Thursday , 22 February - 2024

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

تحديات التغيير الجذرى فى ظل التابوهات السياسية والمسكوت عنه فى السودان (1 – 4)

الجاك محمود أحمد الجاك

الجاك محمود أحمد الجاك

لا يختلف إثنان حول حقيقة وجود مشكلة مستفحلة فى السودان، لكن دائما ما يكون الإختلاف حول تشخيص المشكلة نفسها بسبب إختلاف منهج التحليل، أو لأن هناك طرف له مصلحة فى إنكار جوهر المشكلة بإعتبار أن الوضوح فى تناول جوهر المشكلة يتعارض مع مصالحه ويهدد سلطته وإمتيازاته لما فيه من مساس ببنية الدولة القديمة التى تعبر عنه، لذلك لا يكفى مجرد الإعتراف نظريا بوجود مشكلة. الشاهد أن أغلب النخب والساسة الذين ينادون بالتغيير يختزلون مشكلة السودان فى النظام البائد وإنقلاب عسكر اللجنة الأمنية المحسوبين على النظام البائد، ويصرون على طرح حلول تقليدية وغير منطقية بتسويق فكرة أن الحل يكمن فى إسقاط النظام وذهاب الطغمة العسكرية الحاكمة (Military junta)، وليس أدل على ذلك من سكوت أغلب المبادرات والمواثيق المطروحة فى الساحة السياسية وتهربها من مخاطبة جذور المشكلة وخاصة قضية علاقة الدين بالدولة وسؤال الهوية الوطنية إذ خلت هذه المبادرات والمواثيق المطروحة من النص بوضوح على العلمانية أو فصل الدين عن الدولة، وهو ما يؤكد وجود تواطؤ للحيلولة دون المساس ببنية الدولة القديمة التى تعبر عن أصحاب تلك المبادرات. هكذا أبتلى السودان بنخب وساسة وحكام أقل بكثير من قامة هذا الوطن العملاق. هؤلاء لا يمكن أن نتوقع منهم عطاءا سياسيا ذا قيمة يمكن أن يعول عليه فى بناء مشروع وطنى حقيقى، وجل ما يطرحونه من مبادرات لا تعدو كونها نفاق سياسى Political hypocracy وتعبير عن الحنين إلى الماضى (Nostalgia)، ذلك الماضى السقيم الذى أسس لذات المشكلة ويحاول إعادة إنتاجها وتكريسها. فقد ثبت أن الجاك سوف لن يقبل بهدم البيت الذى بناه، كما لن يقبل بتفكيكه وإعادة بناءه ولو بهدف تطويره. وها هى قحت هى الأخرى (نفر من الأونطجية وأشبال النادى السياسى القديم) قد عادت عودة خجولة إلى دائرة الفعل السياسى لتمارس هوايتها القديمة بمغازلة الشارع نهارا ومفاوضة العسكر ليلا، وإن كلفها ذلك الإبتعاد كليا عن الشعارات التى ترفعها لجان المقاومة (لا تفاوض – لا شرعية – لا شراكة – العسكر للثكنات – والجنجويد يتحل). والإكتفاء بشعار إنهاء الإنقلاب وهو شعار ينم عن فهلوة ومكر سياسى بغيض، فيما يتوارى الآخرون من قوى الردة والظلام وقوى الهبوط الناعم خلف شعار إسترداد التحول الديمقراطى وهم يحاولون التماهى مع المكون العسكرى لصناعة وفرض موقف تفاوضى مسنود بضغوط دولية وإقليمية طمعا فى أن يعيدهم رغم أنف الشارع إلى الوضع ما قبل 25 أكتوبر لإستئناف شراكة الدم مع العسكر والجنجويد.

الحقيقة أن المشكلة فى السودان لم تبدأ بإنقلاب الجبهة الإسلامية، أى الإنقاذ فى الثلاثين من يونيو 1989، ولا حتى مع إعلان وفرض الرئيس الأسبق المشير/ جعفر محمد نميرى لقوانين سبتمبر فى العام 1983. الصحيح أن السودانيين قد ورثوا دولة فاشلة منذ ما يسمى بإستقلال السودان فى الأول من يناير. وحتى تاريخ إستقلال السودان المعلن رسميا (1 يناير 1956) هو محض أكذوبة سياسية، لأن الإستقلال تم إعلانه من داخل البرامان فى 19ديسمبر 1955. لكن لا عجب، فهنالك أكاذيب تاريخية كثيرة صدقها السودانيون وصاروا يتعاملون معها كمسلمات وما زالت تدرس للأجيال على أنها حقائق. هذه الأكاذيب يتعين أن يكون تصحيحها جزءا من مشروع التغيير الجذرى، لأن الأكاذيب لا يمكن أن تبنى دولة قابلة للحياة.كما أننا كسودانيين قد إعتدنا على الإفراط فى مدح الذات، ودونكم أغنية الإستقلال التى شدى بها الفنان والموسيقار العملاق محمد عثمان وردى والتى تقول فى أحد مقاطعها:

