الوسطى.

مسارات التهريب

تتخذ حركة تهريب الذهب اتجاهات عدة للالتفاف على منظومات الرقابة الرسمية وشبكات الموانئ الوطنية المعززة بشرطة النقاط الجمركية.

ويأتي في مقدمة هذه المسارات معبر أم دافوق – بيراو، حيث يُهرب الذهب من مناجم الردوم وسنقو وأم دخن عبر شاحنات دفع رباعي محمية بسلاح الدعم السريع تجاه معبر “أم دافوق” الحدودي، ليدخل أراضي إفريقيا الوسطى في بلدة “بيراو”، ومنها إلى العاصمة بانغي.

وتظهر متابعات ومعلومات حصلت عليها “سودان تربيون” وجود مسار أنجمينا – إنيضي، الذي يتم عبره نقل الذهب عبر طرق صحراوية من شمال دارفور إلى تشاد، ومن ثم إعادة شحنه بسيارات تجارية للتمويه أو عبر رحلات خاصة.

ويمتد هذا المسار البري من العاصمة التشادية أنجمينا إلى منطقة هضبة إنيضي (فادا) في شمال شرق تشاد لمسافة تقدر بنحو 1000 إلى 1200 كيلومتر، ويستغرق السفر عبر الصحراء عدة أيام باستخدام سيارات الدفع الرباعي نظراً لوعورة التضاريس الرملية والجبلية.

وجهات التصدير

وتمكنت “سودان تربيون” من التحدث إلى عمال وسائقين شاركوا في نقل شحنات من الذهب إلى إفريقيا الوسطى وتشاد عبر شاحنات محروسة وسيارات دفع رباعي لمناطق ومخيمات يوجد بها تجار وأشخاص مجهولون بينهم سودانيون وأجانب.

ولم يتمكن فريق التحقيق من معرفة المناطق الجغرافية تلك تحديداً، لكن السائقين يقولون إن هذه المخيمات تبدو من خلال هيئتها أنها متحركة.

واستبعدوا أن تكون تلك المخيمات دائمة، وهو ما يتضح من شكل المخيمات القابلة للتركيب والتجميع والتنقل وفق حركة الأشخاص بوجود صهاريج المياه ومولدات الكهرباء وألواح الطاقة الشمسية وأجهزة الإنترنت الفضائي “ستارلينك”.

في ذات الوقت تشير متابعات ومعلومات إلى نقل أجزاء من الذهب بعد وصوله لإفريقيا الوسطى جواً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التي تعد مركز البيع والتصفية الرئيسي، بينما يُحول جزء آخر مباشرة عبر قنوات غير رسمية نحو روسيا لتوفير تدفقات سيولة بالعملة الصعبة بعيداً عن العقوبات الدولية.

حجم التهريب

يُقدر أشخاص عملوا سابقاً في نقل شحنات وتحدثوا لـ”سودان تربيون” نقل ما بين 12 إلى 18 طناً سنوياً تمر عبر شريط “أم دافوق – بيراو” في إفريقيا الوسطى.

ويتجاوز إجمالي الذهب المهرب من دارفور 35 – 45 طناً سنوياً وفق تقديرات مراقبين.

من قلب المناجم

ويقول السائق (م. ع) الذي عمل سابقاً في شاحنات نقل الخام بجبل عامر خلال أعوام 2022 – 2024، إنهم كانوا يتحركون في طوابير تضم من 6 – 10 سيارات دفع رباعي وشاحنات مقفلة تحت حراسة مشددة.

وأفاد بتوقيعهم عقوداً كسائقين تابعين لشركة كابيتال تاب، منوهاً إلى نقل شحنات داخل صناديق خشبية وأخرى حديدية.

وأوضح أنهم كانوا ينقلون تلك الشحنات من مراكز ومخازن في مناطق مختلفة بأم دخن والردوم وغيرها.

