الخميس , 1 أكتوبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

مقدمة سوسيولوجية وأنثربولوجية للسّياسة في السّودان (1-3)

أحمد يعقوب

أحمد يعقوب

مقدمة نظرية: لماذا السوسيولوجيا والأنثربولوجيا السياسية؟

تطرح المُمارسة السياسية في السّودان إشكالية جوهرية تتمثل في الارتباط المعقّد بين فلسفة الدولة الحديثة القائمة على المؤسسة والقانون، وفلسفة المجتمعات القائمة على الأفق القبائلي والولاءات الأولية؛ ففي بلد يظل فيه “أفق المخيال” السياسي والاجتماعي أسير البنى القبلية، تصبح المعالجة السوسيولوجية والأنثربولوجية شرطاً معرفياً مسبقاً لفهم ديناميكيات وآليات التحول، وليست مجرد أداة مساعدة. إذ تستند هذه المعارف إلى منهجيات تمكننا من فك شفرات التمثّلات الرمزية للسلطة، وتفكيك أشكال التضامن العرقي والإثني وتحالفاته، وتتبّع استراتيجيات التوظيف السياسي للهويات الفرعية في لحظات الأزمات والانتقال.

إن أهمية الاستعانة بهذه المعارف تنبع من قدرتها على توفير أدوات لتفسير المُفارقة السودانية: ففي الوقت الذي تسعى فيه (الشّلة/النخبة) (1) السياسية إلى بناء مؤسسات حداثية، تظل آليات الفعل السياسي الفعلية تُدار برموز القبلية وأفق مخيالها، وحيث تتحول الدولة/المؤسسة الحديثة إلى واجهة شكلية تخترقها شبكات الولاءات القديمة.

وتتأسس إشكالية هذه الورقة في التناقض الجوهري بين فلسفة الدولة والمجتمعات السودانية القائمة على الأفق القبائلي والولاءات الأولية. وحين يكون “المخيال السياسي” أسير البنى القبلية، تصبح القبيلة كياناً سياسياً موازياً يعيد إنتاج نفسه في قلب الحداثة. ومن هنا، فإن التحليل السوسيولوجي يكشف عن كيفية تشكّل “الدولة الموازية” في العقل الجمعي، بينما يرصد التحليل الأنثربولوجي التحولات في البنى الأسرية والعشائرية وتفاعلها مع مشاريع السلطة المركزية.

وهكذا، فإن فهم مسار التحولات السياسية في السودان؛ سواء تعلق الأمر ببناء السلام، أو صياغة الدساتير، أو إدارة الأزمات، يظل رهناً بقدرتنا على استيعاب أن المجتمعات لا تسلّم ولاءها للمؤسسة المجردة، بل تعيد إنتاجها وفقاً لتصوراتها القبلية (أفقها المخيالي) عن العدالة والزعامة والشرعية. لذلك، فإن إدماج الرؤية السوسيولوجية والأنثربولوجية في صلب التّخطيط السياسي ليس خياراً أكاديمياً، بل ضرورة معرفية لتجنّب فشل النماذج التنموية والسياسية المستوردة، وانتهاج مسارات تحوّلٍ تُراعي خصوصية التشكيل الاجتماعي السوداني، وتستثمر في فهم “الواقع” بدلاً من فرض “المثالي” الغربي.

إن غياب الاهتمام المنهجي بدراسة القبيلة، وتحديداً في بُعدها السوسيوسياسي والمخيالي، يخلق فراغاً معرفياً خطيراً. فهذا الغياب لا يسمح بفهم كيف تعمل الخطابات القبلية كأداة لتعبئة واستقطاب وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، ولا بكيفية توظيف النّخب/الشّلة السياسية لهذه الخطابات لتحقيق مكاسبها، ولا بإدراك أن الخطاب القبلي لم يعد محصوراً في الأرياف، بل تسلل إلى مراكز القرار وأصبح يؤطر المُمارسة السياسية اليومية، من تشكيل التحالفات إلى توزيع الموارد وإدارة الصراعات. فالقبيلة، كما تؤكد الوقائع، ليست مجرد ماضٍ يندثر، بل هي حاضر متجدد، تتخذ من الدين تارة، ومن العلمنة تارة أخرى، غطاءً لها.