كررى تحدث عن رجال كالأسود الضارية

خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية

نعم، لقد إستبسل أولئك الرجال وخاضوا اللهيب، وبالفعل طفح النهر بالضحايا وبالدماء القانية، لكن ليس صحيحا أنهم قد شتتوا كتل الغزاة الباغية، وإلا لما دخل كتشنر بجيشه إلى الخرطوم وإحتل السودان!! بل هنالك سودانيون ممن يسمون أنفسهم بأولاد البحر جاءوا مع الجيش الإنجليزى الغازى والمحتل وساعدوه فى إحتلال السودان وإستعماره، فلماذا الإصرار على الكذب على الأجيال جيلا بعد جيل؟! أليس هذا ضرب من ضروب إدمان النخبة السودانية للفشل كما قال القامة د. منصور خالد؟!

ومن الأكاذيب التى ظل يرددها النخب والساسة والرؤساء وبإصرار شديد هو نعت السودانيين بالأمة السودانية تارة، والشعب السودانى تارة أخرى فى محاولة لفرض هذا التوصيف غير المنطقى والغير واقعى وجعله من المسلمات. لكن الحقيقة المرة التى لا يطيقون سماعها هى أن السودانيين ليسو بأمة، كما أنهم ليسو شعبا واحدا بحسب تصورهم الخاطئ. والمعلوم أن السودان لم يكن دولة بشكله الجيوسياسى الحالى قبل العام 1821، فالإستعمار التركى المصرى هو من جمع شعوب السودان المختلفة والمتباينة ثقافيا وعرقيا، والمتفاوتة تاريخيا داخل هذا الشكل المركزى للدولة، وبذلك عوق مسارات تطوره الطبيعى، وقد أدى ذلك إلى تكوين البنية الإجتماعية والتاريخية المشوهة للدولة السودانية الحديثة منذ تأسيسها وحتى اليوم. بل أن إقليما مثل دارفور لم يتم ضمه ليصبح جزءا من السودان الجيوسياسى الحالى إلا فى العام 1916 إبان الإستعمار الإنجليزى. لقد مرت الشعوب السودانية عبر التاريخ بمسارات تطور مختلفة وشهدت قيام دول وممالك وسلطنات مختلفة مثل الممالك القديمة التى قامت ونمت وإزدهرت ثم إندثرت قبل الميلاد فى كرمة وكوش بحقبتيها النبتية والمروية. ثم أعقبتها الممالك المسيحية (نوباتيا – المقرة- وعلوة)، ثم جاءت بعد ذلك الممالك والسلطنات الإسلامية (كسلطنة الفور – السلطنة الزرقاء/مملكة الفونج – مملكة تقلى – ومملكة المسبعات). وكانت هناك مجموعات عديدة تعيش فى بلاد السودان فى مرحلة ما قبل الدولة، وقد صاحبت هذا التطور هجرات كثيرة إلى أرض السودان. هذا التحول عبر التاريخ هو ما يعرف فى أدبيات الحركة الشعبية وخطاب السودان الجديد بالتنوع التاريخى. لكن ظل يتعمد البعض إخفاء هذه الحقائق وإنكارها بهدف طمسها ليبقى السؤال المنطقى: أين ذهب أحفاد من بنوا تلك الممالك والسلطنات؟، هل إنشقت الأرض وإبتلعتهم حتى يلغى تاريخهم من هو ليس منهم؟! وكيف يمكن بناء دولة متماسكة وقابلة للحياة إذا كنا نتنكر لتاريخنا؟! ثم كيف يمكن فى الأساس إدارة التنوع الموجود فى السودان، بينما ما نزال لا نعترف به عمليا وننظر إليه على أنه نغمة ولعنة، الأمر الذى ترتب عليه تشظى وإنقسام الوجدان الوطنى وصراع الهوية القائم على أساس التباين الثقافى والعرقى لدرجة تهميش وإقصاء الآخر وسيادة خطاب الكراهية الذى إتخذ من وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة ومنابر المساجد منصات للإنطلاق العلنى فى بث سمها الزعاف والذى ولد الحروب وجعل السودانيين يتعطشون لقتل وإبادة بعضهم.

لقد صار السودان أمام خيارين، إما أن يتجدد أو يتبدد، وبالتالى ليس هناك أى منطق يبرر المماطلة والتسويف للتهرب من مخاطبة جذور المشكلة وتأجيل القضايا التى تشكل جوهر الصراع بدعوى ترحيلها إلى ما يسمى بالمؤتمر الدستورى الذى نرفضه ونعتبره آلية غير مناسبة لحل مشكلة السودان.

