الثلاثاء , 18 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

حين تنطق الشاشة بموت الأحبة.. قصة صحفي استعاد الإشارة وفقد الرفاق

مقتل عشرات المصلين في قصف جوي للدعم السريع استهدف مسجدًا بالفاشر - أرشيفية

بورتسودان 21 مارس 2026- بعد ثلاث سنوات من الصمت المطبق، حيث كانت هواتف الفاشر مجرد قطع بلاستيكية ميتة، وقف الدكتور محمد سليمان أتيم، الصحفي ورئيس تحرير صحيفة “الشارع السوداني”، أمام مكتب اتصالات في بورتسودان وهو لا يصدق أن رقمه الهاتفي عاد للعمل.

كان قلبه يخفق بعنف؛ دفع ثمن الشريحة، فتح العلبة الصغيرة، أدخلها في هاتفه القديم، انتظر لحظات ثقيلة كالجبال، ثم ظهر اسم الشبكة على الشاشة. “انفجرت باكياً”، يقول أتيم: “ثلاث سنوات من البحث عن إشارة، والآن تظهر. كنت أبكي وأنا أرى الضوء يعود إلى هاتف ظل ميتاً طوال هذه السنوات”.

انقطاع دائم

منذ 15 أبريل 2023، اليوم الذي انطلقت فيه أول رصاصة في الخرطوم، كانت هواتف الفاشر مجرد قطع بلاستيكية ميتة؛ لا إشارة، لا اتصال، لا صوت. أبراج الاتصالات إما دُمِّرت أو نُهِبت أو توقفت عن العمل. ثلاث سنوات كاملة من الصمت المطبق عاشها سكان المدينة، لم يسمعوا خلالها أصوات أحبائهم إلا في الذاكرة.

ويروي أحد الصحفيين الذين عايشوا التجربة لـ “سودان تربيون” قائلاً: “الانقطاع الأطول كان مع بداية الحرب، حيث انقطعت الاتصالات عن المدينة بالكامل لمدة 5 أيام متواصلة، قبل أن تمتد لأكثر من 3 أعوام كنا فيها معزولين تماماً عن العالم الخارجي. لم نتلقَّ أي تحذير مسبق، كانت الشبكات تُقطع فجأة مع اشتداد القصف”.

وفي تلك العزلة، كان الموت يأتي وسط الصمت؛ أطفال يقضون بالقصف، جرحى ينزفون حتى الموت، كل ذلك دون أن يعلم به العالم.

ستارلينك يدخل

وبعد ثلاثة أشهر من العزلة المطلقة، في يوليو 2023، بدأت أجهزة “ستارلينك” بالظهور في أسواق الفاشر، تُهرَّب عبر الصحراء؛ لم تكن حلاً سحرياً، لكنها كانت بصيص أمل.

يشرح أحد الصحفيين لـ “سودان تربيون”: “اعتمدنا على أجهزة ستارلينك التي يتم استيرادها عبر ليبيا وتشاد، لكن شراء الجهاز مكلف جداً (حوالي 3 ملايين جنيه)، وكثير منا لا يملكه، بل نشتري وقتاً من المقاهي أو المستثمرين .. الاشتراك الشهري يبدأ من 160 دولاراً، وهو مبلغ كبير في ظل الظروف الاقتصادية”.

ويضيف: “الإشارة ليست مستقرة دائماً، خاصة أثناء العواصف أو القصف، ونعيش في قلق دائم من أن تقوم الجهات المسلحة بمصادرة الأجهزة… نستخدمها بحذر شديد، خوفاً من الاختراق أو المراقبة”.

تكاليف نفسية

ولم يكن انقطاع الاتصالات مجرد عطل تقني، بل تحول إلى مأساة إنسانية، يروي أحد الصحفيين تفاصيل مؤلمة: “طفل يبلغ من العمر 9 سنوات أصيب بشظايا في عنقه عندما قُصف منزله؛ للأسف، لا يوجد أطباء ولا رعاية صحية، أشاهده يتألم يومياً ولا أستطيع فعل شيء. الضغط النفسي كان كبيراً لدرجة أن أحد أفراد الأسرة حاول الانتحار بسبب اليأس والعزلة”.

ويضيف: “فقدان التواصل مع العائلة يقتلنا؛ لا تعلم إن كان أهلك في المناطق الأخرى لا يزالون على قيد الحياة. العزلة العاطفية في زحام المخيم قد تكون أقسى من العزلة الجسدية”.

أما أتيم، فيصف مشهداً لا يقل قسوة: “الأطفال هنا لا يعانون فقط من الجوع، بل من انهيار نفسي هائل… الانعزال عن العالم الخارجي، وفقدان التواصل مع أي أمل، يجعل الطفل يُقتل مرتين: مرة بالجوع، ومرة بالصمت”.

رحلة الموت

وعندما سقطت الفاشر في 26 أكتوبر 2025، لم يعد أمام آلاف المدنيين خيار، فبدأت رحلة العبور الأكثر خطورة في العالم: من الفاشر إلى طويلة، حيث نقاط التفتيش والابتزاز، ثم إلى تشاد، فأديس أبابا، وصولاً إلى بورتسودان.

ويواصل أتيم وصف الرحلة: “الطريق كان مليئاً بالجثث التي غمرتها الرمال. نقاط تفتيش عديدة، دفعنا إتاوات، واصلنا السير نحو زالنجي، فالجنينة، حتى وصلنا الحدود التشادية”.

