نزع ملكية أراضي مشروع الجزيرة.. صراع الإصلاح والحقوق الخاصة
ود مدني، 23 ديسمبر 2025 – ظل مشروع الجزيرة – الذي يُعتبر أكبر مشروع زراعي مروي في السودان – مثار جدل بين الحكومات المتعاقبة وملاك الأراضي حول نزعها والتمويل والإصلاح.
وثار خلال الأيام الماضية مجدداً جدل حول المشروع بعد اقتراح يدعو لنزع ملكية أراضي الملك الحر وتحويلها إلى ملكية عامة للدولة، قدّمه رئيس الجهاز القضائي بولاية الجزيرة عبد المنعم بلة، في ورشة القوانين واللوائح المنظمة للعمل بمشروع الجزيرة.
ورغم أن الاقتراح يستند إلى دعوى الإصلاح، إلا أنه فتح الباب واسعًا أمام مزارعي المشروع والمختصين في مجالات الزراعة والتنمية فيما يمكن أن يؤول إليه حال المشروع في المستقبل بعد أن ظل يعاني لسنوات من التدهور.
وقال رئيس الجهاز القضائي بولاية الجزيرة عبد المنعم بلة، في حديثه أمام الورشة إنه يرى أن تتولى الحكومة نزع ملكية الأراضي داخل المشروع، ليصبح ملكًا للدولة، بغرض تعزيز الإصلاح وضبط النزاعات القانونية المتعلقة بالحيازة وإدارة الأراضي.
لكن مزارعون بمشروع الجزيرة تحدّثوا لـ “سودان تربيون” شددوا على أن تلك الخطوة لا يمكن أن تُطبّق في مشروع الجزيرة، خاصة وأن أراضي الملك الحر لا تستطيع أي جهة نزعها بحكم أنها ملكية خاصة.
40% ملكية حرة
يقول المزارع مرتضى عبد الله سعد لـ “سودان تربيون” إن أراضي الملك الحر بمشروع الجزيرة حق عجزت كل الحكومات المتعاقبة عن انتزاعه.
ويوضح أن نظام الرئيس المعزول عمر البشير 1989 – 2019 حاول مرارًا بيع أراضي الملك الحر بمشروع الجزيرة، بما في ذلك بيعها إلى بنك المال المتحد، لكن المحكمة ألغت أمر البيع.
واستبعد سعد حدوث أي عملية للنزع، خاصة وأن الدولة حتى حال الوصول إلى هذا القرار لا تستطيع تعويض ملاك الأراضي.
وعاب سعد على رئيس القضاء في ولاية الجزيرة اقتراح نزع الحقوق الخاصة، حيث يُفترض أن يكون محايدًا باعتباره الجهة المناط بها فض النزاعات، مشيرًا إلى أن حديثه في تلك المسألة سيخلف مشكلات عديدة في مشروع الجزيرة.
وتبلغ الأراضي التي يملكها أصحابها ملكًا حرًا حوالي 895,000 فدان من جملة أراضي المشروع البالغة 2.2 مليون فدان، بما يقارب 40% من جملة أراضي المشروع، حيث تنقسم أراضي الملك الحر هذه بين الجزيرة حوالي 513 ألف فدان والمناقل نحو 382 ألف فدان.
غير ملزم
وقال أحد قيادات المزارعين الطيب الإمام جوده لـ “سودان تربيون” بأن ما ذكره رئيس القضاء بولاية الجزيرة يمثل وجهة نظره الشخصية، وهو ليس قرارًا ملزمًا لهم كمزارعين.
وأشار إلى أنهم كمشاركين في تلك الورشة المعنية لن يرفعوا توصية تتضمن نزع ملكية أراضي الملك الحر لمسجل عام تنظيمات مهن الإنتاج الزراعي والحيواني التابع لوزارة العدل.
بدوره، أوضح الخبير في مجال قضايا التنمية ومشكلات مشروع الجزيرة خالد إبراهيم لـ “سودان تربيون” أن التوجه الخاص بنزع ملكية الأراضي بدأ عقب تحرير الجزيرة من قوات الدعم السريع وزيارة رئيس القضاء بالولاية لإدارة المشروع ببركات.
