الجنجويد والنازية جريمة واحدة تتكرر عبر جينات التاريخ
حسين اركو مناوي
فى ظل الامتحان الذي يمر به السودان وفداحة الجرائم التي ترتكبها مليشيات الدعم السريع ومغامرات قيادة الدعم السريع الطائشة، حَرِىّ بنا أن نتذكر قول الله تعالى ” كلا إنّ الإنسان ليطغى * أن رّآه استغني “. ذكرتُ في مناسبة أخرى أنّ للتاريخ جينات قاتلة تختفي وتظهر من حقبة لأخرى ومنها (الطغيان) أو جنون العظمة وهو داء مغروس في البشرية يفتك بالمجتمعات في شكل دورات تاريخية. محمد حمدان دقلو زعيم مليشيا الجنجويد الملقب بـحميدتي أقحم السودان والجوار الإقليمي بل والعالم بأسره في تجربة مماثلة لتجارب تاريخية قاسية خسرت فيها البشرية خسارة لا تعوض وكل ذلك بسبب الغرور والطغيان . التاريخ مليء بتجارب بشرية قاسية متفاوتة الخفيف منها تتسرب سريعاً إلى عالم النسيان بلا رجعة والاشدّ وطئاً تظل منقوشة بقوة على ذاكرة التاريخ ولكن يا ترى من يستفيد من تجارب التاريخ المثقلة بالآلام والأوجاع ؟
التاريخ يقدم لنا بتفانٍ منقطع النظير دروساً مجانية عن لغز البشرية ويكشف لنا جينات التاريخ المثقلة بالأمراض التي تفتك بالبشرية بسبب سلوك الإنسان. التاريخ يكشف لنا وعورة التجارب البشرية بجلاء، أين أخفقت البشرية وأين نجحت في رحلتها الأبدية ومِن أهم الدروس التي يستفاد منها في هذه السيرورة التاريخية هو مرض جنون العظمة. القوة احياناً تُشكّل نقطة الضعف القاتلة عند الإنسان. كيف ذلك؟
جوهر الفكرة يدور حول كيف أن بعض الأحداث المؤلمة في التاريخ كانت بسبب النشوة القاتلة أىّ عندما يعتقد الإنسان إنّه بلغ ذروة القوة ولكن لا يدري إنّه في كل الأحوال ضعيف. ضعيف حين ينتصر وضعيف حين ينهزم وفي كلتيهما لا يستفيد من الدروس عبر التاريخ.
الأول من سبتمبر 1939 كان يوماً كارثياً في تاريخ العالم. ففي هذا اليوم اقدم أدولف هتلر زعيم النازية على مغامرة كبرى بغزو بولندا بسبب النشوة القاتلة وعلى إثرها انجرف كل العالم إلى حرب واسعة ومدمرة عرفت بالحرب الكونية الثانية بنتائجها الكارثية وكان هتلر ضعيفاً في تصرفاته عندما غزا بولندا ووسع رقعة الحرب الي عمق الاتحاد السوفيتي ومعظم أوروبا وكان ضعيفاً عندما انهزم أمام الحلفاء.
صبيحة 15 أبريل 2023 كان ايضاً يوماً كارثياً في تاريخ السودان . في هذا اليوم قام محمد حمدان دقلو بحشد عسكري ومادي ضخم وكان يعتقد أنه الأقوى ولا يدري كم كان ضعيفاً ولم يكتشف نقطة ضعفه القاتلة إلا عندما قام بمغامرة الانقلاب على السلطة في السودان ظاناً أنّ السودان كله يكون في قبضته في سويعات قليلة إلا أنّ الحرب اجتاحت كل شبر في طول وعرض البلاد وسرعان ما وجد نفسه ذات النار التي أوقدها تلتهمه التهاماً. مع تحليل نفسي وسياسي واجتماعي يحق لنا أن نتساءل عن الشخصيتين، أين يلتقيان وأين يتقاطعان؟؟
هتلر مع طموحه السياسي وأطماعه الإقليمية كان يعاني من غرور وهوس ( تَفوّق الجنس الآري) . هذا الاعتقاد كان أكبر نقطة الضعف خدعت الزعيم الألماني إلى مغامرة كبرى دمرت المانيا والعالم معاً. إنّه يؤمن بتفوق الجنس الآري صاحب العيون الزرقاء ويري لا بد من سطوة هذا الجنس على البشرية.
