أرض الذهب والمقابر الجماعية أو في سيرة الفاشر والفجيعة
محمد بدوي
عجباً كيف هان وكيف هُنا والأمس ذاك… فكيف كنا إذن هو الكفن. أم ذا هو الوطن؟ عجباً كيف تتلاحق في جوفه المحن.
من قصيدة “وطن يباع ويُشترى، وهلم جرا” للأستاذ عالم عباس محمد نور،
شكراً للعم عالم الذي أخرجني من ارتباك الكتابة لزهاء الأسبوعين، ورغبة التدوين عن الفاشر تلاطمها أوجاع ما حدث، فهول ما جرى تقاصر قاموسي عن احتوائه، فكنت أهرب من الأسطر وألوذ باجترار الوجع فأراوح منه وإليه. مع ذلك، تقتضي الأمانة بأن الواقع الذي ظللنا نهرب منه هو: إلى متى ستصمد “الفاشر الفولاذ” في ظل الواقع العسكري والسياسي والإنساني المحيط بها منذ الموجة الثانية للحرب في مايو 2024؟ فألف رحمة ونور على دماء المدنيين الطاهرة، وسؤالاً للقدير باللطف ويُسر الحال.
(1)
الفاشر إحدى فاتنات المدائن في الغرب والشمال الأفريقي، صنو لداكار، الكفرة، أبشي، أسوان. رجحت المصادر نشأتها في العام 1760 ، وضعتها الجغرافيا في نطاق سلسلة واحات: سيوة، الفاشر، طويلة، كتم، أبوسكين، التي تمتد من الصحراء الشمالية نحو الجنوب، وهي واحات محاطة بالتلال الرملية السمر. ظلت عاصمة لسلطنة الفور إلى6 نوفمبر 1916، حيث تم ضمها للسودان الحالي عقب مقتل آخر سلاطينها علي دينار، لتتحول منذ ذاك إلى عاصمة لإقليم دارفور إلى جانبها الغزالة شعاراً في الخريطة الإدارية ومستندات الدولة الرسمية.
كغيرها من مدن السودان، ظلت تحتفي بالتنوع، لعل ذلك إلى جانب التاريخ السياسي والاجتماعي هو ما جعلني أصفها بالسيدة الأفريقية السمراء. تاريخها المدني ممتد؛ فقد شهد العام 1934تكوين نادي الفاشر، ثم في 1946 تأسيس فرقة فنون دارفور، وسينما الفاشر الوطنية في 1952 كسينما متجولة في البدء، ثم مكتبة الجماهير في 1955. هي تواريخ تحتاج إلى حيز لسرد خلفياتها ونشأتها.
(2)
عقب محاولة الحركة الشعبية لتحرير السودان قيادة الراحل الدكتور جون قرنق دمبيور لفتح وجود للحركة بإقليم دارفور عبر الحملة العسكرية في 1991 والتي عُرفت شعبياً بحملة “بولاد” نسبة لمشاركة الإسلامي السابق والذي انضم للحركة المهندس داود يحيى بولاد فيها. في 1994 ، صارت عاصمة لولاية شمال دارفور على إثر التقسيم الإداري للإقليم الذي كشف عن بداية عملية الهندسة السياسية للنظام السابق لكي تُحكم سيطرتها السياسية. عقب ذلك، ركزت الحركة الإسلامية جهدها للسيطرة على دارفور بالتركيز على شمال دارفور، فدفعت بأعلى الرتب العسكرية من عضويتها كولاة: العقيد الطيب إبراهيم محمد خير “سيخة”، اللواء عبد الله علي صافي، الفريق وزير الدفاع الأسبق إبراهيم سليمان.
لمواجهة حملة الحركة الشعبية في العام 1991، جاء رد فعل السلطة السياسية بتكوين مليشيات الفرسان، امتداد لسجل المليشيات التي كُونت في العامين 1984و 1985 في بعض المجموعات السكانية على الشريط الحدودي بين إقليمي جنوب وشمال السودان آنذاك وعرفت بـ “المراحيل-1″ و”المراحيل-2”. جاء عقب ذلك في العام 1986 التجمع العربي الذي شكل مرحلة مهمة اتسمت باتساع السلاح الناري خارج نطاق القوات الرسمية بدارفور. ليأتي بعد ذلك مليشيات فيالق الجمال في العام 2003 التي كُونت ممن عُرفوا بالتائبين من المشتبه بهم كأعضاء بمجموعات النهب المسلح، لمواجهة نشاط عصابات النهب المسلح.