ولفت إلى أن الحركة دائماً ما تبدأ بعد الغروب، والمسار يتجه مباشرة نحو “أم دافوق” عند الحدود، مؤكداً أن السيارات لا تخضع لأي تفتيش، حيث يتم تبديل الحراسات في بعض النقاط.

وفي سياق متصل قال سائق آخر عمل في موقع سنقو، (ص. ب) وتولى مسؤولية مشرف ميزان وتقييم وفق وصفه للوظائف التي عمل بها، إن الشحنات يتم تجميعها داخل صناديق.

وكشف أن الشحنات كانت تُحمل من منطقة سنقو والردوم.

وأكد أنه انتقل خلال عام 2025 للعمل كمشرف حيث تولى إصدار أوراق الشحنات وكمياتها، مؤكداً أنه يتم تجميع الذهب المصفى يومياً في مقرات خاصة.

وذكر أن الذهب يتم وزنه وختمه بترميز خاص قبل تسليمه لمندوبي شركة ربما وفق اعتقاده يتبعون لشركة الجنيد.

وأضاف: “رأيت بعيني أكثر من مرة خبيراً وفنيين أجانب يصلون ببطاقات أمنية خاصة لمعاينة الذهب واستلام الشحنات الدورية التي تتجاوز في المرة الواحدة 80 إلى 120 كيلوجراماً، ثم تُنقل فوراً عبر سيارات مجهزة إلى الحدود”.

الهوية الجغرافية

تُدار عمليات التهريب للمعدن النفيس داخل إفريقيا الوسطى عبر منظومة تجارية عسكرية محكمة تترأسها قيادات ميدانية من قوات الدعم السريع بالتنسيق مع شبكة واسعة من كبار تجار الذهب المحليين في دارفور والمهربين العابرين للحدود.

وميدانياً، يتم تجميع الذهب الخام المستخرج من مناجم جبل عامر وسنقو وأغبش في نقاط ارتكاز صحراوية خارج مدينة الجنينة و”أم دخن”.

وشهدت منطقة أغبش التي تدير فيها الدعم السريع منجماً مهماً غارة جوية للجيش السوداني في أبريل الماضي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى يعملون في المنجم.

وتعتبر منطقة أغبش غنية بالموارد وتقع في ولاية جنوب دارفور، وتحديداً ضمن نطاق وحدة “سنقو” الإدارية بمحلية الردوم.

وبعد نقل الذهب وإدخاله إلى إفريقيا الوسطى وفق متابعات “سودان تربيون” تُمارس عملية غسيل الهوية، حيث تُستخرج للسبائك أوراق رسمية وشهادات منشأ جديدة بصفته ذهباً منتجاً في إفريقيا الوسطى، تمهيداً لتصديره.

ومؤخراً ارتبطت شركات بهذا الذهب مثل سيغما ريسورسز وسيغما مينيرالز وسيغما قولد المملوكة لأنترناشيونال هولدنغ كومباني (IHC) المتمركزة في أبوظبي وتستحوذ على 85%، بينما تسيطر إفريقيا الوسطى على 15% المتبقية.

وتشير تقارير إلى أن شركات سيغما الإماراتية تبيع الذهب لشركة معروفة هناك اسمها Bangui Better Built (BBB) وتعتبر أكبر مصدر رسمي للذهب في إفريقيا الوسطى بعد إعلانها تصدير أكثر من ثلاثة أطنان العام الماضي، وهي مملوكة رسمياً لرجل أعمال إسرائيلي اسمه إفريز إفراهاموف.

وتُشكل دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديداً سوق دبي، المحطة والوجهة النهائية لأغلب الذهب المهرب من غرب السودان عبر شبكات إفريقيا الوسطى وتشاد.

ووفق المتابعات يُنقَل الذهب جواً عبر مطارات أنجمينا وبانغي باستخدام أوراق منشأ مزورة إلى المصافي والمراكز المالية لدمجه في سوق الذهب العالمي.