العصا البيضاء في السودان ما بعد الحرب: وعيٌ ينزف وأملٌ يقاوم
بقلم: د. نجلاء عبد المحمود أحمد الجيلي
في الخامس عشر من أكتوبر من كل عام، يقف العالم لحظة تأمل أمام العصا البيضاء، تلك الأداة البسيطة التي تحمل في طياتها معنى الاستقلال والكرامة لمن فقدوا نعمة البصر. لكن في السودان، الذي أنهكته الحرب، تحمل هذه المناسبة هذا العام ثقلاً مختلفاً. فالعصا البيضاء هنا لم تعد مجرد رمز للاستقلالية، بل أصبحت شاهداً على مأساة إنسانية عميقة، وامتحاناً قاسياً لوعي مجتمع أنهكته المعاناة.
عندما تنكسر العصا
في زحام الحرب وصراخ الطائرات ودوي الانفجارات، كان المكفوفون في السودان الأكثر عجزاً عن الفرار. فمن لا يرى لا يستطيع أن يقيس المسافة إلى الملجأ، ولا أن يميز اتجاه النيران، ولا أن يجد طريقه وسط الأنقاض. العصا التي كانت بالأمس رفيقة دربه في شوارع الخرطوم، أصبحت في زمن الحرب عبئاً إضافياً حين ينبغي الإسراع، وعائقاً حين ينبغي الاختباء.
لكن الأشد إيلاماً من فقدان الأداة كان فقدان الإنسان نفسه. في خضم الفوضى، سقط كثير من المكفوفين من حسابات النجاة. لم تكن هناك خطط إخلاء تراعي احتياجاتهم، ولم تكن هناك إشارات صوتية تدلهم على مكامن الأمان. وحين وزعت المساعدات، كانوا آخر من يصل إليهم الخبر، وأول من يُنسى في الزحام.
وعيٌ مجتمعي في مواجهة الانهيار
قبل الحرب، كان الوعي المجتمعي بحقوق المكفوفين في السودان هشاً لكنه يتحرك. كانت هناك مدارس متخصصة، وجمعيات تعنى بشؤونهم، ومحاولات جادة لدمجهم في التعليم وسوق العمل. لكن الحرب كشفت هشاشة هذا الوعي حين وضعته أمام اختبار حقيقي. فالمجتمع الذي لم يتعلم كيف يحترم مسار العصا البيضاء في زمن السلم، لم يستطع أن يحمي صاحبها في زمن الحرب.
ومع ذلك، وسط هذا الركام، برزت نماذج مضيئة. مبادرات فردية وجماعية حاولت لملمة الجراح. متطوعون حملوا المكفوفين على أكتافهم هرباً من مناطق القتال. أسرٌ رفضت التخلي عن أبنائها المكفوفين رغم صعوبة الرحيل. جمعيات أعادت ترتيب صفوفها لتقدم ما استطاعت من دعم نفسي ومادي. هذه النماذج تستحق التوقف، لأنها تثبت أن الوعي الحقيقي لا يحتاج إلى مؤسسات ضخمة، بل إلى إرادة إنسانية صادقة.
تقبل الذات في زمن الجراح
لم يكن التحدي يوماً سهلاً على المكفوف نفسه. ففي مجتمع ينظر إلى الإعاقة كثيراً بعين الشفقة وليس الحق، كان على الكفيف أن يخوض معركة داخلية ليتقبل حالته ويثق بقدراته. والحرب أضافت إلى هذه المعركة أبعاداً جديدة. فكيف يتقبل المكفوف حالته وهو يرى — ببصيرته — أن المجتمع نفسه يحتاج إلى من يعينه على تقبّله؟
لكن المفارقة الجميلة أن كثيراً من المكفوفين في السودان أظهروا من الصلابة ما يفوق قدرة كثير من المبصرين على التحمل. فقد تحول بعضهم إلى مساعدين لغيرهم، ينقلون الأخبار، ويوزعون المساعدات، ويهدّئون الأطفال الخائفين. وهذا في ذاته درس بليغ للمجتمع: أن العطاء لا يحتاج إلى بصر، بل إلى قلب.
العصا التي يجب أن يحملها المجتمع
في الخامس عشر من أكتوبر هذا العام، ونحن نقف على أنقاض ما تبقى من وطن، لا يكفي أن نذكّر بالمكفوفين ونحن نمسح دمعة عابرة. الأجدى أن نسأل: كيف نعيد بناء وعي مجتمعي يرى المكفوف في الحرب كما في السلم، في الشدة كما في الرخاء؟ كيف نجعل العصا البيضاء جزءاً من تخطيطنا للمدن وإخلائها، ومن سياساتنا للطوارئ، ومن برامجنا للتعافي وإعادة الإعمار؟
الوعي الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن اعتبار المكفوف حالة استثنائية تحتاج إلى رحمة، ونبدأ في اعتباره مواطناً كامل الحقوق، له صوت يجب أن يُسمع، ومسار يجب أن يُحترم، ومكان يجب أن يُحفظ.
خاتمة: وطن يبصر بعصاه
بعد الحرب، لن تُبنى البيوت وحدها، بل تُبنى النفوس أيضاً. وكل مجتمع يخرج من نار الحرب يحتاج إلى أن يتعلم من جديد معنى الرحمة، ومعنى العدالة، ومعنى أن يكون الجميع — مبصرين ومكفوفين، أصحاء ومعاقين — شركاء في وطن واحد.
العصا البيضاء في السودان ما بعد الحرب ليست مجرد أداة في يد كفيف. إنها مرآة نرى فيها أنفسنا. فإن أبصرناها ورعيناها، أبصرنا معنى الإنسانية. وإن تجاهلناها، أظلمت أمامنا الطريق جميعاً.
في هذا اليوم العالمي للعصا البيضاء، ليكن عهدنا أن يعود السودان وطناً يرى فيه الجميع، ويُرى فيه الجميع، دون أن يُترك أحد خلف الركام.