أجد وصف التائبين لم يكن سوى تبرير، فأغلب أعضائها وإن كانت لهم أنشطة غير قانونية كانوا تحت الاعتقال بموجب أوامر الطوارئ بالسجون المختلفة بدارفور، فجاء الإفراج عنهم مشروطاً بالانخراط في ذاك الجسم الذي تم تدريبه آنذاك تحت إشراف الجيش. يمكن القول بأن تلك المجموعة كانت النواة الأولى للمليشيات التي كُونت في 2003 وعُرفت شعبياً بالجنجويد، ورسمياً بحرس الحدود في 2004 ، ثم استخبارات حرس الحدود في 2005. خلال هذه الفترة كانت تتمتع بالحصانات المثبتة في قانون القوات المسلحة 1986 تعديل 2013، ثم تحويل بعضها إلى الدعم السريع في 2014، ثم إصدار قانون خاص بها في 2017.
(٣)
في هذا الخضم التاريخي للعسكرة يثور سؤال حول الأسباب. بالنظر إلى التاريخ السياسي للإقليم، نجد أن المقاومة بدأت في ١٩٥٢ بحريق العلم الإنجليزي بالفاشر إثر مظاهرة من مناضلين لهم ألف رحمة ونور، واجه قادتها عقوبات السجن والجلد والنفي من المدينة. عقب الاستقلال، ونتيجة لسياسات الدولة المرتبطة بغياب تقديم الخدمات والمشاركة السياسية وسياسات التوظيف، بدأت (المقاومة) من وقت مبكر، حيث برزت حركة سوني 1963 ثم جبهة نهضة دارفور في 1964 .
هذه الأحداث ظلت تنبه للحال بالإقليم الذي واجه حالتي فجوات غذائية تأثراً بالظروف الطبيعية التي ضربت غرب أفريقيا في الأعوام 1970 و 1983 . ليزداد الطين بلة، أن ميزانية الدولة لعام 1983 كشفت تعمد السياسات الاقتصادية للدولة الانحياز لعلاقات الإنتاج الرعوية في غرب السودان، وبالمقابل للزراعة الآلية في شرق السودان. ليأتي كما أشرنا تكوين التجمع العربي الذي هدف إلى انحياز سياسي للرعاة في غرب السودان، وهو ما عجل بحوادث مثل مجزرة الضعين، مع الأخذ في الاعتبار مساهمة عوامل أخرى مثل عسكرة تلك المجتمعات والتي بدأت في 1984 ، وساهمت في انتشار السلاح الناري مما انعكس في دموية الأحداث. تعزز الأمر بإنشاء وحدة مكافحة النهب المسلح في ذات العام 1986، في محاولة لمعالجة ظاهرة ناتجة عن الجفاف والتصحر عسكرياً بدلاً من التنمية وتقديم الخدمات.
(٤)
التراكم التاريخي للسياسات الحكومية المختلة تجاه الإقليم وكذلك بقية أقاليم السودان، ساهمت عوامل في اختلاف المسار في دارفور أشرت إلى بعضها، كعسكرة المجتمعات في سلك المليشيات. كذلك من ضمنها غياب التنمية، فانعكس ذلك مع شح الموارد وتكامل مع الكوارث الطبيعية التي قادت إلى تنافس حولها بين المجموعات. لكن صارت هذه الصراعات ذات نسق عسكري مع كثافة استخدام للسلاح الناري، فجعل بعض المجموعات التي كانت تعتمد على الدفاع الذاتي (الذي كاد أن يندثر بعد العام 1916 ) عاجزة عن المواجهة، لأن أسلحتها السابقة كانت الحراب والسهام المسمومة والقليل من البنادق. لتبدأ مرحلة جديدة توازي أدوات المرحلة، وهي بروز الحركات المسلحة والتي اعتمد بعضها على قطع الأسلحة البسيطة لدى وحدات الدفاع الذاتي القبلية. لا يمكن تجاهل النفوذ المعنوي الذي تركته محاولة الحركة الشعبية في 1991، ولا سيما أن شعارها “السودان الجديد” يقابل ذات مانيفستو بعض الحركات بشكل ضمني.
(٥)
في 27 نوفمبر 2004 ، هاجم الجنجويد (لاحقاً قوات حرس الحدود) تحت مظلة القوات المسلحة وإشرافها، منطقة طويلة التي تبعد 35 كيلومتراً غرب الفاشر. صادف اليوم (الخميس) خروج طالبات المدرسة الثانوية إلى ذويهن، رغم ذلك تعرضت ما لا يقل عن المائة طالبة للعنف الجنسي، وقُتل ما لا يقل عن 103 من المدنيين، وتم حرق السوق. فنزح سكانها إلى مناطق مختلفة منها المخيمات حول الفاشر.