إن اللامبالاة الأكاديمية بدراسة القبيلة، أو اختزالها في “عصبية” معيقة للتحديث، هو في حد ذاته موقف سياسي يغفل عن حقيقة أن القبيلة ليست مجرد هوية اجتماعية، بل هي بنية سياسية موازية قادرة على حشد وتعبئة وتوجيه الأفراد، وفرض مصالحها على حساب الجماعات الأخرى، خاصة في سياقات فشل الدولة وتراجع العدالة.

لذا، فإن دراسة المجتمعات السودانية من زاوية سوسيوسياسية أنثروبولوجية، تركز على أنساقها القبلية كمنظومات سياسية فاعلة، وتتتبع تحولاتها في سياقات الاستعمار والاستقلال والحكم العسكري والتحول الديمقراطي، ليست ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة منهجية لفهم قواعد بناء الدولة في السودان. فالدولة في السودان لم تتشكل قط على أنقاض القبيلة، بل تفاوضت معها، واستوعبتها، وأعادت إنتاجها. لذلك، فإن أي مشروع لبناء الدولة اليوم، وأي مشروع للسلام والمواطنة، لا يمكن أن ينجح دون أن يضع في اعتباره أن القبيلة ليست عدواً يجب هزيمته، ولا تراثاً يجب تحجيمه، بل هي واقع اجتماعي وسياسي يجب فك شفراته، وفهم ديناميكيات تحركاته، والاشتغال عليه؛ إما بدمجه في بنية الدولة بشكل مبتكر، أو بتفكيك أسبابه الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الأفراد إلى الاحتماء به. وإلا، فسيظل السودان أسير صراع أبدي بين “دولة” لا تعرف مجتمعها، و”قبيلة” لا تعترف بدولة، وهو نزاعٌ سيادي ظلّ يشهده السودان منذ ما قبل الاستقلال وما بعده، وتجلّى بشكل أوضح في حرب الخامس عشر من أبريل عام 2023م.

إننا نعيش في جغرافيا واسعة، وقبائل متناثرة هنا وهُناك، ضُمّت قسراً تحت نظام إداري واحد؛ حيث عمل على الحفاظ على البنية المنقسمة أصلاً بين المجتمعات أكثر من مساهمته في جمعها، وهي الوقائع التي قد يختلف معها البعض أو يتفق. وهكذا الحال في الدولة الأفريقية، حين اصطنع المستعمر حدوداً جغرافية وأعطى أسماءً لقبائل لم يكن لها وجودٌ مُستقل خارج دائرة الاجتماع الأفريقي الكبير، مع وضع بذرة الشقاق لتفتيتها من أجل إنجاح سياساته. واليوم لا يمكن فهم الدولة الأفريقية دون الرجوع لدراسة وتفكيك البنى الاستعمارية التاريخية التي اختلقت هذه الكيانات الهشة وغذّت هذه النُظم القبلية بالفرقة والشتات.

