السبت , 17 أكتوبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

السودان على حافة الجوع.. كيف تهدد الحرب والجفاف سبل العيش؟

سودانية تُعِدُّ وجبات في مطبخ تكافلي يديره متطوعون لإطعام متضرري الحرب والجوع الشديد في أم درمان، 19 سبتمبر 2024. رويترز

سودانية تُعِدُّ وجبات في مطبخ تكافلي يديره متطوعون لإطعام متضرري الحرب والجوع الشديد في أم درمان، 19 سبتمبر 2024. رويترز

 

الأبيض/ النهود/ الخرطوم، 15 أكتوبر 2026 – تتزايد الضغوط المعيشية على الأسر السودانية مع استمرار تداعيات الحرب وتراجع مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، في وقت يواجه فيه المزارعون تحديات مرتبطة بالجفاف وشح الأمطار، بينما تشهد الأسواق تراجعاً في القدرة الشرائية للمواطنين، ما يفاقم المخاوف بشأن الأمن الغذائي وسبل العيش.

وتتجاوز آثار الأزمة مسألة توفر الغذاء إلى قدرة الأسر على شرائه؛ إذ قد تتوافر بعض السلع في الأسواق، لكن ارتفاع أسعارها مقارنة بدخول المواطنين يجعل الحصول عليها أكثر صعوبة.

كما أن تعثر الموسم الزراعي في المناطق المتأثرة بالجفاف أو النزاع قد ينعكس على دخل الأسر الريفية، وفرص العمل الموسمية، وكميات المحاصيل المتاحة في الأسواق، بما يزيد الضغوط على المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والتجارة الصغيرة.

وفي مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، تقول كوثر سعد إن الحرب أثرت بصورة مباشرة على الحياة اليومية للسكان، وأضعفت قدرة كثير من الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية، في ظل تراجع الأنشطة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وأوضحت سعد لـ«سودان تربيون» أن الزراعة، التي تمثل أحد مصادر الدخل الأساسية لكثير من الأسر في المنطقة، لم تعد توفر العائد الذي كانت تحققه في السابق، مع تزايد صعوبات الإنتاج وارتفاع تكاليف مدخلاته، إلى جانب تأثيرات الجفاف وتراجع فرص العمل.

وأشارت إلى أن تراجع دخل الأسرة جعل توفير الغذاء والدواء ومستلزمات التعليم أكثر صعوبة، خاصة أن الأسر باتت مضطرة إلى تقليص نفقاتها والتخلي عن بعض الاحتياجات لمواجهة أعباء الحياة اليومية.

وأضافت أن استمرار هذه الأوضاع يضع الأسر ذات الدخل المحدود أمام خيارات صعبة، في ظل محدودية فرص العمل وغياب مصادر دخل بديلة قادرة على تعويض الخسائر التي لحقت بها منذ اندلاع الحرب.

 

الزراعة تحت ضغط الحرب والجفاف

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الأسر المستهلكة، بل تمتد إلى المزارعين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع فرص الحصول على التمويل والمدخلات الزراعية، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالتقلبات المناخية وشح الأمطار في بعض المناطق.

ويقول عبد الله صالح، وهو مزارع يعمل في مناطق الإنتاج الزراعي بغرب كردفان، إن الحرب والجفاف زادا صعوبة الاستمرار في النشاط الزراعي، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والبذور ومدخلات الإنتاج، إلى جانب التحديات المرتبطة بنقل المحاصيل وتسويقها.

وأضاف صالح لـ«سودان تربيون» أن المزارعين يتحملون تكاليف إعداد الأرض وشراء البذور وتشغيل المعدات قبل اتضاح نتائج الموسم، ما يجعل تعثر الإنتاج أو فشله خسارة مباشرة قد تؤثر على قدرتهم على مواصلة الزراعة في الموسم التالي.

وأشار إلى أن تراجع الإنتاج لا ينعكس على المزارعين وحدهم، بل يمتد إلى العمال الزراعيين والأسر التي تعتمد على النشاط الزراعي في توفير الغذاء والدخل، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على إمدادات الأسواق المحلية.

