الخميس , 22 يناير - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

مع دخول حرب السودان يومها الألف …بريطانيا ترفض اتهامها بـ «ازدواجية المعايير»

البارونة تشابمان خلال زيارتها لمعبر أدري في تشاد بمايو 2025

لندن 8 يناير 2026 – وصفت البارونة تشابمان أوف دارلينجتون، وزيرة الدولة البريطانية للتنمية الدولية وشؤون أفريقيا، بلوغ الصراع في السودان يومه الألف بأنه “محطة قاتمة” من المعاناة التي لا يمكن تصورها، وتعهدت بأن المملكة المتحدة لن تغض الطرف مع تفشي المجاعة في غالب أنحاء البلاد.

وفي مقابلة حصرية مع “سودان تربيون”  سلطت البارونة تشابمان الضوء على “الفظائع التي لا توصف” التي يواجهها النساء والأطفال، وأشارت إلى أن 30 مليون شخص يحتاجون الآن إلى مساعدات منقذة للحياة.

ومع نزوح 12 مليون شخص، “أصبح السودان موقعاً لأكبر أزمة نزوح في العالم”.

ورداً على اتهامات بـ “ازدواجية المعايير” وادعاءات بأن الدول الغربية رفعت الأولوية عن السودان مقارنة بالأزمات العالمية الأخرى، كانت الوزيرة حازمة في دفاعها عن سجل المملكة المتحدة، قائلة: “ليس من شأننا الرد نيابة عن المجتمع الدولي ككل، ولكن ما سأقوله هو أن هذا ليس صحيحاً بالنسبة للمملكة المتحدة. لقد كثفنا العمل بشأن المساءلة، وجعل وزير الخارجية السودان أولوية في السياسة الخارجية لهذه الحكومة”.

وأشارت البارونة تشابمان إلى دور المملكة المتحدة بصفتها “حامل القلم” لملف السودان في الأمم المتحدة، لافتة إلى أن بريطانيا قادت أقوى قرار لمجلس الأمن حتى الآن بشأن الفاشر، مع التركيز بشكل خاص على حماية المدنيين. وقالت: “منذ بدء الصراع، عملنا على تمرير ثمانية قرارات. هذا ليس صمتاً؛ بل هو عمل ملزم”.

وعلى الصعيد الإنساني، أكدت تشابمان أن المملكة المتحدة تقدم 146 مليون جنيه إسترليني من المساعدات هذا العام، بهدف الوصول إلى أكثر من 800 ألف شخص بالغذاء والماء والرعاية الصحية.

ومع ذلك، حذرت من أنه لا يوجد قدر من المساعدات يمكنه إنهاء “مجاعة من صنع الإنسان” بينما يستمر العنف دون رادع.

وأعادت التأكيد على أن المملكة المتحدة تظل ملتزمة بنهج مزدوج يجمع بين الإغاثة والعدالة، عبر “فرض عقوبات على المتورطين في عمليات القتل الجماعي والعنف الجنسي، مع زيادة التمويل الإنساني”.

كما شددت الوزيرة على استراتيجية المملكة المتحدة لبناء القدرات المدنية ودعم وسائل الإعلام المستقلة التي تم استهدافها بشكل منهجي خلال الحرب.

وعلقت قائلة إن “عمل الصحفيين هو مفتاح الحل”، موضحة أن المملكة المتحدة تساعد المراسلين السودانيين في استخدام صور الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي لتوثيق الفظائع.

وأكدت أن “المنظمات والأفراد الشجعان الذين ندعمهم استخدموا هذا العمل لكشف الفظائع في الفاشر، وهي جرائم يجب ألا يُسمح للمسؤولين عنها بإبقائها مخفية”.

وبعيداً عن التوثيق، تدعم المملكة المتحدة الجهود المبذولة لمكافحة “المعركة الخفية” المتمثلة في التضليل الإعلامي والتلاعب الناتج عن الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت.

وأشارت البارونة تشابمان إلى أن هذا العمل الحيوي يساعد وسائل الإعلام السودانية على “رصد ومحاربة” خطاب الكراهية الذي غالباً ما يؤجج المزيد من العنف على الأرض.