تكتسي دراسة المجتمعات السودانية عبر المقاربة السوسيوسياسية (Political Sociology) أهمية بالغة لفك تعقيدات التّحولات السياسية في السودان، والعلاقة الجدلية بين القبيلة والدولة. لا تنظر هذه الورقة إلى القبيلة كبقايا اجتماعية، بل كفاعل سياسي وثقافي يستدعي فهم بنيته الداخلية (الأفق والمخيال) لفهم مسار الدولة ذاتها. حيث تمثل الفرضية المركزية التي تنطلق منها هذه الورقة أن القبيلة في السودان ليست مجرد هوية اجتماعية أو بقايا عتيقة، بل هي بنية سياسية ومعرفية فاعلة، تمتلك أفقاً مخيالياً خاصاً يتفوق على مؤسسة الدولة في توجيه الفعل السياسي، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وفرض منطقها في إدارة الصراع وتوزيع الموارد. وأن هذا التفوق ليس نتيجة ضعف الدولة فحسب، بل هو نتاج لسياسات تاريخية (استعمارية وما بعد استعمارية) أعادت إنتاج القبيلة كأداة للحكم، واستمرت الشلليات الحاكمة في توظيفها لتحقيق مكاسبها، مما جعل الدولة عاجزة عن بناء مشروع وطني جامع قائم على المواطنة المتساوية. ولا تقدّم هذه الورقة إحاطة كاملة بالاجتماع السوداني، بل تسعى إلى خلق إطار معرفي ومداخل منهجية من شأنها أن تساعد على قراءة وفهم المجال السوسيوسياسي السوداني.

لكن كيف نقرأ الاجتماع السوداني، وخاصة في راهن هذه الحرب؟ وكيف يمكننا تعريف وصياغة الاجتماع السوداني بعد العام 1956م؟ حيث إن الدراسات في حقلي الاجتماع والأنثروبولوجيا، إن وجدت في السودان، فهي تعاني ضعفاً مفاهيمياً وخللاً منهجياً واضحاً في الاستقراء والتحليل وخلق الأدوات المعرفية التي تساهم في معرفة وفهم الأفق القبائلي للبلاد السودانية. فمعظم الدراسات الأنثروبولوجية في السودان لم تتخطَّ الدراسة التقليدية حول الفلكلور ودراسة الأنساب، وقد ولّت ظهرها لدراسة التفاعلات الاجتماعية ودراسة الفاعلين الاجتماعيين، وكذا صناعة التعايش وبناء الإنسان في وسط كيانات لا تعرف بعضها وتعرّف ذواتها كجيوب بشرية محشورة في زاوية (القبيلة).

وتأسساً على الخطاب السياسي السائد في المشهد السوداني اليوم، والذي يمكن أن نجزم بأنه قبائلي البنية والثقافة بامتياز، فقد طفت على السطح مسألة مهمة تمثّل أساس وجوهر وبنية الصراع في السودان، وهي أن السودان ليس شعباً واحداً بل شعوب متعددة في جغرافيا كبيرة، وهو أمر تجلّى بكل ثقله في هذه الحرب المهمة؛ حيث إن الإصرار على تعريفه بصيغة (الشعب السوداني) هو حلمٌ أكثر مما هو واقع. وللوصول لصيغة الشعب السوداني يتطلب الأمر عملاً ضخماً وكبيراً ومنهجياً يبدأ بفهم المجتمعات السودانية والأفق الذي تنطلق منه ورؤيتها للمسألة. إن القضيتين الجوهرتين في هذه الخطاطة اللتين نعتقد أنهما تفسران حالة الصراع الدائم في السودان بالأمس واليوم هما القبائلية والمخيال القبائلي. ولقد تجنّب العقل النخبوي الأكاديمي والمثقف في السودان التفكير في الواقع السوداني، وتجنب دراسة الخارطة السوسيوسياسية المؤثرة جداً والمتجذرة بعمق في بنية الممارسة السودانية؛ لأن هذا العقل ونخبه تعمل ضمن هذا الأفق القبائلي الذي يكفل لها الحماية ورأس المال الرمزي ويحوّل خطابها إلى سلطة.

تُريد هذه الكتابة أن تقرأ وتتبّع المخيال والفعل السياسي داخل الاجتماع السوداني؛ فالفاعل الحقيقي في مشهدنا السوسيوسياسي هي المجتمعات القبلية ومخيالها القبائلي، بتواطؤ من الشُّلليات/النّخب لا أكثر ولا أقل. إذ يظهر في واقعنا فعلياً سيطرة المخيال القبائلي للمجتمعات على السّرد والفعل، معبراً عن نفسه باعتباره الأفق والمعيار الجوهري الذي يُستقى منه الفعل والممارسة.