“موسم صيد الأرانب”: نداءٌ لوقف المجازر وحماية المدنيين في الفاشر
مجموعة عمل نالافم- السودان (Nalafem Sudan Task Force)
بدأت عمليات القتل الجماعي فور سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور والعاصمة التاريخية لإقليم دارفور، في أيدي قوات الدعم السريع ، وهي قوة شبه عسكرية تخوض حربًا ضد القوات المسلحة السودانية (SAF)، ولكن الأهم من ذلك، ضد الشعب السوداني نفسه منذ أبريل 2023.
تُظهر مقاطع الفيديو التي صوّرها جنود الدعم السريع مدنيين يركضون بما تبقّى لديهم من طاقة بعد شهورٍ من الجوع بسبب الحصار الذي فرضته هذه القوات، ليُلاحَقوا ويُقتَلوا رمياً بالرصاص على يد جنودٍ شباب يطلقون على مقاطعهم المصورة هذه عناوين مثل “موسم صيد الأرانب”.
في مقطع آخر، يُسمع أحد جنود الدعم السريع وهو يطلب من زميله الإسراع بسيارة الدفع الرباعي للحاق بالنساء والفتيات في مقدمة الحشود الهاربة سيرًا على الأقدام، واللواتي بالكاد يحملن شيئًا من حيوات طويلة قضينها في المدينة.
وتُظهر مقاطع أخرى إهانة قوات الدعم السريع للصحفي الشاب معمر إبراهيم، مراسل قناة الجزيرة في الفاشر، بعد اعتقاله، كما تُظهر مقاطع أخرى إساءة معاملة جثمان امرأة يُرجّح أنها سهام حسن حسب الله، أصغر نائبة برلمانية في تاريخ السودان، حيث يظهر ذراعها مكسورًا بوضوح، بينما يسخر منها الجنود قائلين: “انهضي إن استطعتِ!”
قوات الدعم السريع، وهي لقب يُطلق على الجنجويد أو “الشيطان على ظهر الجواد”، لها تاريخ طويل من الفظائع في إقليم دارفور، يعود إلى عام 2003 ، عندما نفذوا حملات قتل جماعي واغتصاب وتطهير عرقي في الإقليم.
وقد أدانت المحكمة الجنائية الدولية قائدهم آنذاك، علي عبد الرحمن كوشيب، بـ27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قبل بضعة أسابيع.
في عام 2013، أُعيدت تسمية الجنجويد إلى قوات الدعم السريع ومنحت وضعًا شبه رسمي كقوات مساندة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني ، وفي عام 2017، أقرّ برلمان البشير قانون قوات الدعم السريع، مُصادقًا عليها كقوة مستقلة تحت إشراف الرئيس البشير مباشرة، لتعزيز قبضته على السلطة لسنواتٍ أخرى.
منذ نشأتها، عملت قوات الجنجويد في ظل حصانة تامة مكنتها من الإفلات من المحاسبة على أيٍّ من جرائمهم. كما ساعدت عملية الخرطوم المموّلة من الاتحاد الأوروبي على تمكين قوات الدعم السريع ماليًا، لتبني ما يُعرف الآن بإمبراطورية دقلو المستقلة عن البشير، إذ روّجوا لأنفسهم كقوة تحارب “الهجرة غير الشرعية” عبر السودان الصحراء الليبية إلى أوروبا، وقد مكّنتهم مساهمتهم في تلك العمليات من الظهور كفاعل “مفيد” ومنحتهم ورقة هروب لتجنب المساءلة من قبل المجتمع الدولي.
على مدى 20 عامًا، أُجبر شعب دارفور على التطبيع مع قتلتهم، ليجدوا أنفسهم اليوم، في ظل غياب أي تحركٍ دولي جاد ضحايا لذات الجرائم على يد نفس الجناة. ورغم سقوط حكم البشير عام 2019، استطاعت قوات الدعم السريع إعادة تقديم نفسها كجزء من الثورة، وظلّ قائدها قوة نافذة في الحكومة الانتقالية.
أقر المجتمع الدولي بأن قبيلة المساليت، وهي قبيلة من السكان الأصليين في غرب دارفور، تعرضت لاستهداف بعمليات قتل على أساس عرقي في عام 2023، ومع ذلك، فإن مستوى العنف في بقية الإقليم لم يحظَ بالتغطية الكافية.
كانت الفاشر مدينةً صامدةً ومُتحدّية، ناضل أهلها ببسالة دفاعًا عن أرضهم وحياتهم وحياة من يحبّون، مدركين أن الدعم السريع سيحوّل مدينتهم الجميلة إلى جحيم. واجهوا القصف اليومي، وصمدوا حتى عندما دمرت معظم مستشفيات المدينة وأعلنت خروجها عن الخدمة، ونجوا من أشد أنواع المجاعة، مجاعة من صنع الإنسان فرضها الحصار الكامل الذي قامت به قوات الدعم السريع.
خلال هذا الحصار، مُنع إدخال الغذاء إلى المدينة، وكان كل من يحاول تهريبه يُعذَّب أو يُقتل بدمٍ بارد. في هذه الأثناء، كان الأطفال يموتون بمعدل ثلاثة أطفال يوميًا بحسب نقابة أطباء السودان ، بينما كان البالغون يقتاتون على علف الحيوانات والجلود وأطعمة لا تصلح للبشر.