وحذر صالح من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع بعض الأسر إلى التخلي عن أنشطتها الزراعية أو البحث عن مصادر دخل بديلة، في وقت تتقلص فيه الفرص الاقتصادية بفعل تداعيات الحرب.

 

أسواق تحت ضغط تراجع القدرة الشرائية

وفي ولاية الخرطوم، تظهر انعكاسات الأزمة جلياً في حركة الأسواق، حيث يتزامن ارتفاع تكاليف المعيشة مع تراجع قدرة كثير من المواطنين على شراء احتياجاتهم الأساسية.

ويقول ياسين عبد الكريم، وهو تاجر يعمل في سوق بحري، إن ارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين أثرا سلباً على حركة البيع والشراء، مع اضطرار كثير من الأسر إلى تقليص مشترياتها والتركيز على المواد الغذائية والاحتياجات الضرورية فقط.

وأوضح عبد الكريم لـ«سودان تربيون» أن بعض الزبائن باتوا يشترون كميات أقل من السلع التي اعتادوا اقتناءها، بينما يتخلى آخرون عن بعض الاحتياجات بسبب محدودية الدخول، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حجم المبيعات اليومية.

وبيّن أن التجار يواجهون بدورهم ارتفاع تكاليف شراء البضائع ونقلها وتخزينها، إلى جانب صعوبات توفير رأس المال اللازم لتجديد المخزون، ما يضعهم أمام معادلة صعبة بين ارتفاع تكلفة السلع ومحدودية قدرة المستهلكين على الدفع.

وأكد أن المشكلة لا تتعلق بالأسعار وحدها، بل أيضاً بتراجع دخول المواطنين وفقدان بعض الأسر مصادر رزقها، ما أدى إلى تغير أنماط الاستهلاك وتوجيه الجزء الأكبر من الإنفاق نحو الغذاء والاحتياجات الأساسية.

وفي السياق ذاته، أفاد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في تقرير له، بأن “معدلات هطول الأمطار الأقل من المتوسط، وانخفاض رطوبة التربة، ودرجات الحرارة القياسية المرتفعة، وتراجع الكتلة الحيوية النباتية، وهي عوامل ناجمة جميعها عن تأثيرات ظاهرة النينيو، تشير إلى انتشار ظروف الجفاف في نحو نصف الأراضي الزراعية في السودان”.

وأشار التقرير إلى أن 64% من الأراضي الزراعية في شمال دارفور ونحو 50% من الأراضي الزراعية في جنوب دارفور وغرب كردفان وجنوب كردفان، تُظهر ضعفاً في نمو الغطاء النباتي، فيما سجلت معظم الأراضي الزراعية في تلك المناطق عجزاً مائياً شديداً.

 

انخفاض في توفير الغذاء

من جانبه، قال مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ طويلة، حمزة حسن هارون، إن تراجع مصادر التمويل والمنح المالية أدى إلى انخفاض كبير في توفير الغذاء للنازحين، مشيراً إلى تقلص عدد المطابخ الجماعية التي تشرف عليها الغرفة من نحو 30 إلى 40 مطبخاً إلى مطبخ واحد فقط حالياً.

وأوضح هارون لـ«سودان تربيون» أن الغرفة كانت تتلقى تمويلاً ومساعدات بصورة أسبوعية، ما يتيح لها تغطية تكاليف تشغيل المطابخ الجماعية وتوفير السلال الغذائية بانتظام، إلا أن هذه المصادر تراجعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية.

وأضاف أن انخفاض التمويل أدى إلى توقف معظم المطابخ الجماعية، ما تسبب في فجوة غذائية كبيرة للأسر والنازحين الذين يعتمدون بصورة أساسية على الوجبات الجاهزة والسلال الغذائية التي تقدمها الغرفة.

وأشار هارون إلى أن الارتفاع المتواصل في الأسعار فاقم الصعوبات التشغيلية، موضحاً أن تكلفة تشغيل مطبخ جماعي لمدة 14 يوماً ارتفعت من نحو 3 آلاف دولار سابقاً إلى ما بين 5 آلاف و6 آلاف دولار حالياً.