وفيما يتعلق بالعملية الدبلوماسية، تضغط المملكة المتحدة من أجل هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر بقيادة الولايات المتحدة. وشددت تشابمان على الحاجة إلى “التكامل” بين مسارات الوساطة المختلفة، بما في ذلك الآلية الثلاثية (الاتحاد الأفريقي والإيغاد والأمم المتحدة) واللجنة الرباعية التي تقودها الولايات المتحدة، رغم التوترات الإقليمية المستمرة.

كما شاركت الوزيرة انطباعاتها من زيارتها لمخيمات اللاجئين في تشاد، مثل “أدري” و”قودرين”، مشيرة إلى أن دعم اللاجئين بالقرب من ديارهم أمر حيوي لمنع رحلات النزوح الإضافية المحفوفة بالمخاطر. واختتمت حديثها بالتأكيد مجدداً على أن السودان يظل في قلب السياسة الخارجية للمملكة المتحدة، واعدة بأن بريطانيا ستواصل النضال من أجل مستقبل يقوده المدنيون ومن أجل العدالة “حتى تصمت المدافع”.

قابلت الوزيرة البريطانية لاجئات سودانيات في معبر أدري

نص المقابلة

كيف ترون قيام المملكة المتحدة بدور جوهري في إنهاء الصراع بينما يبدو حالياً أنها تكتفي بدور داعم أو مراقب بدلاً من المشاركة الفعالة في آليات الوساطة الأساسية؟

لا يخطئن أحد الظن، فالسودان يمثل أولوية قصوى لهذه الحكومة ونحن نعمل على وضع حد لهذه الحرب. نحن نضغط بشكل عاجل من أجل وقف إطلاق النار، ونعمل مع دول المنطقة وندفع الأطراف المتحاربة للموافقة على الدعوة التي تقودها الولايات المتحدة لهدنة إنسانية فورية للسماح بدخول المساعدات التي تشتد الحاجة إليها.

إن السودان يستحق مستقبلاً أفضل، ونحن نعمل بلا كلل مع شركائنا حول العالم، وفي الأمم المتحدة ومن خلال تمويلنا ودبلوماسيتنا وعقوباتنا، لتحقيق ذلك. هذه هي قيادتنا.

أعربت الحكومة البريطانية عن دعمها للآلية الثلاثية (الاتحاد الأفريقي، الإيغاد، والأمم المتحدة)، ومع ذلك هناك تقاطع واضح بين هذه العملية الإقليمية واللجنة الرباعية التي تقودها الولايات المتحدة. وبالنظر إلى رفض الحكومة السودانية للرباعية بسبب مشاركة الإمارات، كيف تنوي المملكة المتحدة مزامنة هذين المسارين؟

إن إنهاء الصراع في السودان بشكل عاجل هو أولويتنا، بكل وضوح وبساطة، نحن بحاجة ماسة لأن تكون الجهود الدولية متكاملة وليست متنافسة.

إن ممارسة الدبلوماسية لإنهاء أسوأ أزمة إنسانية في هذا القرن ليست بالأمر السهل، ولن تخلو من الخلافات، لكننا نبذل كل جهد للانخراط فيها، لأن حياة الملايين من السودانيين تعتمد على ذلك.

لهذا السبب، جمعنا العالم في لندن العام الماضي للاتفاق على مسار مشترك، بحيث نركز جميعاً – رغم اختلافاتنا – على نفس النتيجة: إنهاء الحرب وضمان مستقبل يقوده المدنيون ويملكه السودانيون.

واجهت الدول الغربية انتقادات حادة بسبب ما يسميه البعض ازدواجية في المعايير؛ صمت ملحوظ تجاه جرائم الحرب الحالية في السودان مقارنة بالإدانة القوية لأعمال مماثلة ارتكبتها نفس الجهات في عام 2003. كيف تردين على اتهام المجتمع الدولي بإهمال أرواح السودانيين؟

ليس من شأننا الرد نيابة عن المجتمع الدولي ككل، ولكن ما سأقوله هو أن هذا الادعاء غير صحيح بالنسبة للمملكة المتحدة. لقد كثفنا العمل بشأن المساءلة، وجعل وزير الخارجية السودان أولوية في السياسة الخارجية لهذه الحكومة.

