اعترافات تحت التعذيب .. محكومون بالإعدام في السودان يكشفون كواليس المحاكمات
الخرطوم 28 سبتمبر 2026 – يروي محكومان بالإعدام في سجن الهدى بأم درمان تفاصيل احتجازهما ومحاكمتهما بتهم تتعلق بالتعاون مع قوات الدعم السريع، في قضيتين تشير إفاداتهما وإفادات ذويهما إلى أنهما شابهما الغموض ومخالفات واسعة في إجراءات التوقيف والتحقيق.
وبينما يؤكد أحدهما أن اعترافاته انتُزعت تحت وطأة التعذيب الشديد، تفيد أسرة الآخر بأن توقيفه جاء نتيجة بلاغ كيدي على خلفية عمله الإنساني، قبل أن ينقطع أثره لأكثر من عام ويظهر لاحقاً محكوماً بالإعدام.
وتأتي هذه الشهادات في ظل استمرار محاكمات لمدنيين يواجهون تهماً بالتعاون مع الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وسط تحذيرات متزايدة من منظمات حقوقية ومحامين إزاء غياب ضمانات المحاكمة العادلة.
وتستند أغلب هذه المحاكمات إلى المادتين 50 و51 من القانون الجنائي السوداني، المتعلقتين بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، وهما تهمتان تصل عقوبتهما إلى الإعدام.
تحت التعذيب
يقول محمد أحمد، وهو اسم مستعار لأحد النزلاء المحكومين بالإعدام في سجن الهدى، لـ«سودان تربيون»، إن رحلته بدأت بتوقيفه في شارع الوادي بأم درمان، وانتهت بإصدار حكم الإعدام بحقه بعد أسابيع من الاحتجاز السري داخل مقار تتبع لخلايا أمنية.
ويوضح محمد أنه قصد مقر إحدى الشركات في شارع الوادي لمقابلة قريبه، قبل أن يوقفه عنصر عسكري ويوجه إليه اتهاماً بسرقة أثاث منزلي، ليُقتاد بعدها مباشرة إلى مقر خلية أمنية في منطقة لفة الوالي بشارع العشرين.
ويضيف أن طبيعة الاتهام تحولت سريعاً إلى شبهة التعاون مع الدعم السريع، ليبدأ إثر ذلك تحقيق رافقه ضرب وتعذيب متواصل استمر ثلاثة أيام، وأسفر عن إصابات بالغة أدت إلى تركه لنحو 18 يوماً حتى تلتئم جراحه قبل استئناف الاستجواب.
ويشير محمد إلى تعرضه للضرب بأدوات صلبة وسلاسل حديدية طوال 45 يوماً قضاها في المقر ذاته، قبل ترحيله إلى خلية أمنية أخرى في حي الصحافة بالخرطوم، حيث تكرر الاستجواب وعُرض عليه الإفراج مقابل فدية مالية بلغت 10 مليارات جنيه لم يكن يملكها.
وحسب إفادته، جرى نقله مباشرة إلى المحكمة دون المرور بقسم للشرطة، ثم إلى سجن الهدى، لافتاً إلى أن تسجيل اعترافه القضائي تم تحت الإكراه والتهديد بإعادته إلى غرف التعذيب إن لم يكرر الرواية المفروضة عليه.
ويؤكد محمد أن شهود الاتهام في المحكمة زعموا رؤيته مرتدياً زياً عسكرياً وحاملاً سلاحاً، وهو ما ينفيه قطعاً، مشدداً على أن بعض هؤلاء الشهود لم يكونوا موجودين أصلاً في العاصمة خلال تلك الفترة.
وتحدث النزيل عن تسجيل حالات وفاة لمتهمين آخرين داخل مقر الخلية الأمنية جراء التعذيب، دون أن يتسنى لـ«سودان تربيون» التحقق بشكل مستقل من صحة تلك الوقائع أو تفاصيل الإجراءات القضائية من مصادر رسمية.
خلف القضبان
يقول محمد إن القسم الذي يقبع فيه بسجن الهدى يضم نحو 1200 محكوم بموجب المادتين 50 و51، إلى جانب أعداد أقل من المدانين بالقتل العمد وفق المادة 130.
ويختم حديثه بالإشارة إلى أن أكثر ما يثقل كاهله وهو يترقب مصيره، هو إدراكه التام بأن الحكم الصادر ضده بُني كلياً على اعترافات انتُزعت منه قسراً تحت التعذيب والترهيب.