ولفت إلى أن الزيادة في التكاليف التشغيلية، إلى جانب شح التمويل، تمثل تحدياً إضافياً أمام استمرار تقديم المساعدات، في ظل اعتماد أعداد كبيرة من النازحين على هذه الخدمات لتأمين وجباتهم اليومية.

 

استمرار الحرب سبب في الأزمة

وفي السياق الاقتصادي، قال الخبير عادل خلف الله إن استمرار الحرب في السودان يعني مزيداً من التدهور في سعر صرف الجنيه، مشيراً إلى أن العملة فقدت نحو 145% من قدرتها الشرائية، في ظل ثبات الأجور والمرتبات والمعاشات، الأمر الذي ينعكس على ارتفاع أسعار السلع والخدمات، بما فيها الأدوية والعلاج، ويجعل الحصول عليها بعيد المنال بالنسبة إلى غالبية المواطنين، لا سيما ذوي الدخل الثابت.

وأضاف خلف الله لـ«سودان تربيون» أن تكاليف الإنتاج بلغت مستويات قياسية نتيجة تدهور سعر الصرف وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج والنقل والعمالة، ما أدى إلى خروج عدد من المشاريع الزراعية من الدورة الإنتاجية.

وتزامن ذلك مع موجات الجفاف والتصحر وارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات هطول الأمطار، ما أسهم في انخفاض إنتاج المحاصيل بنسب تتراوح بين 27% و45%، ودفع جهات معنية بالإنذار المبكر إلى التحذير من خطر المجاعة التي تهدد حياة ملايين السودانيين.

وأشار إلى أن استمرار النزاع واستهداف الأعيان المدنية وارتفاع أعداد الضحايا بين المدنيين، إلى جانب تسابق أطراف الصراع وداعميها والقوى المرتبطة مصالحها بالقتال، كلها عوامل تحد من فرص احتواء الأزمة وتقليل الخسائر البشرية، معتبراً أن السلطات القائمة لا تتخذ التدابير الكافية للحد من تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

وأكد خلف الله أن وقف الحرب يمثل المدخل الأساسي لاتخاذ تدابير اقتصادية وإنسانية فاعلة، داعياً إلى التمهيد لذلك عبر هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات وضمان حماية المدنيين.

وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، أوضح أن توفير الغذاء يرتبط مباشرة بتحقيق الأمن والاستقرار واستئناف النشاط الاقتصادي، الذي تأثرت دورته بشدة جراء الحرب، فضلاً عن اضطراب الأسواق وتعدد أنماط الأنشطة المشوهة في ظل ما وصفه بـ«اقتصاد الحرب».

وحذر من أن تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة تجعل جميع ولايات السودان وفئات المجتمع عرضة لمخاطر انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية والمجاعة، مع تفاوت مستويات التعرض للخطر، مبيناً أن ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق تواجه مخاطر متزايدة في ظل استمرار العمليات العسكرية وتوسع استخدام الطائرات المسيّرة.

ولفت إلى أن الأطفال، لا سيما حديثي الولادة، والنساء الحوامل والأمهات وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بالأمراض المزمنة وذوي الدخل المحدود، فضلاً عن الجرحى والمحتجزين، يعدون من أكثر الفئات هشاشة وتأثراً بنقص الغذاء وسوء التغذية.

ودعا خلف الله إلى تحرك وطني عاجل يدفع أطراف الحرب إلى الدخول في مفاوضات مباشرة لوقف العمليات العسكرية، تمهيداً لهدنة إنسانية تفضي إلى وقف شامل ودائم للقتال وتحقيق سلام مستدام.

وشدد على أن إنهاء الحرب يمثل أولوية وطنية وأخلاقية، داعياً القوى الرافضة للحرب وغير المنحازة لأي من أطرافها إلى ممارسة الضغوط بكل الوسائل الممكنة لدفع الأطراف المتحاربة إلى طاولة التفاوض، وتجنيب السودان وشعبه مزيداً من المخاطر الإنسانية والاقتصادية.