قادت المملكة المتحدة ومررت أقوى قرار لمجلس الأمن بشأن الفاشر، والذي ركز بشكل مباشر على حماية المدنيين وفتح الطرق الإنسانية. ومنذ بدء الصراع، عملنا على تمرير ثماني قرارات؛ هذا ليس صمتاً، بل هو عمل ملزم.

يحتاج الشعب السوداني إلى نهج يركز على الإغاثة والعدالة معاً، ولهذا السبب نفرض عقوبات على المتورطين في عمليات القتل الجماعي والعنف الجنسي، مع زيادة التمويل الإنساني.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فنحن نواصل العمل مع الشركاء كما فعلنا خلال مؤتمر لندن للسودان حيث حشدنا أكثر من 800 مليون جنيه إسترليني للسودان وأكدنا مجدداً على المبادئ الرافضة للتدخل الخارجي والسلطات الموازية.

في حين أن إعطاء الأولوية للمؤسسات الإقليمية يعد ركيزة دبلوماسية، إلا أن الاتحاد الأفريقي والإيغاد والرباعية لا يزالون في حالة استقطاب عميق بشأن السودان. هل يمكن للمملكة المتحدة تبرير نهج “عدم التدخل” تحت مسمى الحلول الإقليمية بينما يتحمل دافع الضرائب البريطاني فاتورة المساعدات وتتأثر المملكة مباشرة بتدفقات الهجرة؟

الملكية الإقليمية للحل أمر بالغ الأهمية لضمان الشرعية والوصول إلى حل مستقر طويل الأمد، وهو أولوية حكومتنا. لكن المملكة المتحدة لا تتبع نهج “عدم التدخل”؛ فقد فرضنا عقوبات على المسؤولين عن بعض أفظع أعمال العنف، وقدمنا مساعدات حيوية للمضطرين للفرار، وواصلنا الضغط من أجل الانخراط الدولي في كل المحافل الممكنة.

لهذا السبب دعونا العالم إلى لندن، مستخدمين قدرة المملكة المتحدة على الحشد وتأثيرها لضمان أن يكون هذا الملف في صدارة الاهتمام العالمي عندما استضفنا مؤتمر لندن للسودان بالاشتراك مع الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي.

إن معالجة الصراع في السودان أولوية لإنسانيتنا المشتركة وكذلك لأمننا المشترك. لذلك نقدم الدعم الإنساني للموجودين في السودان وفي دول الجوار التي لجأ إليها أكثر من 4 ملايين سوداني.

في العام الماضي، رأيت هذا الدعم بنفسي في تشاد التي توفر شريان حياة للاجئين في مخيمات عديدة مثل “أدري” و”فورشانة” و”قودرين”.

ومن خلال دعم اللاجئين بالقرب من ديارهم، فإننا نقلل من مخاطر اضطرارهم للقيام برحلات محفوفة بالمخاطر، ونحد من مخاطر وقوعهم فريسة للجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية.

في ظل التوترات المتزايدة بين السعودية والإمارات، هل تعتقدين أن مبادرة الرباعية التي تقودها أمريكا لا تزال وسيلة صالحة لتحقيق السلام؟

يجب سلك أي طريق محتمل للسلام حتى تضع هذه الحرب الأوزار. وكما تم الاتفاق عليه في مؤتمر لندن للسودان في أبريل من العام الماضي، فإن جهود السلام تحتاج إلى التنسيق والتكامل.

لقد أشاد بيان مجلس الأمن الصادر في ديسمبر بالوساطة الأميركية المكثفة عبر آلية الرباعية، مع حث جميع من لهم نفوذ على دفع الأطراف نحو هدنة إنسانية وعملية سياسية.