في 2024 ، أي بعد عشرين عاماً، نزح بشكل عكسي إلى طويلة من نزحوا منها إلى الفاشر في 2004، لكنهم اصطحبوا معهم مدنيي الفاشر أو النازحين لأول مرة إلى طويلة.
في 2004، كانت روافع دفع المجموعات للانخراط في القتال هي الأراضي الغنية والمكاسب من ممتلكات الضحايا. في 2013 ، دخل الذهب في سياق العلاقة بين السلطة والقوات الرديفة “المليشيات”، حيث كشف تقرير خبراء لجنة دارفور بأن قيمة الذهب المباح حصرياً بأسواق دبي من دارفور قُدِّر بـ 45مليون دولار في 2014 . في 2017، تم حمايتها قانونياً، ثم في 2019 وصلت إلى السلطة في قمتها.
تغير المعادلة هنا هو ما أود أن أشير إليه بتغير المعادلة إلى “حرب السلطة والموارد”. لكن الثابت هو بقاء المدنيين خارج نطاق الحماية لسبب جوهري: غياب العدالة تاريخياً، ولسمة جديدة هي الدعوات لاستمرار الحرب لامتداد التحالفات إلى إقليمية ودولية. يُقصف المدنيون بالمسيرات والطائرات لكنها لا تقصف حقول الذهب.
(6)
“توزيع الغبينة يلغي محركاتها”، هو موقف أجدني أقرأه عندما أنظر إلى موقف حركة تحرير السودان قيادة الأستاذ عبد الواحد نور. تحرك بذكاء لإعادة سيطرته على طويلة في 2003، لتصبح الآن أحد الملاذات الرئيسية للذين نجحوا في الفرار من جحيم الحرب بالفاشر. في 2024، ساهمت الحركة في إجلاء المدنيين من معسكر زمزم إلى طويلة، وقبل ذلك رفضه للمشاركة العسكرية مع أي من أطراف الحرب.
تظل الفاشر صنو المدن التي صمدت في التاريخ الإنساني مثل ستالينغراد في الحرب العالمية الأولى، صنعاء في حصار الـ 70يوماً، سراييفو عند هجوم الصرب عليها، جناق قلعة التركية حين تكالب عليها البريطانيون والفرنسيون مجتمعين، وأخيراً حالة سانت بطرسبرغ. جميعها تأتي بعد الفاشر في صمودها وما قدمته في جلدٍ كان. إذن، صمدت الفاشر لكن خذلها التاريخ.
(7)
الفاشر وضعت ضمير السودانيين في حالة تضامن كسرت نسق خطاب الكراهية، وهزت العالم في اختبار الإنسانية. كل ذلك يضع طرفي الحرب خارج هذه المعادلة، لأنه في وقت سابق كانت شاحنات المساعدات وصلت حتى الكومة، ليوقف مسارها الدعم السريع، ثم يقصفها الجيش، لينتهي الأمر بتطاول الجوع.
فطرفي الحرب الرئيسيَيْن قررا منذ مايو 2023 بأن لا مجال لأي هدنة للمساعدات الإنسانية. مجلس الأمن يصدر قراراً دون أن يفعل ما يمكن من تحققه. المحكمة الجنائية تدفع بكوشيب نحو الإدانة، وقبل أن تكتمل الفرحة، ظهر كوشيب آخر.
الفاشر اختزال لحروب السلطة والموارد، فقد أخذ بريق الذهب ما تبقى من كرامة الإنسان، وأثَرُ غياب العدالة التاريخي في الموت مرة تلو الأخرى.
(8)
ما حدث في الفاشر ينذر بالانتباه إلى تكلفة استمرار الحرب على المدنيين وعلى الدولة، سواءً من ناحية دورة الانتهاكات الممنهجة بكافة أشكالها، وكذلك الدستورية، والتدمير للمدن وتعريض قيمتها المادية للنهب والسلب والدمار. لا مجال للحديث عن القيم المعنوية والثقافية والفنية، فالحرب تقف على النقيض منها. وحرب أبريل كشفت أن لا اعتبار لحياة الإنسان وكرامته في صراعات الذهب والسلطة. ما حدث يقرع جرس الإنذار للانتباه لمدن الأبيض وبانوسة (المدينة الخالية من المدنيين).
يظل غياب العدالة في الصراعات السودانية ذات الدوافع السياسية هو ما يصب الزيت على النار، كما يشغل غياب صوت المدنيين الداعي لوقف الحرب فراغاً يملأه أطراف الحرب بالبارود. وفوق ذلك، يمضي الحال، وفشل توحد القوى السياسية والمدنية من أجل رفع صوتهم أعلى من أزيز الرصاص هو الرهان الغائب.