محمد حمدان دقلو الملقب بـ حميدتي هو رجل من البادية ويؤمن بأنّ المخزون البشري في باديته كفيل أن يطوي السودان كطى السجل وهو لا يفقه شيئاً عن إدارة التنوع في المجتمعات المتعددة إثنياً ولا يدرك إلا القليل جداً من تعقيدات السياسة السودانية وارتباطاتها باللعبة الدولية القذرة. الإيمان بالتفوق البشري والمادي هو كان نقطة الضعف القاتلة خدعت حميدتي أن يرتكب الحماقة ويقع فريسة لغرور شبيه بغرور ادولف هتلر النازي إذ أنّ أقوى حافز ساقه إلى مغامرة الاستيلاء على الحكم هو إيمانه القاطع بالتفوق العددي لكيانه الاجتماعي الذي حاول أن يلملم باسم (العطاوة ) وسمّو هذا الكيان على الكيانات الأفريقية في السودان وفي بعض دول الجوار السوداني وبهذا الفهم دخل حميدتي باطمئنان ملعب السياسة السودانية والدولية معاً في لحظة واحدة وبلا أدنى تحفظ. هكذا عقدة التفوق عند الرجلين أدخلت العالم في أتون حروب لا تبقي ولا تذر. الفرق بين الرجلين هو أنّ هتلر زعيم النازية لم يكن شخصاً بسيطاً أو خاماً يَتشكّل وفق ارادة خارجية، بل للرجل رؤية سياسية أهلته على القيادة وفق معطياتٍ وأطماعٍ ومخاوفٍ، أطماع الرايخ الكبرى بما تحمل من دلالة تاريخية واجتماعية ومخاوف التهديد السوفيتي على الحدود الشرقية لألمانيا، بينما حميدتي رجل بسيط لا تتعدي مؤهلاته أكثر من أنه ابن كيان بدوي، يحظي بآمتداد اجتماعي ما وراء حدود السودان ليشمل عدداً من دول وسط وغرب أفريقيا. مع الفارق الكبير بين الرجلين في القدرات وطرائق التفكير فهما وجهان لعملة واحدة في أسباب الهلاك. الاثنان كانا ضحية الغرور وجنون العظمة.
ذهب هتلر بمغامراته الي مذبلة التاريخ وترك تاريخاً يظل وصمة عار في البشرية إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. اليوم بسبب مغامرات حميدتي وأخيه عبدالرحيم تقف البشرية أمام كارثة مشابهة لا تقل خطورة عن كارثة هتلر والوقوف عند مغامرة حميدتي يُشكّل محطة فارقة لأهل السودان من أجل فهم تعقيدات هذه الكارثة علّ وعسى نستلهم منها درساً تاريخياً يجنبنا في المستقبل من الانزلاق في مخاطر لا تحمد عقباها.
التاريخ يقف شاهداً على حالات التحولات الاجتماعية
الكبرى، إذ أنّ الشعوب قبل أن تندمج وتتحول إلى أمم متماسكة و متآلفة تعيش حالة من عدم الاستقرار والصراع تصل احياناً الي درجة حروب إبادة وفي منحنيات رحلة الاندماج أو التفكك، القيادة السياسية/العسكرية هي التي تلعب دوراً حاسماً في تشكيل المستقبل. القيادة السياسية أما تكون قيادة حكيمة لها القدرة على تجاوز الأزمات أمثال مانديلا ومهاتما غاندي أو قيادة متهورة تُهدّ أركان المجتمع أمثال النازي أدولف هتلر وزعماء صربيا، رادوفان كراديتش وسلوبودان ميلوسوفيتش. المثل بالمثل يُذكر، نعم هناك فروق شاسعة بين أدولف هتلر وبين محمد حمدان دقلو، فروق في المسافة التاريخية، فروق في مسافة الجغرافيا، فروق في العرق والثقافة إلا أنّ الغرور( نقطة الضعف القاتلة) هو القاسم المشترك بينهما.
ولكي نستوعب طبيعة وحجم هذه الجريمة التي حلت بالسودان، دعنا نضبط المؤشر (البندول) ما بين العقل والعاطفة ونُميّز ما بين الغرض وحسن النية ونتأمل بدقة في جزئيات هذا الصراع والرقعة التي تتحرك فيها الأحجار في اللعبة السياسية والعسكرية ومَنْ هم أصحاب المصلحة المباشرة من القوي السودانية ومن له المصلحة من القوى الخارجية ومن هم البيادق الذين تستخدمهم قوى خارجية بعينها وقوداً وسفوداً لاستحواذ الموقع السيادي الأول وصناعة القرار في الدولة السودانية ؟ استراتيجية المعركة كلها تتوقف على أداء هؤلاء البيادق أو بالاحرى المقاتلين. اللعيبة في هذه المعركة يراهنون على العنصر العسكري في حسم المعركة وأىّ شئ آخر مجرد مكمل للدور العسكري لا أكثر ولا أقل. هذا هو ملخص وكنه المعركة. نعم جموع البيادق المستبسلة هم الورقة الرابحة الوحيدة عند قيادة الدعم السريع ومن بعدهم القوى السياسية التي اصطفت من ورائها سوى كانت قحت أو تلك التي تناسلت منها لاحقاً لتشكّل أجسام أخري مثل تقدم وصمود وكذا الفهم عند دولة الإمارات. دولة الإمارات ترى هذا الرقم الفلكي من المخزون البشري في البادية هي الورقة الوحيدة بها تخوض غمار المغامرة في تدمير السودان وكسب الرهان في المعركة الجارية، خاصة بعد فشل المحاولة الانقلابية.
