«صغار الفاشر».. رحلة نزوح من جحيم الرصاص إلى عراء اليتم
طويلة 23 يناير 2026 – تقف إكرام محمد فضل (8 سنوات) شاهدةً على مأساة جيل كامل؛ فهي واحدة من بين نحو الفي طفل انفصلوا عن ذويهم قسرياً عقب استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور في 26 أكتوبر 2025.
وصلت إكرام إلى محلية “طويلة” سيراً على الأقدام في أواخر شهر نوفمبر، بعد أن تركت خلفها أجساداً أحبتها دُفنت مخضبة بدمائها في تراب الفاشر، حيث قُتل والداها في حملة عنف عرقية حصدت أرواح الآلاف.
وتقيم الطفلة حالياً مع خالتها، حاملةً ندوب رحلة نجاة لم يكن ينبغي لصغيرة مثلها أن تخوضها وحدها.
وشهدت مناطق “طويلة” غربي الفاشر، ومدينة “الدبة” بالولاية الشمالية، تدفق مئات الأطفال الفارين من جحيم الاقتتال؛ كثيرون منهم شاهدوا ذويهم يُقتلون أمام أعينهم، بينما تاه آخرون وسط أمواج الفوضى والذعر التي اجتاحت المدينة في ساعاتها الأخيرة.
محطات الوجع
تحوّلت “طويلة” و”الدبة” إلى محطات لوجع الصغار الذين صاروا فجأة شهوداً وضحايا، بعد فقدان ذويهم برصاص القناصة، أو القصف المدفعي، أو الطائرات المسيرة التي تعقبتهم في المنازل ومراكز الإيواء والأسواق.
تقول حسنية أبكر آدم، خالة إكرام، لـ “سودان تربيون”: “نزحنا من الفاشر بعد أن توفي والد إكرام متأثراً بإصابته برايش دانة، وبعد أربعين يوماً قُتلت شقيقتي (والدة الطفلة)، ليصل الأطفال إلينا في طويلة سيراً على الأقدام بعد أهوال شيبت الولدان”.
وتضيف بحسرة: “هم أربعة أشقاء يقيمون معي الآن، وأنا المسؤول الوحيد عنهم في ظل غياب تام لأي دعم من الجهات الرسمية أو المنظمات”.
مأساة أخرى ترويها النازحة عزيزة محمد سالم، التي تعول طفلاً يبلغ من العمر 3 سنوات فقد والديه أثناء سقوط المدينة، فاحتملته معها في رحلة السير الشاقة رغم أنها تعمل في مهن هامشية “رزق اليوم باليوم”.
أما “إكرام عبد الله محمد”، فقد وجدت طفلاً يبلغ من العمر 3 سنوات تائهاً في الطريق، فاصطحبته مع اثنين من أشقائه (7 و9 سنوات) لتعولهم جميعاً، رغم أنها فقدت معظم أفراد أسرتها برصاص الدعم السريع أثناء حصار الفاشر الطويل.
وفي زاوية أخرى من المخيم، تعيش الطفلة “حسنة بخاري” (11 عاماً) صدمة مقتل والديها أمام عينيها في الطريق، وتقيم الآن مع عمتها التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
أطفال الطريق
تروي رذاذ عبد الرحمن، التي تنقلت بين أحياء الفاشر تحت القذائف قبل أن تفر إلى “طويلة”، أنها وجدت في طريق نزوحها خمسة أطفال (تتراوح أعمارهم بين 4 و10 سنوات) قُتل أبواهم، فقررت اصطحابهم معها.
تقول: “أخرج في الصباح الباكر لبيع المشروبات الساخنة في السوق، وما أجنيه بالكاد يفي بوجبة واحدة، إنهم بلا دعم طبي أو غذائي”.
أما الطفل ممدوح عبد الرحمن (10 سنوات)، فيقيم في معسكر “رواندا” بطويلة مع خالته وأشقائه الأربعة، تائهاً في تساؤلاته عن مصير والدته التي فقد أثرها في زحام الهرب من الفاشر ولم يجد لها خبراً حتى الآن.
“قنبلة موقوتة“
تحذر نجلاء عبد المحمود، الخبيرة في العلوم الاجتماعية والنفسية، من خطورة الوضع في “طويلة” بعد وصول نحو 800 طفل منفصل عن ذويه، واصفةً الوضع بـ “حالة طوارئ إنسانية مركبة”.
وتؤكد عبد المحمود لـ “سودان تربيون” أن هؤلاء الصغار يواجهون فقداً متعدد الأبعاد (الأسرة، المسكن، الأمان)، مما يجعلهم عرضة لاضطراب ما بعد الصدمة، ومخاطر الاستغلال الجنسي، أو التجنيد القسري، فضلاً عن سوء التغذية. وشددت على أن “الاستثمار في تعافي هؤلاء الأطفال هو استثمار في مستقبل دارفور المستقر، وإهمالهم سيقود لتوترات اجتماعية طويلة الأمد”.
إحصائيات صادمة
يوثق المجلس القومي لرعاية الطفولة (حكومي) نحو 2000 حالة انفصال قسري لأطفال وصلوا إلى “طويلة”. وكشف الأمين العام للمجلس، عبد القادر أبو، عن انتهاكات جسيمة شملت الزواج القسري والاعتداءات الجنسية التي طالت نحو 500 طفلة، مؤكداً أن هذه الممارسات تمثل خرقاً صارخاً لاتفاقية حقوق الطفل الدولية.
من جانبها، أشارت “لنا عوض سبيل”، مسؤولة الإعلام بوزارة الصحة بشمال دارفور، إلى أن التقديرات الميدانية تسجل وصول ما بين 450 و800 طفل منفصل إلى “طويلة”، بينما وصل أكثر من 200 طفل إلى معسكر “العفاض” بمنطقة الدبة بالولاية الشمالية بعد رحلة صحراوية قاسية.
وأوضحت سبيل أن الأطفال وصلوا في حالة هزال شديد مع تفشي أمراض الكوليرا والملاريا بينهم، في ظل غياب شبه تام للخدمات الحكومية المركزية، مما جعل العبء الأكبر يقع على غرف الطوارئ والمتطوعين المحليين، بجانب جهود محدودة لمنظمات مثل (اليونيسف) و(إنقاذ الطفولة) و(الصليب الأحمر) في محاولات لمّ الشمل والدعم النفسي.