شريحة الحياة

وعند وصوله إلى بورتسودان، كان أول ما فعله أتيم هو البحث عن مكتب اتصالات. يتذكر تلك اللحظة بتفاصيلها: “دخلت المكتب، كان مزدحماً، تقدمت إلى الموظف وقلت: شريحة واحدة. نظر إليّ، ربما رأى في عينيّ شيئاً غريباً، ربما رأى الفاشر في عينيّ”.

أدخل الشريحة في هاتفه القديم، انتظر لحظات، ثم ظهر اسم الشبكة على الشاشة. “انفجرت باكياً. ثلاث سنوات من البحث عن إشارة، والآن تظهر. كنت أبكي وأنا أرى الضوء يعود إلى هاتف ظل ميتاً طوال هذه السنوات”.

وابل رقمي

ما إن اتصلت الخدمة، حتى اهتز الهاتف بعشرات الرسائل؛ مئات الرسائل المتراكمة على مدار ثلاث سنوات. بعضها من زملاء يسألون: “هل أنت حي؟”، وبعضها ينقل أخبار استشهاد آخرين.

يصف أحد الصحفيين هذه اللحظة: “آلاف الرسائل المتراكمة، أخبار متضاربة، محاولة اللحاق بكل ما فات.. شعور مختلط بين الارتياح والإرهاق. في كثير من الأحيان، نكتشف أنباءً عن فقدان أصدقاء أو زملاء خلال فترة الانقطاع، ولم نتمكن من مساعدتهم أو حتى وداعهم”.

ويتذكر أتيم: “فتحت نافذة الرسائل.. أول رسالة كانت من صديق: ‘محمد استشهد منذ عامين’. جمدت مكاني. زميلي الذي كان يجلس بجواري في كرسي جامعة النيلين، رحل منذ عامين ولم أكن أعلم. الإشارة عادت لتحمل لي خبر رحيله متأخراً. ثلاث سنوات من الرسائل المتراكمة، ثلاث سنوات من الأخبار، من الأفراح، من الأحزان؛ كلها وصلتني في لحظة واحدة. كان الشعور كأن الزمن نفسه انفجر في وجهي”.

هوية جديدة

ولكن أتيم لم يكتفِ بالشريحة؛ ففي بورتسودان تمكن أيضاً من استخراج وثائقه الرسمية في خطوة مهمة، بعد أن أعادت الإدارة العامة للسجل المدني تشغيل مكاتبها في المناطق الآمنة.

“عندما حملت بطاقتي القومية بين يدي، شعرت أنني استعدت جزءاً مني. في الفاشر كنا بلا هوية، مجرد أرقام في خيام النزوح. هنا استعدت اسمي، تاريخي، وجودي القانوني. كان شعوراً غريباً أن تكون موجوداً رسمياً بعد أن كنت مجرد ظل”.

صمت العالم

في الوقت الذي يعاني فيه سكان دارفور من انقطاع الاتصالات، يبقى العالم صامتاً. يقول أتيم بمرارة: “كانوا يعتقدون أن المشكلة هي انقطاع الإنترنت.. الآن أدركت أن المشكلة أعمق.. الإنترنت عاد بالنسبة لي، لكن العالم لم يعد.. لا أحد يقرأ الرسائل، لا أحد يستجيب. نحن نصرخ، لكن لا أحد يسمع”.

ويضيف الصحفي: “للأسف، الوصول إلى الجمهور العالمي يظل شبه مستحيل.. معاناة دارفور تصل إلى العالم متأخرة إن وصلت أصلاً، مما يؤثر بشكل كارثي على سرعة الاستجابة الإنسانية ويجعلنا نشعر أننا نصرخ في فراغ”.

دافع الاستمرار

ورغم كل هذه المعاناة، يتساءل المرء: ما الذي يدفع الصحفيين للاستمرار؟ يجيب أحدهم: “أستمر لأن آلاف العائلات النازحة تموت بصمت، ولا أحد ينقل معاناتهم سوانا. ما يحدث في دارفور جرائم حرب يجب ألا تُنسى. تقاريرنا قد تنقذ روحاً واحدة على الأقل.. أستمر في التغطية تكريماً لزملائي الشهداء، ولأخبر ابني الجريح يوماً أنني حاولت أن أجعل العالم يرانا… الصمت ليس خياراً”.

وفي بورتسودان، يقف أتيم على شاطئ البحر الأحمر، هاتفه في يده، الإشارة ممتلئة، البطارية كاملة.. لكنه لا يزال يشعر بالعجز. يمسح دمعة قبل أن تختفي في رمال الشاطئ، يفتح هاتفه، يقرأ آخر استغاثة من الفاشر.. ويعاود الكتابة.

يتذكر تلك اللحظة الأولى في بورتسودان؛ لحظة ظهور الإشارة على الشاشة. كان يعتقد أنها بداية الخلاص، والآن يدرك أنها كانت بداية اكتشاف أن الخلاص الحقيقي هو أن يسمعك العالم، لا أن تسمع أنت فقط.

يسأل نفسه سؤالاً لا يجد له جواباً: “كم طفلاً آخر سيموت بصمت في دارفور قبل أن يقرر العالم أن يسمع؟ وكم من شريحة أخرى سأشتري لأخبرهم أن لا أحد يستمع؟”