لكن الجوع والقصف اليومي لم يكونا كافيين لقوات الدعم السريع، فبعد سقوط المدينة وانسحاب الجيش، تعرّض المدنيون لما نعتقد أنه تطهيرٌ عرقي ممنهج، إذ قتلت جماعات على أساس لونهم وانتمائهم القبلي. ويسخر أنصار الدعم السريع من أن الضابط أبو لولو، وهو ضابط في قوات الدعم السريع معروف بتصوير عمليات الإعدام مبتسمًا، أحصى أكثر من ألف عملية إعدام واضطر لإعادة العدّ لأنه فقد الحساب!. نعتقد أن المجازر المستمرة في الفاشر ترقى إلى الإبادة الجماعية لأن عمليات القتل متعمدة وتهدف بوضوح إلى إحداث تغييرٍ ديموغرافي.
نشعر بالأسى إزاء الوضع في الفاشر، آخر مدينة مقاومة في غرب السودان. نحن قلقون لأن الكثير منا لديه عائلات وأصدقاء هناك، ولأن سقوط الفاشر يمنح قوات الدعم السريع سيطرة كاملة على إقليم دارفور، مما يعزله عن بقية السودان، ويعمق الانفصال الإداري بين غرب السودان وباقي البلاد. بسبب قوات الدعم السريع وذراعها السياسي، حكومة تأسيس العنصرية، يُواجه السودان خطر التفكك إلى عدة دول، مما يُنذر بمزيد من نزوح المدنيين وفقدان أرواحهم.
منذ ذلك الحين، شهدت المدينة انقطاعًا تامًا للاتصالات، مما صعّب الحصول على المعلومات، وأثار قلق بعض أعضائنا على مصير عائلاتهم وأصدقائهم.
إلى جانب مقاطع الفيديو المروعة لقوات الدعم السريع وهم يحتفلون بقتل المدنيين، تُظهر صور الأقمار الصناعية التي تحصل عليها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل، بقعا حمراء بين المنازل وحولها في الفاشر ومحيطها، ويُرجّح أن هذه البقع هي دماء ناجمة عن عمليات قتل جماعي.
مع استمرار عمليات القتل في الفاشر، شنّت قوات الدعم السريع هجومًا انتقاميًا على أهالي بارا، وهي بلدة زراعية في ولاية شمال كردفان، بعد أن استعادت السيطرة عليها من القوات المسلحة السودانية. وأفاد ناشطون محليون بمقتل ما لا يقل عن 300 مدني، ومحو عائلات بأكملها من السجل المدني بعد اتهامهم بالتعاون مع الجيش السوداني. ولا يزال مصير العديد من الأصدقاء وأفراد العائلات العالقين تحت نيران الدعم السريع في بارا مجهولًا.
سيستمر الإفلات من العقاب لان المجتمع الدولي يعترف بمظلة تأسيس التي يعمل تحتها الدعم السريع، وهي تحالف من الكيانات السياسية التي يواصل قادتها التجوال حول العالم، يتناولون الولائم ويقيمون في أفخم الفنادق. ففي الأسبوع الماضي فقط، كان القوني حمدان دقلو، شقيق قائد قوات الدعم السريع و قائد تأسيس، يستمتع بإقامته في فندق والدورف أستوريا في نيويورك، رغم أن وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عليه عقوباتٍ بموجب الأمر التنفيذي رقم EO) 14098).
يحتاج سكان الفاشر وبارا إلى حمايةٍ فورية، ويجب وقف آلة القتل العنصرية هذه، مع إعطاء الأولوية لحماية النساء، فالفتيات والنساء يواجهن خطرًا غير مسبوق من العنف الجنسي والصدمات الدائمة مدى الحياة.
لقد آثر أهل الفاشر البقاء فيها لأنهم آمنوا بقدرتهم على حماية مدينتهم والعيش فيها في أصعب أيامها، ولكن أيضًا لأنهم صدقوا أن المجتمع الدولي سيحميهم. في يونيو 2024، تبنّى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارًا يدعو قوات الدعم السريع إلى رفع حصارها عن الفاشر، لكن حتى بعد اعتماد القرار رقم 2736 بشأن الفاشر، والقرار 2417 بشأن استخدام التجويع كسلاح حرب، لم يتغير شيء على أرض الواقع بالنسبة للمدنيين المحاصرين هناك.
ما زال المدنيون محاصرين، جائعين، ومُستهدفين بالطائرات المسيّرة، بينما قَتَلَ جنودُ قواتِ الدعم السريع واغتصبوا وأهانوا المدنيين الذين حاولوا مغادرة المدينة. حاليًا، عشرات الآلاف من المدنيين محاصرين داخل الفاشر، بينما فرّ أكثر من 7,400 مدني في يومٍ واحد إلى بلدة طويلة المجاورة ، معظمهم سيرًا على الأقدام.
تواصل الإمارات العربية المتحدة تمويل ودعم الإبادة الجماعية في الفاشر عبر تسليح قوات الدعم السريع من خلال رحلات عديدة موثقة تحمل أسلحة ومرتزقة أجانب من أماكن بعيدة ككولومبيا إلى مراكز لوجستية أنشأتها في دول مجاورة. لن يتحقق السلام ما لم يتوقف تدفق الأسلحة إلى أيدي أبولولو ومرتكبي الإبادة الجماعية، ويجب محاسبة الإمارات وغيرها من الداعمين والمتواطئين.
يحتاج أهالي الفاشر إلى إرادة سياسية، إلى تحركٍ عاجل، وهم بحاجةٍ إليه الآن.
فريق عمل نالافيم السودان هو تحالف أفريقي بقيادة نسويات سودانيات يعمل على حشد الضغط السياسي والدبلوماسي والدولي من أجل عملية سلام شاملة ومراعية للمنظورالجندري في السودان.