لا بد من كسر تابوهات السياسة السودانية بالحديث الواضح والصريح عن المسكوت عنه فى هذا البلد….لا بد من فتح الجرح الملتهب وحكه لإخراج الصديد والدم الفاسد وتنظيفه ليبرأ ويندمل حتى لا نضطر إضطرارا لإجراء عملية جراحية خطيرة قد تنتهى ببتر العضو المجروح أو موت الجسم كله…..نعم، لا بد من تجاوز الخطوط الحمراء وثوابت النادى السياسى القديم (ناس جدودنا زمان وصونا على الوطن)، (وناس البلد بلدنا وأنحنا أسيادها)، فالدنيا ما عادت مهدية كما يعتقد هؤلاء. هذه الثوابت هى التى أوردت بلادنا مورد الفشل والهلاك، ومزقته شر ممزق. فهل تسمعون صخب الرعود، وسخط الملايين الجياع يشق أسماع الوجود…..أم فى التبلد واللاشعور حياتكم وكأنكم صم الصخور؟!

المشكلة فى السودان كما ذكرت لم تبدأ بإنقلاب الجبهة الإسلامية (الإنقاذ/المؤتمر الوطنى) وإستيلائه على السلطة فى 30 يونيو 1989، ولا حتى مع إعلان نميرى لقوانين سبتمبر فى 1983– إذا يمكن أن يكون إسقاط الإنقلاب خطوة فى الإتجاه الصحيح، ولكنه لا يمثل فى حد ذاته الحل النهائى لمشكلة السودان المتجذرة، فجوهر المشكلة فى السودان هو أننا كسودانيين ورتنا دولة فاشلة منذ ما يسمى بإستقلال السودان ويعود فشل الدولة السودانية إلى:

1. غياب المشروع الوطنى بسبب تجاهل الآباء المؤسسين لمهام البناء الوطنى.

2. فشل النخب التى هيمنت على حكم البلاد منذ العام 1956 فى الإجابة على الأسئلة الدستورية المتعلقة فى سؤال الهوية الوطنية، طبيعة الدولة وبصورة أخص السؤال المتعلق بعلاقة الدين بالدولة.

3. قيام الدولة على مشروعية العنف والغلبة، بدلا عن مشروعية العقد الإجتماعى، لذلك لم يشهد السودان أى إستقرار دستورى خلال ستة وستين سنة هى عمر إستقلال السودان والدليل على ذلك أن ستة وخمسين عاما هو عمر الإنقلابات العسكرية فى السودان. وهذه الإنقلابات ظلت تخطط لها وتحركها وتدعمها الأحزاب السياسية والتى تورطت جميعها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فى تخطيطها وتحريكها، بينما عشرة أعوام فقط هى عمر حكم الدكتاتوريات المدنية المسماة زيفا بالديقراطية لذلك من الطبيعى ألا يشهد السودان أى إستقرار دستورى منذ الإستقلال، وهذا ما دفع الحركة الشعبية لإجتراح حل سياسى من خلال طرح حزمة المبادئ فوق الدستورية بهدف تحقيق الإستقرار الدستورى فى البلاد.

4. الفشل فى إدارة التنوع، إذ يعود السبب فى ذلك إلى إنكار التنوع وعدم الإعتراف من الناحية العملية، مع الإصرار على فرض هوية أحادية إحصائية وتطبيق نظرية بؤتقة الإنصهار Melting pot بهدف إعادة إنتاج الآخر وصهره أو تذويبه فى حقل الثقافة العربية والإسلامية بإستخدام ماكنيزمات معلومة مثل مناهج ومقررات التربية والتعليم، وسائل الإعلام، توجهات السياسة الخارجية، بالإضافة إلى إستخدام الدين كسلاح آيديولوجى والإصرار على فرضه كواحد من محددات الهوية الوطنية، وكمصدر رئيسى للتشريع فى السودان.

إن القول بفشل الدولة السودانية ليس إدعاء أو مزايدة سياسية، وإنما هو توصيف لواقع معاش. هذه الحقيقة قد لا يطيق البعض سماعها، وخاصة النخب التى تنتمى إلى النادى السياسى القديم، مع أن المعايير التى تقاس بها الدولة الفاشلة معروفة ومتفق عليها عالميا كما حددتها الأمم المتحدة، والتى تتمثل فى:

1. وجود إضطهاد ممنهج ضد مجموعات محددة فى الدولة (سواءا كانت مجموعات عرقية – دينية أم ثقافية).

2. تفشى ظاهرة اللجوء والنزوح.

3. السجل السيئ لحقوق الإنسان (معلوم فى السودان لا يحترم حتى حق الحياة، ناهيك عن الحقوق الطبيعية الأخرى).

4. غياب حكم القانون.

5. تردى الخدمات العامة.

6. الإنهيار الإقتصادى.

7. التدخل الخارجى فى شئون الدولة.

8. قمع الصحافة والحربات.

صفوة القول: لا أعتقد أن هناك شخص موضوعى وعقلانى يمكن أن يغالط أو ينكر أن جميع المعايير التى يقاس بها فشل الدولة شاخصة وحاضرة بقوة فى حالة السودان، لكن يبقى السؤال هل لدينا مصداقية وإرادة حقيقية لإنتشال السودان من مستنقع الفشل هذا، أم لا؟

نواصل فى الحلقة القادمة