الأحد , 14 يونيو - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

«فن الصفقة» في مواجهة سد النهضة.. هل يكسر ترمب جمود السنوات؟

افتتاح تاريخي لسد النهضة الاثيوبي - الثلاثاء 9 سبتمبر 2025

أديس أبابا 20 يناير 2026 – يبرز ملف سد النهضة كأحد أكثر الاختبارات تعقيداً لسياسة “فن الصفقة”؛ فبينما تصر إثيوبيا على أن السد بات حقيقة واقعة وسيادية، وتمسك مصر بحقها التاريخي كقضية وجود، يقف السودان في منطقة الوسط القلقة، لتأتي من جديد الوساطة الأميركية كمحاولةً لكسر الجمود الذي استمر لسنوات.

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، افتتح رسمياً في التاسع من سبتمبر الماضي سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي بدأ تشييده عام 2011 وسط خلافات مستمرة مع السودان ومصر.

وفي المقابل، أعلن الرئيس دونالد ترمب استعداده لإعادة إطلاق الوساطة لحل نزاع “تقاسم مياه النيل” مرة واحدة وإلى الأبد، موجهاً خطاباً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 16 يناير الحالي، أكد فيه عزمه قيادة وساطة لحل الأزمة.

ويرى مراقبون أن الوساطة تأتي في توقيت شديد الحساسية؛ حيث أتمت إثيوبيا بناء السد وبدأت تشغيله الكامل، بينما لا تزال القاهرة والخرطوم تطالبان باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، خاصة في سنوات الجفاف.

 

حيثيات فاشلة

وفي تصريح لـ “سودان تربيون”، قال د. أحمد المفتي، عضو وفد السودان لمياه النيل ومستشاره القانوني (1994 – 2012)، إن إعلان ترامب الأخير بالتدخل لإقناع إثيوبيا بإبرام اتفاق عادل يحقق مصالح السودان ليس المرة الأولى التي تتوسط فيها واشنطن، مسترجعاً جولة المفاوضات الثلاثية السابقة التي رعتها الولايات المتحدة.

واعتبر المفتي أنه وفق المعطيات الحالية، فإن مبادرة ترامب لا تملك فرصاً كبيرة للنجاح؛ نظراً لرفض إثيوبيا السابق للمقترح الأميركي، وتمسكها بموقفها المعلن منذ 2011 بحق التصرف المنفرد في المياه باعتبار “النيل الأزرق” مياهاً إثيوبية والسد مشروعاً وطنياً تم تمويله محلياً وأصبح الآن واقعاً قيد التشغيل.

ويرى المفتي أن الحل يكمن في اتخاذ موقف قوي من السودان ومصر يجبر إثيوبيا على التفاوض، مثل المطالبة بالأرض التي يقام عليها السد، باعتبارها أرضاً سودانية مُنحت لإثيوبيا عام 1902 بشرط عدم إقامة منشآت مائية عليها إلا بإخطار السودان، وهو ما لم يحدث. وأضاف أن هذا الموقف قد يجبر مجلس الأمن على التدخل بموجب الفصل السابع، مقترحاً أن يكون الحل العملي عبر “إدارة مشتركة” للسد لمصلحة الدول الثلاث، دون منح إثيوبيا معاملة تفضيلية لمجرد تشييدها للسد.

طرح مقبول

من جانبه، يرى الأكاديمي والخبير الإثيوبي، سلمون جلتا يوهانس، أن طرح ترامب يرتكز على معادلة تضمن تدفق “كميات مياه متوقعة” لمصر والسودان في سنوات الجفاف، مقابل تمكين إثيوبيا من تعظيم إنتاج الطاقة وتصديرها.

ويعتقد يوهانس أن هذا الطرح يتماشى مع الرؤية الإثيوبية التي ترفض “الحصص الرقمية الثابتة” أو “الاتفاقات الملزمة” التي تمس سيادتها، حيث استُخدم مصطلح “كميات متوقعة” بدلاً من الأرقام القطعية، مما يجعل المبادرة أقرب للسقف الإثيوبي منها للمطالب المصرية.

ويفسر يوهانس الصمت الإثيوبي الرسمي تجاه الرسالة الأمريكية بأنه نابع من انعدام الثقة، خاصة بعد تجربة 2019-2020 وتصريحات ترامب السابقة التي اعتُبرت منحازة لمصر. كما يرى أن اكتمال السد وضع أديس أبابا في موقف تفاوضي أقوى، يجعلها لا تري جدوى من تقديم تنازلات قد تُفسر داخلياً كرضوخ لضغوط خارجية. ويشير إلى أن استراتيجية بلاده تهدف لإبقاء الملف تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وتجنب تدويله، مرجحاً أن تكتفي إثيوبيا بردود غير مباشرة أو السعي لإشراك شركاء دوليين كالصين لتقليل الهيمنة الأمريكية.

تدخل انتقائي

أما الخبير الاستراتيجي والمتخصص في فض النزاعات، د. إسماعيل الناير، فيصف المبادرة بأنها تطور سياسي لافت لكنها تعبر عن “تدخل انتقائي” تفرضه توازنات القوى، وليس تحولاً جذرياً في الموقف الأمريكي. وأوضح أن واشنطن تسعى لمنع انزلاق النزاع المائي إلى صراع مفتوح في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر ذات الأهمية الدولية.

وذكر الناير أن الدافع الأميركي يرتبط بمخاطر الأمن المائي المصري، وتعقيدات الوضع السوداني تحت وطأة الحرب، واحتمالات توسع النفوذ الصيني والروسي. ويرى أن السودان هو الأكثر عرضة للمخاطر الفنية في غياب اتفاق ملزم، ما يمنح الوساطة أهمية خاصة للخرطوم.

وبحسب الناير، يمتلك ترمب هوامش ضغط ناعم عبر المؤسسات المالية والدعم الاستثماري، وهو أسلوب يهدف لإدارة الأزمة بدلاً من فرض حل نهائي مكلف. وخلص إلى أن المبادرة قد لا تحقق تسوية شاملة سريعة، لكنها قد تنجح في خفض التوتر ومنع التصعيد العسكري، مما يمثل فرصة للسودان ومصر لإعادة تدويل الملف وربطه بأمن المنطقة وتكاليف تجاهل مخاوفهما.

مبادرة مهمة

وفي السياق ذاته، أشار أستاذ العلاقات الدولية، د. فتح الرحمن إبراهيم، إلى أن المبادرة تلمس نقاطاً جوهرية، منها رفض الأحادية في اتخاذ القرارات، وضمان حصص مائية في سنوات الجفاف. ونوه إلى أن أهم ملامح المبادرة هو التحذير الصارم من اللجوء للخيار العسكري، وهو خطاب حيوي في ظل التلميحات المصرية بضرب السد.

ومع ذلك، رجح إبراهيم ألا تجد المبادرة قبولاً إثيوبياً لعدم الثقة في ترمب. وبينما رحبت مصر والسودان بالمبادرة، يظل “الملف الفني” هو العقدة الحقيقية، خاصة في التفاصيل القانونية لسنوات الجفاف وفض المنازعات.

وختاماً، تتمتع وساطة ترامب بزخم كبير، لكن نجاحها يظل رهيناً بقدرته على تقديم حوافز لإثيوبيا تدفعها للتنازل عن رفضها للاتفاق الملزم، وقدرة واشنطن على لعب دور الضامن والممول لمشاريع الربط الإقليمي.