الأربعاء , 30 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

المثقف ووحدة المعيار: من التجريد إلى الاختبار

الواثق كمير

الواثق كمير

الواثق كمير
kameir@yahoo.com

قرأت باهتمام شديد مقال الأستاذ عمر الدقير،* “المثقف في زمن الحرب: بين استقلال الضمير وقيود الاصطفاف”* (صحيفة التغييرالسودانية. 25 سبتمبر 2026)، وهو مقال يطرح، على مستوى المبدأ، جملة من القضايا المهمة التي يصعب الاختلاف حولها: استقلال ضمير المثقف، ووحدة المعيار، ورفض تحويل الانتماء السياسي إلى حصانة من النقد، وعدم الخلط بين اختلاف مسؤوليات أطراف الحرب وبين إعفاء أي طرف من المساءلة.

ولعل أكثر ما استوقفني قوله إن استقلال الموقف النقدي للمثقف يظهر في قدرته على مساءلة الطرف الأقرب إليه، لا في شدة هجومه على خصومه. وهذه، في تقديري، ليست مجرد ملاحظة عارضة، بل تضع يدها على جوهر المعضلة كلها. لكن السؤال الحقيقي يبدأ هنا، ولا ينتهي، عند الاتفاق على هذا المبدأ.

فالمعضلة ليست في صياغة معيار أخلاقي مجرد يمكن أن نتوافق عليه جميعاً، وإنما في القدرة على تطبيقه عندما ننتقل من عالم المبادئ إلى واقع الحرب، وحين يصبح موضوع المساءلة قوة أو تياراً أو مشروعاً سياسياً يجد المثقف نفسه قريباً من بعض شعاراته أو مطالبه أو تفسيره للأزمة.

هنا تحديداً يُختبر استقلال الضمير.
هل نستخدم المعيار نفسه عندما يقع الانتهاك من الطرف الذي نختلف معه ومن الطرف الأقرب إلينا؟ وهل نخضع الحليف، أو صاحب القضية التي نتعاطف معها، للمساءلة نفسها التي نطالب بها خصمه؟ وهل يتحول فهم السياق السياسي للعنف، شيئاً فشيئاً، إلى تفسير له، ثم إلى التماس للأعذار، ثم إلى تخفيف للمسؤولية؟

ولا يعني ذلك، كما أشار عمر بحق، مساواة مصطنعة بين الأطراف أو المسؤوليات. فقد تختلف طبيعة القوى المتحاربة، ومواقعها السياسية والقانونية، وحجم مسؤولياتها. لكن اختلاف المسؤوليات لا يبرر اختلاف أصل المعيار. فالتمييز بين المسؤوليات شيء، وانتقاء المبدأ بحسب هوية الفاعل شيء آخر تماماً. وهذه هي المسألة التي أثرتها في كتابتي عن علاقة المثقف بالبندقية. فلم يكن سؤالي عن من يملك القضية الأكثر عدالة، ولا من يرفع الشعار الأكثر جاذبية، وإنما ماذا يحدث للمثقف عندما تصبح البندقية التي تحمل بعض شعاراته السياسية أقرب إليه من ضحاياها؟ وهل يستطيع عندئذ أن يحتفظ بالمسافة التي تسمح له بأن يقول للقوة الأقرب إليه ما يقوله للقوة التي يعارضها؟

وهذا السؤال ينطبق على الجميع بلا استثناء: على من يقف قريباً من الجيش، وعلى من يقف قريباً من الدعم السريع، وعلى من يساند حركة مسلحة أو تحالفاً سياسياً، كما ينطبق عليّ شخصياً في أي تجربة سياسية أو مدنية أختار المشاركة فيها. فلا معنى لوحدة المعيار إذا تحولت إلى أداة نحاكم بها الآخرين ونعفي بها أنفسنا.
لكن استقلال المثقف في زمن الحرب يواجه اختباراً آخر لا يقل أهمية، وربما كان أصعب في مناخ الاستقطاب الحاد: هل يستطيع أن يقترب من المختلف معه من غير أن يُتهم بأنه تخلّى عن موقفه؟ وهل يستطيع أن يبحث عن أرضية مشتركة بين المتخاصمين من غير أن يُطلب منه أولاً أن يثبت ولاءه لمعسكره؟

