السبت , 15 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

مؤتمر برلين بين رهانات الحل وتعقيدات المشهد السوداني

حمدوك وبكري الجاك خلال اجتماعات في اديس ابابا

برلين –12 أبريل 2026 –  يأتي مؤتمر برلين بشأن السودان المقرر انعقاده في 15 أبريل في ظل جدل واسع حول طبيعته وأهدافه، بين أطراف ترى فيه فرصة لدعم الجهود الإنسانية وخفض التصعيد، وأخرى تعتبره مسارًا محدودًا لا يرقى لمعالجة جذور الأزمة السياسية في السودان، في ظل استمرار الحرب وتشابك الفاعلين الإقليميين والدوليين.

وأعلنت دول أوروبية عزمها عقد مؤتمر لحشد الدعم الإنساني في 15 أبريل الجاري، حيث تُعد هذه النسخة الثالثة بعد مؤتمري باريس ولندن، وتمت دعوة 40 شخصية تمثل ائتلافات وأحزابا سياسية للمشاركة في مؤتمر برلين.

وقال المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، بكري الجاك، لـ”سودان تربيون”، إن مؤتمر برلين لن يناقش وقف إطلاق النار أو الوصول إلى حل سياسي مباشر للأزمة في السودان.

وأوضح أن أجندة المؤتمر تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية؛ يتمثل الأول في اجتماع وزراء الخارجية لحشد وتوفير التمويل للعمل الإنساني في السودان، بينما يركز المسار الثاني على التنسيق الإنساني بين المنظمات الأممية والأوروبية لدعم الاستجابة الإنسانية، في حين يضم المسار السياسي نحو 46 شخصية سياسية ومدنية ويهدف إلى الدعوة لخفض التصعيد بين طرفي الحرب.

وأكد الجاك أن استمرار الحرب يجعل من الصعب الوصول إلى حل سياسي، مشددًا على أن أي تسوية سياسية مرهونة بوقف العنف، ومن ثم الانتقال إلى ترتيبات مستقبل السودان السياسي.

وأضاف أنه لا يوجد انقسام داخل القوى السياسية، موضحًا أن هناك تباينًا في المواقف بين مكونات القوى المدنية، لكن يظل هناك إجماع واسع على أنه لا حل عسكري للأزمة، وهو ما يشكل نقطة انطلاق لأي توافقات لاحقة تتعلق بمرحلة الانتقال والترتيبات الدستورية، مشيرًا إلى أن غياب الإرادة السياسية لدى طرفي القتال يمثل العائق الأساسي أمام إنهاء الحرب، في ظل اعتقاد كل طرف بإمكانية تحقيق انتصار عسكري.

أبلغ السودان الحكومة الالمانية، امس الجمعة، اعتراضه رسميا على مؤتمر برلين المقرر انعقاده في 15 أبريل الحالي لحشد الدعم الإنساني.

وسلمت سفيرة السودان لدى برلين، إلهام إبراهيم الجمعة، مذكرة رسمية إلى وزارة الخارجية الألمانية، نقلت خلالها موقف حكومة السودان الرافض لعقد مؤتمر برلين حول السودان من دون مشاركة الحكومة وموافقتها والتشاور معها في كافة الترتيبات.

سقف التوقعات

اما القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)، وجدي صالح، يقول إن الوصول إلى حل سياسي في السودان يظل صعبًا في ظل استمرار الحرب، مؤكدًا أن الهدنة تمثل المدخل الأساسي لأي عملية سياسية يمكن أن تنطلق نحو حل هذه الحرب.

وأوضح وجدي صالح في حديثه لـ”سودان تربيون”، أن الحرب أدت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتدمير البنية التحتية، ما انعكس على مستقبل الأجيال القادمة، خاصة في الجوانب الصحية والتعليمية.

وفيما يتعلق بمؤتمر برلين، قال إن المؤتمر يركز على الجوانب الإنسانية وخفض التصعيد بين أطراف الحرب، بما في ذلك الحد من خطاب الكراهية والتصعيد العسكري، مشيرًا إلى أن تحقيق تقدم في هذه الملفات يمكن أن يُعد نجاحًا للمؤتمر، لكنه حذر من رفع سقف التوقعات باعتبار أن أهدافه محدودة ولا تتجاوز الإطار الإنساني وتهيئة المناخ لخفض التصعيد.

وأضاف أن توحيد المواقف الدولية يمكن أن يسهم في دفع جهود وقف الحرب ودعم المسارات الإنسانية والسياسية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن غياب الإرادة السياسية لدى أطراف الصراع يظل العقبة الرئيسية أمام إنهاء الحرب.

مفاجأة مشاركة حركةمناوي

بينما فاجأ حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان، مني أركو مناوي، الجميع بمشاركة عبد الباقي محمد حامد، منسق الشؤون الإنسانية لإقليم دارفور، في مؤتمر برلين بصفة مراقب، في إطار متابعة مجريات النقاش عن كثب.

