السبت , 12 سبتمبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

السودان وأزمة الدولة المتهالكة: عندما يعيد الجميع إنتاج الفشل

علي هجو

علي محمد هجو

ما يجري اليوم ليس مجرد صراع على السلطة وحدها بل صراع على احتكارها عبر مجموعات معينة فبينما يخوض قائد الجيش وحلفاؤه من بقايا المؤتمر الوطني وداعمي الحرب معركة الانفراد بالحكم، يدفع ملايين السودانيين الثمن نزوحًا ولجوءً وجوعًا وانهيارًا للخدمات.

يتنافس الجنرالات على رئاسة دولة ممزقة، بينما يعيش غالبية شعبها في معسكرات النزوح واللجوء أو تحت وطأة الخوف والفقر.

لكن الأزمة أعمق من الحرب الحالية. إنها أزمة دولة تأسست على اختلالات بنيوية، ولم تعترف يومًا بالتنوع السياسي والثقافي والإثني والجغرافي الذي يميز السودان. فمنذ الاستقلال، احتكرت نخبة مركزية القرار والثروة والسلطة، بينما ظلت الأقاليم، وعلى رأسها إقليم النيل الأزرق، في ذيل أولويات الدولة.

لم يحظَ النيل الأزرق بتنمية حقيقية ولا تعليم ولا صحة يوازي احتياجاته ولا خدمات أساسية تحفظ كرامة مواطنيه.

لأكثر من أربعة عقود ظل الإقليم ساحةً للحروب الاهلية، وما تزال أبسط مقومات الحياة فيه غائبة، بينما أصبح الفقر والعزلة نتيجة مباشرة لسياسات التهميش والإقصاء وغياب المشاركة العادلة في صناعة القرار..

المؤسف أن الأزمة لم تعد حكرًا على المركز وحده فحتى بعض الحركات المسلحة التي خرجت من رحم هذه المناطق احتجاجًا على التهميش والظلم وقعت في الفخ نفسه فبدل أن تقدم نموذجًا جديدًا قائمًا على الديمقراطية والعدالة والمساواة والشراكة عملت علي أعادت إنتاج ممارسات الإقصاء واحتكار القرار وحكم السلاح. وكأن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في الثقافة السياسية التي ترى السلطة غنيمة، والدولة ملكية خاصة، والسلاح الطريق الأقصر للحكم.

إن استمرار هذه العقلية يعني أن السودان سيظل يدور في الحلقة ذاتها؛ حرب تعقبها حرب وسلطة تستبدل أخرى دون أن يتغير جوهر الدولة. فلا سلام دائم دون الاعتراف بالتنوع، ولا استقرار دون عدالة اجتماعية، ولا دولة قابلة للحياة دون توزيع عادل للسلطة والثروة ومشاركة حقيقية لكل الأقاليم في إدارة البلاد.

لقد أثبتت التجارب أن حكم البندقية لا يبني وطنًا، وأن احتكار السلطة، مهما تغيرت وجوه أصحابه، لن ينتج إلا مزيدًا من الانقسام والانهيار. السودان بحاجة إلى مشروع وطني جديد يؤسس لدولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، والتنمية المتوازنة، بعيدًا عن هيمنة الجنرالات والنخب التي أدمنت إدارة الأزمات بدلًا من حلها.

الامين العام لمبادرة المجتمع المدني، -النيل الازرق.