هل يمكن تعديل معاهدة شيكاغو لمنع استخدام الأجواء لأغراض سياسية؟
ابراهيم عدلان
منذ توقيع اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي عام 1944، شكّلت هذه المعاهدة الأساس القانوني الناظم للملاحة الجوية الدولية، واضعةً نصب عينيها هدفًا مركزيًا يتمثل في تحييد الطيران المدني عن النزاعات السياسية والعسكرية، وضمان أن تبقى الأجواء جسرًا للتواصل بين الشعوب، لا ساحةً للصراع بين الدول. غير أن الممارسة العملية خلال العقود الأخيرة كشفت عن فجوة متنامية بين روح الاتفاقية ونصوصها من جهة، وبين الواقع السياسي الدولي من جهة أخرى.
السيادة الجوية بين النص والتسييس
تنص المادة الأولى من اتفاقية شيكاغو على أن «لكل دولة سيادة كاملة ومطلقة على المجال الجوي الذي يعلو إقليمها». ورغم وجاهة هذا النص في سياقه التاريخي، فإنه أصبح اليوم المدخل القانوني الأوسع لاستخدام الأجواء كأداة ضغط سياسي، دون أن تمتلك المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO) آليات فعّالة للحد من هذا التسييس عندما لا يكون مرتبطًا بسلامة الطيران أو أمنه التشغيلي.
أمثلة واقعية على تسييس الأجواء
تجلّى هذا الخلل بوضوح في عدة حالات معاصرة:
- إغلاق الأجواء السعودية أمام الطيران القطري (2017–2021):
في سياق الأزمة الخليجية، أُغلقت مجالات جوية واسعة أمام الطيران القطري المدني، ما أدى إلى إطالة المسارات وزيادة التكاليف التشغيلية، وإعادة هندسة شبه كاملة لشبكة الخطوط الجوية القطرية، دون أن يكون الإجراء مرتبطًا مباشرة بسلامة الطيران. وقد مثّل ذلك سابقة واضحة لتسييس الأجواء في نزاع سياسي بحت. - الإجراء الفنزويلي ضد الطيران الأمريكي (2025):
إعلان فنزويلا إغلاق مجالها الجوي أمام الطيران المدني والعسكري الأمريكي جاء في إطار توتر سياسي معلن، مؤكدًا استمرار استخدام الأجواء كأداة سيادية ذات طابع سياسي، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الملاحة الجوية الدولية. - إغلاق الأجواء الأوروبية أمام الطيران الروسي منذ 2022:
في أعقاب الحرب في أوكرانيا، تحولت الأجواء إلى جزء من منظومة العقوبات المتبادلة، ما أدى إلى اضطراب واسع في حركة الطيران العالمية، وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع الانبعاثات، وتكلفة تشغيلية إضافية على شركات الطيران.
هذه الأمثلة وغيرها تؤكد أن اتفاقية شيكاغو، بصيغتها الحالية، تفتقر إلى أدوات قانونية تمنع الاستخدام السياسي للأجواء، حتى عندما لا تمسّ تلك الإجراءات جوهر السلامة الجوية.
هل يمكن تعديل الاتفاقية؟
من الناحية القانونية، فإن اتفاقية شيكاغو قابلة للتعديل وفقًا للآليات المنصوص عليها فيها، غير أن تعديل مادة جوهرية مثل المادة الأولى يظل بالغ الحساسية. إلا أن التطور التاريخي للقانون الدولي يثبت أن السيادة ليست مفهومًا جامدًا، بل قابلة لإعادة التنظيم عندما تفرض المصلحة العامة العالمية ذلك، كما حدث في قانون البحار.
مقترح المسارات الجوية الدولية داخل الأجواء الوطنية
انطلاقًا من ذلك، يبرز مقترح عملي ومتوازن يقوم على إقرار مسارات جوية دولية محددة داخل أجواء الدول الموقعة، تُدار لأغراض الملاحة الجوية كما لو كانت أجواءً دولية، دون نزع السيادة القانونية عنها. ويرتكز هذا المقترح على:
- تحديد المسارات بالتنسيق بين ICAO والدول المعنية.
- تحييد هذه المسارات عن الإغلاق أو التقييد لأسباب سياسية.
- قصر الإغلاق على حالات السلامة والطوارئ القصوى فقط.
- تمكين الدول من تحصيل رسوم عبور أعلى نسبيًا، باعتبار أن هذه المسارات تخدم المصلحة العامة العالمية وتتطلب استثمارات مستدامة.
خاتمة
إن تعديل اتفاقية شيكاغو أو تطويرها ليس ترفًا قانونيًا، بل ضرورة تفرضها التحولات الجيوسياسية الراهنة. فالأجواء ليست ملكًا للصراعات السياسية، بل مرفقًا عامًا دوليًا يخدم البشرية جمعاء. وإن تحييد المسارات الجوية الدولية، مقابل عائد اقتصادي عادل للدول، قد يكون المدخل الأكثر واقعية لحماية الطيران المدني من الابتزاز السياسي، وضمان استقرار النظام العالمي للملاحة الجوية في القرن الحادي والعشرين.