فهناك فرق كبير بين أن يغيّر الإنسان موقفه إرضاءً لطرف آخر، وبين أن يحاول فهم موقف ذلك الطرف، واكتشاف ما يمكن الاتفاق عليه معه، وتضييق مساحة الخلاف حيث يمكن ذلك. وهذا الفرق، في تقديري، من صميم استقلال المثقف، لا خروجاً عليه.
فإذا صار مجرد فهم حجة الخصم موضع شبهة، وأصبح الاعتراف بأن لديه نقطة صحيحة دليلاً على الارتهان له، فإننا لا نحمي استقلال الموقف، بل نغلق الباب أمام التفكير نفسه.

فالاستقلال النقدي لا يعني أن يحتفظ المثقف بمسافة آمنة من الجميع، وإنما أن يحتفظ بحريته في الإنصاف كما يحتفظ بحريته في النقد. وقد تكون القدرة على الاقتراب من المختلف، من دون الاندماج فيه، أصعب من القدرة على مهاجمته من مسافة مريحة. ولهذا فإن وظيفة المثقف في زمن الاستقطاب لا تقتصر على نقد المعسكر الذي ينتمي إليه أو يقترب منه، بل تشمل أيضاً مقاومة منطق المعسكر نفسه عندما يطالبه بأن يرى العالم كله من خلال ثنائيته: معنا أو ضدنا. فليس كل تقاطع مع الخصم انتقالاً إلى موقعه، وليس كل اعتراف بصحة جانب من حجته تنازلاً عن الموقف الأصلي. وهنا تصبح القدرة على البحث عن المشترك جزءاً من الاستقلال الأخلاقي والفكري، لا نقيضاً له.

وهذه هي نفس القاعدة نفسها التي تقوم عليها، في أصلها، فكرة التهيئة والتيسير للحوار: أن يُفهم موقف المختلف قبل الحكم عليه، وأن تُكتشف مساحات الاتفاق الممكنة من غير مطالبة أي طرف بالتخلي مسبقاً عن موقفه. فالتيسير لا يعني تبني موقف الخصم، وإنما جعل الاختلاف قابلاً للنقاش بدلاً من أن يظل أسيراً للتخوين والاصطفاف.

لكن ثمة بعداً آخر في مقال عمر الدقير يستحق التوقف عنده. فهو يدعو إلى “استعادة السياسة من أسر السلاح”، وهذه دعوة أشاركها من حيث المبدأ. غير أن استعادة السياسة لا ينبغي أن تعني مجرد إسكات البنادق والعودة إلى الدولة كما كانت قبل الحرب. فالحروب السودانية المتعاقبة لم تنشأ في فراغ، ولا يمكن فصلها عن اختلالات تاريخية في بنية الدولة، وفي علاقة المركز بالأطراف، وفي المواطنة، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي طبيعة المؤسسات القومية.

لذلك، فإن استعادة السياسة من السلاح لا ينبغي أن تعني ترميم الماضي، بل فتح بنية الدولة نفسها للمساءلة وإعادة البناء عبر عملية سياسية وطنية. لكن هنا أيضاً ينبغي الحفاظ على المعيار نفسه: الاعتراف باختلالات الدولة التاريخية لا يعني منح كل بندقية شرعية بأثر رجعي، ولا اعتبار كل من حمل السلاح ممثلاً تلقائياً لمظلومية تاريخية. فعدالة القضية لا تنتقل آلياً إلى كل من يرفع رايتها، ولا تعفيه من المساءلة عن أفعاله.

كما أن نقد “الدولة القديمة” لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع مكتمل سلفاً يضعه فريق أمام الآخرين، ثم يجعل قبول مفرداته شرطاً للدخول إلى المستقبل. فقضايا المواطنة المتساوية، وطبيعة نظام الحكم، وعلاقة الدولة بالدين، واللامركزية، وبناء المؤسسات القومية، وشكل الجيش، كلها قضايا جوهرية، لكن مكان حسمها هو المجال السياسي والتوافق الوطني، لا السلاح ولا الامتياز الأخلاقي الذي يدعيه أي طرف لنفسه.

