بعثة تحقيق: «الدعم السريع» ارتكبت جريمة إبادة جماعية في «الفاشر»
جنيف 19 فبراير 2026 – قالت بعثة تقصي الحقائق المستقلة، الخميس، إن قوات الدعم السريع ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية في الفاشر بولاية شمال دارفور غربي السودان، وسط مطالبات بمحاسبة الجناة على جميع المستويات القيادية.
وفي 14 نوفمبر 2025، طلب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من بعثة تقصي الحقائق التي أنشأها في 11 أكتوبر 2023 إجراء تحقيق عاجل حول الانتهاكات التي ارتكبت في الفاشر بعد سيطرة الدعم السريع عليها مع تحديد هوية المسؤولين.
وقالت البعثة، في تقرير عنون بـ”مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر”، إن الدعم السريع “نفّذت حملة تدمير منسّقة ضد مجتمعات غير عربية في الفاشر والمناطق المحيطة بها، تشير إلى وقوع إبادة جماعية”.
وأضافت: “بينما وثّقت البعثة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فقد أثبتت أدلة عن ارتكاب ما لا يقل عن ثلاثة من الأفعال المادية المكوّنة لجريمة الإبادة الجماعية”.
وأشارت إلى أن هذه الأفعال تشمل قتل أفراد من جماعة إثنية محمية؛ وإلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بهم؛ وإخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يُراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.
وأفاد التقرير، الذي سُلّم إلى مجلس حقوق الإنسان، بأن تنفيذ حملة السيطرة على الفاشر خُطط لها بعناية، حيث سبقها حصار دام 18 شهرًا، أدى إلى إضعاف السكان من خلال التجويع والحرمان والصدمات النفسية والاحتجاز بقصد إهلاكهم.
وأوضح أن هذا الوضع جعل سكان المدينة منهكين جسديًا، ويعانون من سوء تغذية، وغير قادرين جميعهم على الفرار، مما تركهم بلا أي قدرة دفاعية في مواجهة العنف المفرط القادم، حيث قُتل الآلاف، خاصة من قبيلة الزغاوة، علاوة على التعرّض للاغتصاب أو الاختفاء خلال ثلاثة أيام من الرعب المطلق.
واضطر سكان الفاشر إلى تناول علف الحيوانات وجلود الأبقار من أجل البقاء على قيد الحياة، بعد انعدام الغذاء في المدينة جراء الحصار الذي بدأ في أبريل 2024 وأعقبه شن هجمات متواصلة دُمّرت خلالها مصادر المياه والأسواق والمرافق الصحية.
وبلغ العنف ذروته بعد سيطرة الدعم السريع على المدينة في 26 أكتوبر 2026، حيث نفذت عمليات قتل جماعي وجرائم عنف جنسي، وثّقها مقاتلو القوات في مقاطع فيديو نشروها علنًا.
طلبات بالمحاسبة
ووَثّق التقرير ما وصفه بنمط سلوك موجّه تحديدًا ضد جماعات إثنية محمية، بما في ذلك عمليات قتل جماعي، واغتصاب، وعنف جنسي، وتعذيب ومعاملة قاسية، واحتجاز تعسفي، وابتزاز، واختفاء قسري على نطاق واسع، أثناء عملية السيطرة على الفاشر.
وشدد على أن هذه الأفعال “لم تكن عَرَضية في سياق الأعمال العدائية، بل ارتُكبت بأسلوب وفي سياق يُظهر نية تدمير الجماعات المستهدفة”.
وأفاد بأن البعثة ترى أن خطر ارتكاب المزيد من أعمال الإبادة الجماعية لا يزال جسيمًا وقائمًا في ظل غياب تدابير فعّالة للردع والمساءلة.
وقال رئيس بعثة تقصي الحقائق محمد شاندي عثمان إن حجم العملية وتأييدها من كبار قادة الدعم السريع يثبت أن الجرائم المرتكبة في الفاشر والمناطق المحيطة بها ليست تجاوزات عشوائية، وإنما جزء من عملية مخططة ومنظَّمة، تحمل دلالات الإبادة الجماعية.
وتابع: “يجب محاسبة الجناة في جميع المستويات القيادية. وحيثما تُشير الأدلة إلى وقوع إبادة جماعية، تتعاظم مسؤولية المجتمع الدولي في منعها وحماية المتضررين وضمان تحقيق العدالة”.
