مذكرة توأمة مع «مرسين» التركية تضع تحديث ميناء بورتسودان قيد الاختبار
بورتسودان، 25 ديسمبر 2025 – وقّعت حكومة ولاية البحر الأحمر في السودان الثلاثاء الماضي، مذكرة توأمة مع مقاطعة مرسين التركية، تهدف إلى تعزيز التعاون وتبادل الخبرات في مجالات العمل المينائي والخدمات اللوجستية، في خطوة يقول مسؤولون إنها قد تفتح الباب أمام تطوير ميناء بورتسودان، بينما يشكك خبراء في قدرتها على إحداث تغيير فعلي في ظل غياب التزامات تنفيذية واضحة.
ويُعد ميناء بورتسودان المنفذ الرئيس لصادرات وواردات السودان، غير أن نقص التمويل وعدم الاستقرار السياسي حالا دون تحديثه على مدى سنوات، رغم موقعه الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر وفي أحد الممرات الحيوية للتجارة الإقليمية والدولية.
ويحتاج الميناء إلى تعميق الأرصفة وتوسيع الساحات التشغيلية، إذ تبلغ أطوال أرصفته حاليًا نحو 1,478 مترًا، بينما تصل مساحاته التخزينية إلى قرابة 1.48 مليون متر مربع. وبالمقارنة، تمتلك الموانئ العالمية أرصفة تتجاوز ثلاث كيلومترات ومساحات أكبر تسمح بتداول أسرع للحاويات وتقليل زمن انتظار السفن.
ويقع ميناء بورتسودان على الساحل الشرقي للسودان، ويضم عدة مرافق فرعية، من بينها الميناء الجنوبي للحاويات، والميناء الشمالي المخصص لاستيراد السلع، إضافة إلى ميناء بشائر المستخدم في تصدير نفط جنوب السودان.
ويقول مختصون إن الميناء بحاجة إلى تأهيل شامل لتمكينه من استقبال السفن الضخمة ومواكبة المعايير الدولية، وسط اعتراضات سابقة من عمال الميناء، الذين ينحدر معظمهم من مجتمعات شرق السودان، خشية فقدان وظائفهم.
وجرى توقيع مذكرة التوأمة في إطار التعاون بين حكومة ولاية البحر الأحمر ومقاطعة مرسين، التي تضم أحد أكبر الموانئ التركية.
ويقع ميناء مرسين جنوب تركيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويُعد الأكبر في البلاد من حيث حجم تداول الحاويات.
وأُنشئ في خمسينيات القرن الماضي، ويتميز بقدرات عالية في مناولة السفن والشحنات، فضلًا عن كونه مركز عبور رئيسيًا لدول الشرق الأوسط.
تحديات كبيرة
وتباينت آراء خبراء الموانئ البحرية والاقتصاد والاستثمار والمصارف الذين تحدثوا لـ«سودان تربيون» بشأن ما يمكن أن تحققه المذكرة من فوائد على أرض الواقع، في ظل التحديات التي يواجهها أكبر موانئ السودان.
وقال المدير العام السابق لهيئة الموانئ البحرية، أونور محمد آدم سلطان، إن أي شراكات مع جهات تمتلك خبرة تشغيلية متقدمة يمكن أن تفيد ميناء بورتسودان، خاصة في مجالات التدريب وتبادل الخبرات.
وأشار إلى وجود خط ملاحي للحاويات بين الموانئ التركية وبورتسودان، معتبرًا أنه يشكل إضافة عملية للتعاون المعلن.
وأضاف أن العاملين في ميناء بورتسودان يحتاجون إلى برامج تأهيل متقدمة في إدارة سلاسل التوريد والتكنولوجيا البحرية، موضحًا أن الموانئ التركية تعمل وفق نظم تشغيل حديثة تتماشى مع لوائح المنظمة البحرية الدولية (IMO)، في حين لا تزال الموانئ السودانية تعتمد بدرجة كبيرة على إجراءات يدوية وأنظمة قديمة.
وتحدث سلطان عن أن الموانئ العالمية تطبق أنظمة رقمية متقدمة، من بينها أنظمة إدارة الموانئ (PMS) وتبادل البيانات الإلكترونية (EDI)، لتقليل زمن الانتظار.
وقال إن ما يُعرف بنظام «النافذة الواحدة» يتيح إنجاز جميع المعاملات الحكومية من منصة رقمية واحدة، تشمل الموانئ والجمارك والمواصفات وبنك السودان والحجر الصحي والحجر الزراعي، بما يقلص زمن بقاء البضائع في الميناء إلى ست ساعات بدلًا من أسبوع أو أسبوعين.
وأضاف أن تطبيق هذا النظام في السودان يتطلب قرارات إدارية صارمة وفترة انتقالية مزدوجة (overlap period) لضمان التحول السلس إلى التشغيل الرقمي.
اتفاق بلا التزامات
في المقابل، قال مصدر مينائي موثوق، طلب عدم ذكر اسمه، إن مذكرة التوأمة ذات طابع تعاوني وإطاري ولا تتضمن التزامات قانونية أو مالية واضحة.
وأضاف أن المذكرة ركزت على عبارات عامة تتعلق بتبادل الخبرات والتعاون الفني دون تحديد مشروعات تنفيذية أو جداول زمنية.
وأوضح أن طبيعة الوفد المرافق للتوقيع، الذي لم يضم إدارات التشغيل أو التخطيط والتنمية، تعكس محدودية الاتفاق، مشيرًا إلى أن المذكرة لم تتضمن تمويلًا ماليًا أو استثمارات مباشرة.
مركز عبور
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي هيثم محمد فتحي إن التعاون مع تركيا في قطاع النقل يمكن أن يسهم في دعم التنمية من خلال مشروعات مشتركة لتطوير الموانئ، وإنشاء خطوط سكك حديدية، وإطلاق ممرات لوجستية جديدة. وأضاف أن السودان يمكن أن يتحول إلى مركز عبور للتجارة التركية قبل وصولها إلى الأسواق الأفريقية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي.
بدوره، قال المصرفي وليد دليل إن السودان يسعى لتحويل موانئه إلى ممر ملاحي حيوي في البحر الأحمر عبر جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز التعاون الدولي، مشيرًا إلى أن الموانئ العالمية تطبق معايير صارمة للأمن البحري وحماية البيئة، في وقت لا يزال فيه ميناء بورتسودان يواجه تحديات في تأمين العمليات والحد من التلوث.
وأضاف أن ربط الموانئ السودانية بالمرافئ العالمية، وعلى رأسها ميناء مرسين، يمكن أن يعزز موقع السودان كممر بحري إقليمي، مؤكدًا أهمية الاستفادة من التجربة التركية في تحديث التشريعات البحرية وتدريب الكوادر وتعزيز تمثيل السودان في المنظمات البحرية الدولية.
ويقول مراقبون إن نجاح مذكرة التوأمة سيظل مرهونًا بقدرة السودان على تحويل التعاون المعلن إلى مشروعات تنفيذية مستدامة، في ظل تحديات اقتصادية وأمنية تعيق تطوير البنية التحتية الحيوية.