لم يغامر حميدتي مع أخيه الأكبرعبدالرحيم في هذه المعركة إلا بعد حسابات رياضية على أرض الواقع تقوم على التفوق العددي للمقاتلين في المعركة وهي حسابات ذات علاقة بالمخزون البشري الضخم الذي يقبع في مساحة جغرافية واجتماعية واسعة تبدأ من السودان وتمتد لتشمل أفريقيا الوسطى، وتشاد والنيجر والكاميرون. هذا الحزام الرعوي الشاسع اغري كل من قيادة الدعم السريع ودولة الإمارات بتفكير في الفتك بالسودان فتكاً بحرب تجاوزت قسوة الانتقام والثأر. قيادة الدعم خططت مشروعاً يقوم على تغيير ديمغرافي واسع وعلى استئصال قوميات أصيلة في السودان من أراضيها وعلى استيطان غرباء مكان السكان الأصليين. أما دولة الإمارات خططت مشروعاً استعمارياً يقوم على فرض سيادتها على السودان.
التجربة السياسية في السودان تقدم لنا شواهد لا خلاف في أنّ القتال ضد الدولة حدثت عدة مرات من حركات سياسية وقوى حزبية مختلفة رفعت السلاح ولم تقاتل نيابة عن دولة أجنبية، كما يحدث الآن. ففي حرب 15 أبريل 2023 تفاجأ السودانيين أمام أول تمرد مسلح في تاريخ السودان يُدار ويُموّل علناً بواسطة دولة أجنبية .
مضمون حرب 15 أبريل 2023 هي حرب تخوضها دولة أجنبية ضد السودان بما تحمل العبارة من المعاني. ولكن بأسلوب غلبت عليه مكايفيلة مفرطة مضمونها مكر وخداع فيهما وقع مخدوع فريسة لاجندات آخرين أو بمعنى آخر، الفريسة هنا هو مٰنْ قاتل ولا يزال يقاتل نيابة عن الآخرين وفي خدمة أجندات الآخرين. في صدر المقال قلنا هناك بيادق طيعة في يد دولة الإمارات، هي الوقود والسفود في هذه المعركة. حرب بهذا الحجم لم يحدث إلا عندما حشد النازي هتلر كل طاقات ألمانيا في عام 1939. محمد حمدان دقلو حشد طاقات خيالية للسيطرة على السلطة عنوة. ففي سبيل تحقيق أطماعه جمع ترسانة عسكرية تفوق ترسانة دول، حشد جحافل من المقاتلين أولهم في غرب أفريقيا وآخرهم في الخرطوم، كدّس ثروة طائلة من أرصدة مالية بمليارات الدولارات وأطنان من الذهب. هذه الامكانيات المهولة جذبت المئات الألوف من المقاتلين وحداناً وزرافات للقتال في صفوف الدعم السريع. لو كان هؤلاء هبوا من أجل الدفاع عن السودان أو الدفاع عن أوطانهم التي جاءوا منها، تشاد- النيجر-الكاميرون -أفريقيا الوسطى كانت تضحياتهم محل الفخر والاعتزاز ولكن عندما تقاتل هذا الجيش العرمرم في حرب تأكل بنيهم وأوطانهم والفائدة الكبرى تذهب لدولة الإمارات وهم لا يجنون إلا الفتات بفعل السرقة (الشفشفة) هو أمر محزن واستفهام كبير. هم لا يدرون من المستفيد الأول . المستفيد الاول هو دولة الإمارات وبدرجة اقل مجموعات سياسية سودانية بائسة هائمة على وجوهها بحثاً عن السلطة بأي ثمن وهي في حالة تحور مستمر، تنتقل من اسم ولقب الي اسم ولقب جديد، تارة لتواكب التقلبات السياسية في السودان و تارة أخرى لتواكب مواقف دول غارقة في المؤامرة على البلاد وتتصيّد في وحدة وسيادة السودان.