بدورها، ذكرت عضو البعثة منى رشماوي أن الأدلة التي جمعها التقرير، بما في ذلك الحصار والتجويع وعمليات القتل الجماعي والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري والإذلال المنهجي، تفضي إلى استنتاج بأن الدعم السريع تصرّفت بقصد تدمير مجتمعات الزغاوة والفور في الفاشر، بشكل كلي أو جزئي.
سرية تحديد المسؤولين
وقالت البعثة إنها حدّدت أشخاصًا موضع اهتمام فيما يتعلق بارتكاب انتهاكات وجرائم دولية ذات صلة في الفاشر وما حولها.
وأفادت بأنها تعمل على إعداد ملفات سرية، آخذة في الاعتبار جميع أشكال المسؤولية الممكنة، بما في ذلك مسؤولية القيادة، بغرض مشاركتها مع الجهات القضائية وغيرها، سعيًا لتحقيق المساءلة الجنائية الفردية وضمان وصول الضحايا إلى العدالة.
وأجرت البعثة مقابلات مع 320 شاهدًا وضحية من الفاشر والمناطق المحيطة، ومشاورات مع ناجين، كما أرسلت بعثات تحقيق إلى تشاد وجنوب السودان، وأجرت مقابلات إضافية مع ناجي الفاشر في سياق تحقيقاتها.
وأوضح التقرير بأن البعثة جمعت أدلة غير شهادية ومعلومات، تشمل نحو 40 تقريرًا علنيًا ومواد ذات صلة، إضافة إلى التحقق من 25 مقطع فيديو.
وشكت من عدم تعاون السودان مع البعثة، حيث أرسلت مذكرة شفوية إلى الحكومة تطلب زيارة الفاشر إلى جانب مشاركة مسودة التقرير النهائية، دون أن تتلقى أي رد.
وقالت إنها أرسلت رسالة إلى الدعم السريع تطلب لقاء قيادتها مع إرفاق قائمة بأسئلة تتعلق بسيطرتها على الفاشر، دون أن تتلقَّ أي رد.
وفي 13 فبراير الحالي، قال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنه وثق قتل الدعم السريع أكثر من 6000 شخص في الأيام الثلاثة الأولى للهجوم على الفاشر، إضافة إلى 4400 فرد بعد ذلك، كما قُتل 1600 آخرون في الطرق أثناء فرارهم من المدينة.
نماذج من جرائم الفاشر
وقالت البعثة إنها وثّقت نمطًا واسع النطاق من الاحتجاز والاختفاء القسري للمدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال على يد الدعم السريع، خاصة عند السواتر الترابية ونقاط التفتيش وعلى طول طرق الفرار.
وأفادت بأن الجناة كانوا يسلبون ممتلكات الضحايا ويحتجزونهم في مركبات أو حاويات شحن أو نقاط تفتيش مؤقتة أو أماكن احتجاز، غالبًا في انتظار دفع فدية.
وأضافت: “لم تُستثنَ النساء. ففي إحدى الحوادث الموثقة، احتجزت قوات الدعم السريع أربع نساء وربطنهن بعربة وجررنها خلف مركبة لمسافة نحو كيلومتر واحد، ما أدى إلى وفاتهن”.
وأوضح التقرير أن الدعم السريع أخضعت المحتجزين والمدنيين لإذلال شديد وإيذاء جسدي، حيث وصف أحد المحتجزين في زنزانة للشرطة قيام الحراس بإلقاء الطعام على الأرض، والتبول على المحتجزين، ومناداتهم بـ”الكلاب”.
وذكر أن الدعم السريع حوّلت مستشفى الأطفال السابق في الفاشر إلى مركز احتجاز وموقع إعدام، حيث أفاد ناجون باحتجازهم هناك لفترات مطولة، وتعرضهم للضرب المنهجي والألفاظ الإثنية المهينة، وإجبارهم على شرب مياه ملوثة، ما أدى إلى انتشار الأمراض ووقوع وفيات أثناء الاحتجاز.
وقال التقرير – نقلًا عن ناجين – إنهم سمعوا إطلاق نار جماعي في 27 أكتوبر 2025، قبل أن يجبرهم الدعم السريع على دفن عشرات الجثث.
وأظهرت صور أقمار صناعية حللها مختبر الشؤون الإنسانية التابع لجامعة ييل الأميركية بين 1 و3 نوفمبر أجسامًا تتسق مع جثث بشرية وأرضًا حديثة الاضطراب شرق مستشفى الأطفال، بما يتماشى مع التخلص الجماعي من الجثث عقب عمليات قتل.