بلاغ كيدي واحتجاز سري
أما صالح عبدالله، وهو اسم مستعار لصيدلي من أبناء منطقة سوبا غرب جنوب شرقي الخرطوم، فكان يقيم في مجمع العودة السكني ويسهم في توفير الدواء وإسعاف المرضى والمصابين، قبل أن تعتقله قوة تتبع للاستخبارات العسكرية في مارس 2025.
وتؤكد أسرته لـ«سودان تربيون» عدم انتمائه لأي تنظيم سياسي، مشيرة إلى أنه كان مغترباً في قطر خلال فترة ثورة ديسمبر 2018، نافية ما يتردد عن صلاته بأي تحالفات مدنية أو مشاركته في الاحتجاجات.
وخلال سيطرة الدعم السريع على المنطقة، واصل صالح تقديم الخدمات الإنسانية لسكان المجمع، شملت نقل المرضى وتوفير أدوية الأمراض المزمنة والمساعدة في مواراة الجثامين، مستفيداً في ذلك من معرفة سابقة ببعض عناصر تلك القوات من أبناء الحي نفسه.
وتفيد الأسرة بأن قوة عسكرية اقتادت صالح من منزله في 26 مارس 2025 بقيادة ضابط يقطن الحي ذاته، إثر بلاغ كيدي تقدم به أحد معارفه بسبب خلافات شخصية، متعللاً بوشاية مزعومة تسببت سابقاً في توقيف ذلك الضابط لدى الدعم السريع.
عام من الاختفاء
وعقب التوقيف، انقطعت أخبار صالح تماماً عن أسرته التي جهلت مكان احتجازه طوال عام كامل، قبل أن تبلغها إفادات غير رسمية برؤيته لمرة واحدة في معسكر العيلفون العسكري.
وفي عام 2026، فوجئت الأسرة بوجوده داخل سجن الهدى بعد صدور حكم بإعدامه في محاكمة غابت عنها علانية الإجراءات ومعايير العدالة، بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع.
انتهاكات إجرائية وغياب الأدلة
من جهته، يرى عضو المكتب التنفيذي لمحامي الطوارئ، محمد صلاح الدين، أن قضايا التعاون مع الدعم السريع تفتقر إلى الأساس القانوني السليم، في ظل المخالفات الإجرائية الجسيمة التي تصاحب عمليات القبض وتوجيه الاتهام.
ويوضح صلاح الدين لـ«سودان تربيون» أن توقيف هؤلاء الأشخاص يتسم بالتعسف، مما يجعل إجراءات القبض والبلاغات اللاحقة باطلة لعدم صدورها عن النيابة العامة ووفق المساطر الجنائية المنصوص عليها.
ويشير إلى أن عمليات الاحتجاز تنفذها خلايا أمنية تتبع لجهاز المخابرات العامة دون إشراف قضائي أو شرطي، وسط حرمان تام للمعتقلين من التواصل مع أسرهم أو محاميهم، وإخفاء أماكن احتجازهم.
ويضيف الحقوقي أن غياب الإجراء الشكلي الصحيح يقتضي قانوناً شطب الدعوى، مشيراً إلى أن أغلب القضايا المرفوعة تحت المادتين 50 و51 تشوبها عيوب جوهرية في ملفات الاستدلال والتحري.
ويؤكد صلاح الدين أن الإدانة في قضايا الإعدام تتطلب أدلة قاطعة لا تدع مجالاً للشك، مذكراً بالقاعدة الفقهية التي توجب تفسير الشك لمصلحة المتهم، في وقت تُبنى فيه غالبية الأحكام الحالية على قرائن واهية.
وينبه إلى أن الوجود الجغرافي للمدنيين داخل المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع، أو اضطرارهم للتعامل المعيشي معها، لا يمكن اعتبارهما قانوناً دليلاً على الإسناد أو التعاون الجرمي.
ويؤكد عضو هيئة محامي الطوارئ على أن فتح البلاغات يتم أحياناً بدوافع الانتقام أو تصفية الحسابات الشخصية، عادّاً تحويل هذه الملفات إلى جرائم موجهة ضد الدولة توظيفاً سياسياً للقضاء يستهدف ضبط المجال العام وترهيب المدنيين.
