الخميس , 17 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

الوعي الكاذب

حسين اركو مناوي

حسين اركو مناوي

لا أدري إن كانت فكرة «الوعي الكاذب» قد تلاقت مصادفةً مع فكرة «الحمل الكاذب»، أم أن بينهما صلة أعمق تختزنها الذاكرة الإنسانية منذ أقدم العصور. ففي الحالتين يبدو الشيء موجوداً، بينما الحقيقة في مكان آخر؛ الجسد يتوهم حياة لم تتكوّن، والعقل قد يتوهم حقيقة لم يختبرها.

ولعل السراب هو أقرب صورة للوعي الكاذب: يراه العطشان ماءً، فيمضي نحوه بثقة، وكلما اقترب ابتعد عنه، حتى يكتشف، بعد أن يكون قد استنفد قواه، أنه كان يطارد وهماً.

وهنا تكمن خطورة الوعي الكاذب: ليس لأنه يبدأ دائماً من فكرة خاطئة، بل لأنه قد يبدأ من فكرة صحيحة، ثم يقودها إلى الطريق الخطأ.

فالديمقراطية فكرة صحيحة، والحرية قيمة إنسانية، والحكم المدني مطلب مشروع، ودولة المؤسسات ضرورة لا غنى عنها. لكن السؤال الذي كثيراً ما يغيب هو: كيف نصل إلى هذه الغايات دون أن نهدم في الطريق الدولة التي نريد أن نبنيها؟

هذه هي المفارقة التي تستحق التأمل في الحالة السودانية.

فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 جاءت في سياق صراع رُفعت فيه شعارات الديمقراطية والمدنية وإعادة بناء الدولة. وهي مفاهيم لا يختلف الناس كثيراً حول قيمتها في ذاتها. لكن الخلاف كان، وما يزال، حول وسائل تحقيقها، وترتيب الأولويات، ومن يدير عملية الانتقال، وكيف يمكن الوصول إلى الدولة المدنية دون أن تتحول المعركة السياسية إلى تهديد لوحدة البلاد وسيادتها وسلامة مجتمعها.
وهنا ينبغي أن نفرق بين المبدأ والوسيلة.

من يتأمل مشهد الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، لا بد أن يلاحظ أنها تختلف، في طبيعتها ومسارها، عن معظم الحروب التي عرفها السودان منذ الاستقلال.

صحيح أن الحرب لم تكن غريبة عن السودان؛ فقد ظلت رحاها تدور لعقود في أطرافه، لكنها، رغم قسوتها وطول أمدها، لم تبلغ هذا المستوى من الانفتاح على الخارج، ولم تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها إرادات الدول والمصالح الإقليمية والدولية بهذا الشكل الذي نشهده اليوم.

أما حرب اليوم، فقد أخذت منحى يصعب على العقل السوداني استيعابه، حتى بات السؤال يتجاوز حدود السودان: كيف يمكن لحرب داخلية أن تتحول إلى هذا المشهد العبثي من التدخلات الخارجية؟
غرف عمليات تُدار من عواصم بعيدة، وحدود تُفتح لتتدفق عبرها الأسلحة والمقاتلون، ومرتزقة يعبرون القارات، وخبراء عسكريون وطيارون من جنسيات متعددة، حتى أصبح السودان ساحة مفتوحة لحرب تتجاوز أطرافها وحدوده.

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً ليست في حجم التدخل الخارجي وحده، وإنما في الوعي السياسي لدى بعض النخب السياسية والأكاديمية. بعض السياسيين السودانيين وجدوا في هذا التدخل ما يمكن تبريره، بل والدفاع عنه، بحجة الديمقراطية والمدنية.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يمكن أن تُبنى الديمقراطية على أنقاض السيادة الوطنية؟ وهل يمكن للمدنية أن تجد طريقها عبر تدخلات خارجية تجعل القرار السوداني رهيناً لإرادات الآخرين؟

مثل هذه الاسئلة تطرح نفسها تلقائياً او قل عفوياً…… تطرح نفسها ليس إنحيازاً إلى طرف في الحرب، ولا محاولة لتبرئة طرف من مسؤوليته؛ إنها محاولة للنظر إلى المسألة من زاوية أعمق: ماذا يحدث لدولة حين تتحول حربها الداخلية إلى حرب تُدار، إلى حدٍ بعيد، من خارج حدودها؟

فالسودان اليوم لا يواجه فقط حرباً على السلطة، وإنما يواجه، في الوقت نفسه، اختباراً بالغ الخطورة لمعنى الدولة والسيادة والقرار الوطني.

المبدأ قد يكون صحيحاً، لكن الوسيلة التي نختارها لتحقيقه قد تكون مدمرة. وقد يبدأ الإنسان بالدفاع عن الحرية، ثم ينتهي إلى إهدارها؛ يبدأ بحثاً عن الدولة المدنية، ثم يجد نفسه أمام دولة ممزقة؛ يبدأ من أجل الديمقراطية، ثم يصبح الصراع نفسه سبباً في إبعاد المجتمع عن الديمقراطية سنوات طويلة.

وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الوعي إلى وعي كاذب: حين يصبح الإنسان أسيراً للوسيلة، وينسى الغاية التي جاءت الوسيلة من أجلها.

حين ينتصر المبدأ على الوسيلة

نأخذ تجربة نلسون مانديلا خير مثال وابلغ دلالة.

أمضى مانديلا سبعةً وعشرين عاماً خلف القضبان دفاعاً عن الحرية وإنهاء نظام الفصل العنصري. ولم يكن خروجه من السجن يعني بالنسبة إليه نهاية القضية، ولا التخلي عن المبدأ. لكنه أدرك في الوقت نفسه أن استمرار الصراع بالطريقة نفسها قد يجعل تحقيق الحرية أكثر بعداً.

لذلك اختار مبدأ سلامة الأوطان وصون سيادته دون أن يتراجع عن قضيته، ولكل قضية أولويات، وحدة الوطن أكبر من أن تكون ضحية خلافات جزئية.

وهنا يظهر الفرق بين الوعي الحقيقي والوعي الكاذب.

الوعي الحقيقي يتمسك بالغاية، لكنه لا يقدّس الوسيلة.

أما الوعي الكاذب فيفعل العكس؛ يحول الوسيلة إلى عقيدة، ثم يجعل التخلي عنها خيانة، والاعتراف بالخطأ هزيمة.

الدرس الأفريقي

هذه ليست حالة سودانية استثنائية. فقد شهدت أفريقيا في مراحل مختلفة صراعات بدأت بمطالب مشروعة، ثم تحولت بسبب سوء إدارة الصراع إلى دوائر من العنف والانقسام. وفي المقابل، شهدت القارة أيضاً تجارب استطاعت فيها الأطراف أن تميز بين الحقوق التي لا ينبغي التخلي عنها، والوسائل التي يمكن تغييرها.
وهذه القدرة على التمييز هي جوهر الوعي السياسي الناضج.

فالأوطان لا تُبنى بالنيات وحدها، ولا بالشعارات وحدها، ولا بانتصار طرف على آخر. إنها تُبنى عندما يستطيع المجتمع أن يحافظ على القضايا الكبرى، وفي الوقت نفسه يملك الشجاعة لمراجعة الوسائل التي تقوده إليها.

السودان أمام المرآة

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: من كان على حق؟

بل سؤال أكثر قسوة وعمقاً:

هل كانت الوسائل التي استخدمناها للوصول إلى أهدافنا متناسبة مع قيمة الأهداف نفسها؟

إذا كان هدفنا دولة مدنية ديمقراطية، فهل كان الطريق إليها يحافظ على الدولة؟

وإذا كان هدفنا الحرية، فهل كان الطريق إليها يحافظ على حياة الإنسان؟

وإذا كان هدفنا العدالة، فهل كان الطريق إليها يحافظ على المجتمع؟

وإذا كانت غايتنا بناء وطن يسع الجميع، فهل كان الطريق إليها يقربنا من بعضنا أم يدفعنا إلى مزيد من الانقسام؟

فربما تكون أخطر أشكال الوهم السياسي أن يكون الإنسان محقاً في الغاية، ومخطئاً في الطريق، ثم يرفض مراجعة الطريق لأنه مقتنع بصحة الغاية.

وهنا يصبح الوعي الكاذب أشبه بالسراب: كلما تقدمنا نحوه ظننا أننا اقتربنا، بينما كنا في الحقيقة نبتعد عن الشيء الذي نبحث عنه.

ولعل السودان اليوم يحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى أن يراجع ليس فقط ما يريد، وإنما كيف يريد أن يصل إليه.

فقد يكون الطريق الذي اخترناه بالأمس هو بالضبط الطريق الذي ينبغي أن نغادره اليوم.

فالإنسان قد يخسر معركة، ثم يستعيدها؛ وقد يخسر سلطة، ثم يستردها؛ لكنه إذا خسر وطنه، فلن يجد وطناً آخر يواصل فيه معركته.

سبتمبر 2026