فالبديل عن الدولة المختلة ليس دولة يأسسها أصحاب السلاح، ولا دولة يعيد إنتاجها خصومهم كما كانت. وتجربة جنوب السودان تقدم هنا درساً لا ينبغي تجاهله: فقد حملت الحركة الشعبية مشروعاً نقدياً جذرياً للدولة السودانية القديمة، لكن قيام دولة مستقلة تحت قيادتها لم يمنع لاحقاً ظهور مشكلات عميقة في تركّز السلطة، وضعف المؤسسات، وتأخر التحول الديمقراطي، والانزلاق إلى حرب أهلية. إسقاط المركز القديم، إذن، لا يضمن بذاته عدم إنتاج مركز جديد.

فالرهان ينبغي ألا يكون على هوية من يهدم الدولة القديمة، بل على طبيعة المؤسسات والقواعد التي ستُبنى مكانها. والدولة الجديدة، في نهاية المطاف، لا يصنعها أصحاب السلاح ولا خصومهم منفردين، وإنما يصنعها السودانيون عبر توافق سياسي ودستوري يضع الجميع تحت حكم القانون والمؤسسات.

وهنا نعود إلى سؤال المثقف. فاستقلاله لا يُختبر فقط في قدرته على إدانة خطأ الحليف، بل أيضاً في قدرته على مقاومة الإغراءات الفكرية لمعسكره. أي أن يحوّل مظلوميته إلى براءة دائمة، أو خصومه إلى كتلة واحدة، أو رؤيته للدولة إلى حقيقة نهائية لا تحتمل المراجعة. ولهذا أتفق مع عمر في أن الانتماء لا يلغي استقلال المثقف بالضرورة، وأن عدم الانحياز لا يمنحه الاستقلال تلقائياً. فقد يكون المرء داخل معسكر لكنه يحتفظ بحرية ضميره، وقد يعلن وقوفه خارجه بينما تكون لغته وأسئلته ومخاوفه أسيرة أحد طرفيه.

لكن تبقى عندي خطوة أرى أنه لا غنى عنها وهي: الانتقال من إعلان المعيار إلى امتحانه في المواقف الملموسة. فمن السهل نسبياً أن نتفق على أن المثقف ينبغي أن يكون مستقلاً، وأن يدين الانتهاكات، ويرفض خطاب الكراهية، ويحمي الحقيقة، ويسعى إلى استعادة السياسة من أسر السلاح. غير أن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما نسأل كل واحد منا: ماذا قلت عندما أخطأ الطرف الأقرب إليك؟ وكيف تعاملت مع حجة خصمك عندما وجدت فيها شيئاً من الصواب؟ وهل اعتبرت أي تقاطع معه خيانة، أم رأيت فيه فرصة للفهم وتقليص مساحة الخلاف؟

فبهذا الفهم، لا في التجريد وحده، تتكشف حقيقة الاستقلال النقدي. فالمثقف المستقل ليس من يقف في منتصف الطريق بين الجميع، وليس من يتجنب اتخاذ المواقف، وإنما من يحتفظ بحقه في نقد الأقرب إليه، وفي الإنصاف مع الأبعد عنه، وفي مراجعة نفسه عندما تستدعي الوقائع ذلك.
ولهذا فإن مقال عمر يفتح، في تقديري، باباً مهماً للنقاش، لكن الأجدى أن نخطو من خلاله خطوة أخرى: من الحديث عن استقلال الضمير إلى اختبار هذا الاستقلال عندما يصبح الإنصاف مكلفاً، وعندما يصبح الاعتراف بجزء من حقيقة الخصم أصعب من إدانته. فالمعيار لا يُختبر في قدرتنا على رؤية خطأ خصومنا؛ بل في قدرتنا على رؤية خطأ أقرب الناس إلينا، ورؤية بعض الحق عند أبعد الناس عنا.
وهنا، في تقديري، يبدأ استقلال المثقف فعلاً.

تورونتو 29 سبتمبر 2026