غير أن مناوي أوضح في تدوينه على حسابه بالفيسبوك أن طبيعة الدعوات التي وُجهت للمؤتمر لا تنسجم مع الأجندة المطروحة ولا مع طبيعة الشخصيات المدعوة، معتبرًا أن ذلك يعكس توجهاً مقلقاً نحو مناقشة قضايا مصيرية في غياب الأطراف المعنية مباشرة بالأزمة، وهو ما قد يضعف فرص الوصول إلى حلول مستدامة.

ترحيب القوى السياسية

ورحّب حزب المؤتمر السوداني بانعقاد مؤتمر برلين حول السودان في 15 أبريل الجاري معتبرًا أنه يمثل فرصة لحشد الدعم الدولي لمعالجة الأزمة السودانية على المستويات الإنسانية والسياسية.

وأوضح الحزب في بيان أن أولويات المؤتمر يجب أن تتركز على معالجة الكارثة الإنسانية، وتوفير المساعدات والممرات الآمنة للنازحين واللاجئين، باعتبارها أولوية عاجلة تتقدم على بقية الملفات.

وأكد أن أي دعم دولي يجب أن يترافق مع ضغط جاد لوقف إطلاق النار، والدفع نحو عملية سياسية شاملة تقود إلى تحول مدني ديمقراطي، دون استثناءات تتعلق بالقوى المرتبطة بالنظام السابق.

ودعا الحزب القوى المدنية والسياسية إلى توحيد المواقف والخطاب واستثمار الزخم الدولي لدعم مسار السلام، مجددًا التزامه بالعمل مع الشركاء لإنهاء الحرب وبناء دولة المواطنة والمؤسسات.

تحركات حكومة السودان

نفذت بعثة السودان الدائمة في جنيف سلسلة اجتماعات استباقية مع رؤساء عدد من المنظمات الدولية والإنسانية، قبيل ما يُعرف بـ”مؤتمر برلين” بشأن السودان، وذلك بهدف إيصال الموقف الرسمي للحكومة السودانية من المؤتمر.

وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في بيان،اليوم إن لقاءات المندوب الدائم، السفير حسن حامد حسن، شملت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، ومدير عام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA)، ومديرة مكتب برنامج الأغذية العالمي في جنيف (WFP)، ومدير عام المنظمة الدولية للهجرة (IOM).

وأوضحت البعثة أن الحكومة السودانية جددت التزامها بالحل السلمي استنادًا إلى خارطة الطريق التي أودعها رئيس مجلس السيادة الانتقالي لدى الأمم المتحدة في 15 مارس 2025، إلى جانب مبادرة السلام التي قدمها رئيس مجلس الوزراء أمام مجلس الأمن في 22 ديسمبر 2025، باعتبارهما الإطارين العمليين لتحقيق سلام عادل ومستدام.

وأكدت البعثة ترحيب السودان بأي جهد دولي صادق يراعي سيادة الدولة، مشددة على رفض أي مساعٍ لبحث الشأن السوداني دون مشاركة الحكومة وموافقتها، لما يشكله ذلك من مخالفة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية.

وجددت حكومة السودان استعدادها للتعاون مع أي جهود جادة لإنهاء الحرب، على أساس الاحترام الكامل لسيادة السودان واستقلال شعبه والملكية الوطنية للحلول المطروحة.

تعقيدات المشهد

في السياق قال الباحث في الشؤون السياسية وشؤون القرن الأفريقي، فؤاد عثمان، إن الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع داخلي، بل تحولت إلى أزمة ذات أبعاد إقليمية ودولية معقدة، في ظل استغلال قوى الثورة المضادة لانقسامات القوى المدنية وغياب قيادة موحدة.

وأوضح فؤاد عثمان لسودان تربيون أن التدويل أتاح لأطراف الحرب هامشًا واسعًا للمناورة، رغم محاولات بعض المبادرات الدولية، وعلى رأسها “الرباعية”، التي شكلت انعطافة في مسار الضغط نحو إنهاء الحرب.

وأكد أن نجاح مؤتمر برلين يتوقف على تحوله إلى مظلة سياسية تُلزم الأطراف بوقف القتال، مع توحيد الموقف الدولي ودعم جبهة مدنية رافضة للحرب.

تضارب المصالح

في السياق قال الخبير في العلاقات الدولية، راشد محمد علي، إن الدعوة إلى مؤتمر برلين شابتها مآخذ تتعلق بالواقع السوداني في ظل استمرار الحرب وموقع البلاد في منطقة تقاطع مصالح دولية معقدة.

وأوضح راشد محمد على في حديثه لسودان تربيون أن تعدد المنابر يؤدي إلى تشتيت الجهود ويعكس صعوبات إدارة الأزمة دوليًا، مشيرًا إلى أن الأطراف الدولية تتحرك وفق مصالح متضاربة وأهداف غير متجانسة.

وأضاف أن تجاهل السيادة السودانية واعتراض الحكومة على عدم دعوتها يمثلان إشكالًا في مسار الوساطة، في ظل غياب جهة قادرة على فرض حل دبلوماسي وتعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين