العودة إلى «صفر» الحياة في الخرطوم… مغامرةٌ في مواجهة الحطام والغلاء
الخرطوم 11 مارس 2026 – ليست العودة “الخجولة” للنازحين واللاجئين إلى الخرطوم مؤشراً على التعافي، بل هي “عودة اليائسين” الذين استنزفت الغربة مدخراتهم، ليصطدموا بواقع اقتصادي مشلول، وممتلكات منهوبة، وغياب تام للخدمات الحكومية؛ مما يجعل بقاءهم على قيد الحياة معتمداً كلياً على “التكايا” التي تتهاوى بدورها.
ورغم الدعوات الحكومية المكثفة للرجوع والتحفيزات المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي، اصطدم أغلب العائدين بواقع مغاير.
وتشير التقارير إلى فقدان أكثر من 60% من سكان العاصمة لوظائفهم ومدخراتهم.
ويقول الموظف عمر عبد الحي إنه اضطر للعمل في مهن هامشية طوال فترة النزوح، وبعد عودته إلى الخرطوم في يناير الفائت واجه وضعاً صعباً بسبب توقف الأعمال.
في المقابل، يرى ناصر عبد الله (صاحب متجر في حي الصحافة) أن العودة دون ترتيبات مسبقة تضع المرء في موقف حرج؛
ويقول لـ “سودان تربيون” أنه فقد متجره إبان اندلاع الحرب، وعاد ليجده فارغاً ومحطماً، في ظل مطالبات صاحب العقار بسداد متأخرات الإيجار.
ولازالت غالب أحياء الخرطوم الرئيسية وبينها جبرة ،العمارات، الخرطوم (2)،الطائف خالية من السكان الذين غادروها ابان اشتداد المعارك بين الجيش والدعم السريع، فيما تشهد أحياء اخرى في الخرطوم بحري عودة نسبية للسكان ،لكن الشكاوى من تفشى الأمراض وارتفاع الأسعار تظل السمة الأبرز التي تهدد هذه العودة وقد تضطر ببعضهم للتفكير في هجرة عكسية.
ندوب معنوية
وفي حديثها لـ “سودان تربيون”، تشير اختصاصية الطب النفسي والاجتماعي د. لمياء أحمد حمد إلى آثار الصدمة النفسية لدى العائدين الذين وجدوا منازلهم “هياكل خاوية”. وأوضحت أن الكثيرين يعانون من آثار نفسية عميقة نتيجة التدمير الممنهج لمساكنهم وفقدان كل شيء، وهو ما يعرف بمتلازمة الارتباط المكاني (أو النفسي).
ولفتت لمياء إلى أن خسارة الممتلكات الشخصية لا تكمن في القيمة المادية فحسب، بل في القيمة المعنوية وما تحمله من تاريخ وذكريات. ودعت الجهات المختصة لوضع خطط طارئة لمواجهة هذه الآثار وعدم الاستهانة بها، نظراً لتأثيرها العميق على مجتمع رحل تاركاً خلفه تاريخاً ليجده محطماً بالكامل.
اقتصاد المحرقة
يؤكد أستاذ العلوم الاقتصادية بالجامعات السودانية، محمد سليمان محمد، أن أكبر هواجس العودة تتمثل في تكلفة المعيشة، مشيراً إلى أن الغلاء الطاحن في الخرطوم حوّل أسراً مقتدرة إلى “متسولة للقمة العيش”.
وينوه إلى أن ارتفاع سعر الصرف إلى نحو 3700 جنيه مقابل الدولار الواحد جعل من الصعب مواجهة المتطلبات اليومية، إذ قدّر حجم الإنفاق الضروري للأسرة الواحدة بنحو 30 ألف جنيه يومياً، أي ما يعادل 900 ألف جنيه شهرياً كحد أدنى.
وانتقد سليمان تصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم الأخيرة، التي ذكر فيها أن الحكومة لن توفي بأي تعويضات أو مساهمات لإعمار المنازل، معتبراً أن واجب الحكومة هو التكفل بالأضرار التي خلفتها الحرب، متسائلاً : “كيف يتحدث الوزير عن ذلك وهو رئيس لحركة مسلحة تنال نصيباً من الدخل القومي تحت بنود مختلفة؟”.
ودعا في السياق ذاته إلى تطبيق إعفاء جمركي كامل للمواطنين لإعادة بناء منازلهم وتوفير احتياجاتهم التقنية مثل الإنترنت.
ويرى سليمان أن فجوة الإغاثة الهائلة تسببت في أوضاع كارثية للعائدين، خاصة مع توقف معظم “التكايا” لأسباب اقتصادية أو أمنية، مطالباً الحكومة بإزالة القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية.
كما انتقد بناء الحكومة لرؤيتها تجاه التعويضات على “نظرة بالعين المجردة” للشوارع دون دراسات حقيقية، والادعاء بأن الأوضاع ملائمة للعودة.
وأوضح أن الغذاء والمشروبات يستهلكان 52.89% من دخل الفرد، بينما يستهلك السكن والخدمات 14.17%، والنقل 8.34%، والصحة والتعليم 7%؛ مما يعني أن الفجوة المالية للفرد تصل إلى 17%، ما يدفع بالفرد إلى ما تحت خط الفقر المباشر عند أي زيادة طارئة في الأسعار. واعتبر أن هذه المؤشرات الغائبة عن الحكومة تجعل من “المثير للسخرية دعوة السكان للعودة دون غطاء اقتصادي واضح”.
الفئات الهشة
تُعد فئة الأرامل وكبار السن من العائدين للخرطوم الأكثر اعتماداً على “التكايا”، وهم يواجهون خطر الجوع المباشر بعد توقف أغلب المطابخ الخيرية.
وأكد عضو غرف الطوارئ، أحمد بشير عبد المجيد، لـ “سودان تربيون” أن أغلب العائدين هم من الفئات الضعيفة التي واجهت ظروفاً قاسية أثناء النزوح، مبيناً أن العودة تتركز حالياً في مناطق أمبدة، صالحة، الثورات، ومدينة النيل بأم درمان وبحري، مع وجود عودة ملحوظة في الخرطوم وشمال بحري، بينما تظل مناطق بحري القديمة، أم درمان القديمة، ووسط وشرق الخرطوم هي الأقل إقبالاً.
إرث الدمار
وتشير تقارير خبراء في مجال البيئة والحد من الكوارث إلى وضع بيئي كارثي في الخرطوم بسبب الحرب. ويعتقد الخبراء أن توزيع الأراضي القديم، والطرق المنهارة، وعدم وجود شبكات صرف صحي، وانعدام التوزيع الحديث للكهرباء والمياه، والاعتماد على الآبار؛ كلها عوامل سابقة جعلت الخرطوم عاصمة غير حديثة ولا تقبل التطوير، خاصة بعد آثار الدمار الهائل الذي خلفته الحرب.
