Tuesday , 21 May - 2024

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

يجب إيقاف هذه الحرب

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي
في هذه اللحظة، من غير المتوقع انتصار فريق على آخر خلال وقت زمني محدد في الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخرطوم وسواها من المناطق. والأهم من ذلك أن الطرفين باتا على دراية كاملة بأن انهاء الآخر عسكرياً غير ممكن، بل يُحاول كل منهما تحصيل الحد الأقصى الممكن لتعزيز موقفه عندما يحين موعد التفاوض. لكن، وكما يحصل في مثل هذه المواجهات الأهلية، يحمل لاعبون اقليميون ودوليون مفاتيح خفض التصعيد، ورفع وتيرته، وبالتالي على أي مقاربة دبلوماسية للحل أخذ نفوذ هؤلاء في الحسبان.
لكن أي حل سلمي بإمكاننا توقعه بالمرحلة المقبلة؟
أولاً، وقف إطلاق النار والسماح للمدنيين بالنزوح، وللمساعدات بالدخول الى العاصمة ومناطق أخرى مُحاصرة بالنزاع. وهذا بات ضرورة ملحة بعد سقوط 413 قتيلاً واصابة أكثر من 3 آلاف مدني، وغداة خروج 30 مستشفى بالخرطوم من الخدمة نتيجة استهدافها بالقصف، كونها تقع على خطوط تماس وسط الخرطوم وشرقها وجنوبها، بينها رويال كير وفضيل وشرق النيل والمعلم والساحة.
ثانياً، لن يكون التفاوض على أساس تقسيم السلطة بين المدنيين والعسكر، بما أن الأخيرين لم يعودوا طرفاً واحداً، ولا يوجد للمدنيين قدرة على الضغط كالسابق، إذ لم يعد التظاهر فكرة سديدة في ظل القتال، علاوة على أن العنف يُفرّغ البلاد، ويدفع بالسياسة الى خارجها. ذاك أن وقف القتال اليوم هدفه محاولة انقاذ ما تبقى من حياة مدنية في البلاد، وليس الإفساح في المجال أمام قوى مدنية ومرحلة انتقالية وغير ذلك مما كان أساساً في المفاوضات.
الأرجح اليوم ولادة جسم مدني لكل فصيل، ستنحصر مهامه في سياق محدد فحسب، غالباً الحشد ضد الطرف الآخر، وإدارة المعركة الإعلامية والسياسية ضده في اطار انقسام لا دور للمدنيين في صوغ عناوينه. ونظراً لمستوى العنف اليوم، من الصعب توقع استمرار الحياة السياسية المعارضة داخل البلاد، والأرجح انحسارها وانتقال أغلب كوادرها والفاعلين فيها للخارج.
ذاك أن هذه الحرب لن تنتهي فقط بنزوح وهجرة الكوادر السياسية والبشرية فيها فحسب، بل قد تُنتج موجة النزوح والفوضى الميليشيوية المرافقة لها، تصميماً جديداً للتوزع السكاني داخل الأحياء يُناسب الواقع العسكري الجديد فيها. هذا حصل الى حد كبير في كل المدن الكبرى التي شهدت حروباً وحضوراً مسلحاً للميليشيات، من بيروت الى بغداد. الحرب الأهلية الطويلة الأمد تُعيد تصميم المجتمعات، وتلد طبقة تجار جدد، أكثر انتهازية مما سبقتها، واقتصاداً موازياً ونزاعات محلية وتجاوزات عمرانية من الصعب تجاوزها.
حين اختار قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) طريق الانجرار الى مواجهة عسكرية، اتخذا قراراً بإنهاء الحياة السياسية، والانتقال إلى مرحلة جديدة ثنائية القطب، لا تعددية سياسية فيها، بل إعادة صوغ كاملة للفضاء العام والمجتمع بما يتناسب مع هذا الواقع الجديد.
لهذه الأسباب، علينا النظر الى هذه الحرب، ليس بصفتها مواجهة محلية بين طرفين متقاتلين، بل أيضاً كونها عملية إبادة لأكثر الفضاءات السياسية تنوعاً في المنطقة، وللمجتمع الحاضن لها بشكل لم يفعله حتى نظام الرئيس السابق عمر البشير.
أي مقاربة دولية لوقف الحرب يجب أن تأخذ هذه الوقائع في الاعتبار، علاوة على الوضع الإنساني المتردي ككرة ثلج لن تتوقف مفاعيلها عند حدود السودان.