وصرّح رئيس القضاء آنذاك، في حضور محافظ المشروع، أن مسجل الأراضي التابع للجهاز القضائي بالولاية جاهز لنقل تسجيلات أراضي المشروع وتبعيتها لمسجل الأراضي.
وقال إبراهيم إنه من المعلوم أن تسجيلات أراضي المشروع لا تتبع لمسجل الأراضي، ولكنها تتبع لإدارة المساحة التابعة لإدارة المشروع.
ولفت إلى أنه لا يستبعد استمرار ما وصفها بمؤامرة قانون 2005، حيث يُحتمل أن تقود ما أطلق عليها عصابة الفساد في أراضي ولاية الجزيرة، التي أسس لها والٍ سابق بدعم من أحد النافذين وقتها في الدولة، خطط نزع الملكية الخاصة.
وأضاف: “طالما أن تصريح رئيس القضاء جاء في ورشة قوانين ولوائح المشروع، فمن المؤكد أن هناك خلطًا ربما يكون مقصودًا، نتج عن نزع الحواشات الوارد في الفصل الخامس والسادس لمسودة قانون المشروع لسنة 2021”.
وأوضح إبراهيم أن حل أزمة مشروع الجزيرة يتمثل في تفعيل لجنة ملاك أراضي المشروع أو تبني مسودة قانون المشروع لسنة 2021، للحفاظ على أراضي المشروع.
وأشار إلى أن وجود مساحات واسعة من أراضي المشروع خارج الدورة الزراعية وداخلها اقتطعتها سلطات المحليات عبر مدراء تنفيذيين فاسدين وحوّلت أغراضها لسكن وافدين، علمًا بأن تلك الأراضي لا تتبع لصلاحيات المحليات ولا لصلاحيات الولاية.
إدارة مركزية
ورفض مؤتمر الجزيرة – كيان مدني حقوقي – أي محاولة لنزع ملكية الأرض في مشروع الجزيرة وتحويلها إلى ملكية الحكومة.
وقال عضو اللجنة المركزية للمؤتمر محمد عبد الرحيم أبو رزان لـ”سودان تربيون” إن المركز المتمثل في الحكومات المتعاقبة في الخرطوم لم يفِ بالتزاماته تجاه المشروع، حيث أوقف التمويل ورفع يده عنه، ومع ذلك يتحكم في أمر المشروع بسن القوانين والتشريعات.
وأردف: “طالما أن المركز لم يعد ممولًا فليس له الحق في الإشراف أو سن القوانين وتعيين مجلس الإدارة والمحافظ”.
وأوضح أن الدعوة إلى نزع أراضي المشروع لتُسجّل باسم حكومة السودان تعني أن يكون المزارع صاحب الأرض والمالك لها (قبل قيام السودان كدولة) أجيرًا تحت إمرة آخرين يعبثون بأرضه تارة بالبيع وتارة بالهبة لحلحلة مشاكل أقوام آخرين وفدوا إلى الجزيرة من دول بعيدة عنا، ولابد من عمل على الأرض بمنع مثل هذه الترهات وإيقاف العبث بمستقبل أجيالنا في الجزيرة. – وفق تعبيره.
وارتفعت الأصوات في الفترة الأخيرة بضرورة أن يكون المشروع لأهله أبناء الجزيرة والمزارعين.
ويطالب مؤتمر الجزيرة بوجود إدارة مركزية قوية للمشروع، فضلًا عن تمويل العمليات الزراعية من الخزينة العامة، ووضع دورة زراعية منضبطة وملزمة بلا تجاوز أو تفلتات، وتطبيق الحزم التقنية المنضبطة لكل محصول، بجانب توفير كل مدخلات الإنتاج اليومي، إضافة إلى المحاولة لتغيير التركيبة المحصولية بما يتناسب مع احتياجات السوق العالمي، وليس أن يقوم كل مزارع بزراعة ما يشاء من المحصولات، علاوة على تدريب إدارات جديدة من الشباب بولاية الجزيرة لقيادة المشروع.