ذكرت وزيرة الخارجية، إيفيت كوبر، مؤخراً خططاً لبناء القدرات المدنية في السودان. هل تشمل هذه الاستراتيجية استعادة المؤسسات الإعلامية؟

نحن نعمل بشكل وثيق جداً مع المدنيين والمجتمع المدني في السودان لضمان أنه عند انتهاء هذه الحرب – وهي ستنتهي حتماً – يمكننا الانتقال إلى حكومة يقودها المدنيون تخدم الشعب السوداني.

وعمل الصحفيين هو مفتاح ذلك، حيث تساعد المملكة المتحدة الصحفيين السودانيين الشجعان والمدافعين عن حقوق الإنسان في توثيق الفظائع؛ فبدون ذلك لا يمكن تحقيق المساءلة.

نحن ندعم الصحفيين لاستخدام صور الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي للتحقق من الهجمات ضد المدنيين.

وللمساعدة في منع الفظائع، نساعد الصحفيين على محاربة التضليل والتلاعب بالذكاء الاصطناعي وخطاب الكراهية الذي يظهر في كل مكان على وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد أصدرت “مؤسسة تومسون” بدعم من المملكة المتحدة تقريراً يوضح كيف أجج التضليل الفظائع في السودان.

ومن خلال هذا العمل، نساعد الإعلام السوداني على رصد ومحاربة المعركة الخفية المستعرة في الفضاءات الرقمية.

لماذا لم يترجم نفوذكم بصفتكم “حامل القلم” في مجلس الأمن إلى تطبيق أكثر صرامة لحظر الأسلحة أو عقوبات مستهدفة ضد الجنرالات المتحاربين؟

هناك حاجة إلى عزم دولي لوقف هذه الحرب. بصفتنا حامل القلم، ضمنا التوافق عند تمرير أقوى قرار للأمم المتحدة يدين أهوال الفاشر، وعملنا مع المجلس لتجديد عقوبات دارفور وحظر الأسلحة. يجب على جميع الدول الامتثال لحظر الأسلحة، وقد ضغطنا بشدة لإنفاذه، لكن أطرافاً أخرى عرقلت المزيد من التقدم لوقف تدفقات الأسلحة الرهيبة التي تغذي هذه الحرب. إن الاتفاق الدولي صعب، لكننا لن نستسلم؛ فنحن نبني تحالفات لاتخاذ إجراءات أقوى، ونستخدم كل أداة متاحة، حيث أن حظر الأسلحة البريطاني يشمل كافة أنحاء السودان، ونحن نكثف عقوباتنا المستهدفة ضد المسؤولين عن العنف.

أمام أزمات أوكرانيا وغزة، هناك تصور بأن السودان أصبح “حرباً منسية”. ما هي الأدلة على أن السودان لا يزال يتصدر أجندة السياسة الخارجية البريطانية؟

قد يكون صحيحاً أن السودان لا يحظى بالتغطية الإخبارية التي تحظى بها صراعات أخرى، وهذا قرار يعود لوسائل الإعلام. لكن يمكنني أن أعدكم بأن المملكة المتحدة لم ولن تنسى السودان؛ فهو أولوية شخصية لي ولوزير الخارجية. انظروا إلى المساعدات؛ رغم التحديات العالمية الكبيرة، حرصنا على وصول الإمدادات الحيوية للمتضررين من الحرب بكميات كبيرة وبسرعة.

هذا العام، نقدم أكثر من 146 مليون جنيه إسترليني من المساعدات لمساعدة أكثر من 800 ألف شخص، وهذا يعني إطعام الأطفال وتوفير المأوى ومكافحة الأمراض. وقد تعهد رئيس وزرائنا بحماية هذا الدعم، لتبقى المملكة المتحدة بين كبار المانحين للسودان. لقد فرضنا عقوبات على قادة الدعم السريع ودعمنا جمع الأدلة عبر منصة “شاهد السودان” (Sudan Witness)، لنوضح للعالم أن الجميع سيحاسبون على أفعالهم.

سنبقي السودان بوضوح على الأجندة العالمية، ومن خلال الأمم المتحدة نضمن أن يدين العالم بأسره هذه الفظائع ويضغط من أجل هدنة فورية.