السبت , 15 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

ما تداعيات خروج السودان من سوق النفط

مصفاة الخرطوم للنفط كانت مركزا لعمليات عسكرية شرسة- صورة لسودان تربيون

الخرطوم، 9 ديسمبر 2025 – لا يزال قرار شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، الخاص بفض الشراكة مع السودان في النفط قبل الموعد المقرر مثار جدل سيما في اعقاب اعلان قوات الدعم السريع الاستحواذ على حقل هجليج بولاية غرب كردفان.

وتفتح هذه التطورات الباب واسعاً امام خروج السودان من قائمة الدول المنتجة للنفط، خاصة اذا لم يستعد الجيش حقوله النفطية في غرب كردفان من يد الدعم السريع.

وفي 19 نوفمبر الماضي أرسلت شركة البترول الوطنية الصينية المملوكة للدولة خطابًا إلى وزارة الطاقة والنفط طلبت خلاله عقد اجتماع لبحث الإنهاء المبكر لأنشطة اتفاقية تقاسم الإنتاج واتفاقية خط أنابيب النفط الخام في حقل بليلة مربع (6) بسبب القوة القاهرة.

واستنطقت “سودان تربيون” خبراء في النفط والاقتصاد حول مآلات وآثار قرار الشركة الصينية إنهاء الشراكة قبل عام من انتهاء أجل الاتفاق الموقع في 1995، على صناعة البترول في السودان في الراهن والمستقبل.

ولم يُظهر وزير الطاقة والتعدين السابق عادل علي إبراهيم تفاؤلًا حيال مستقبل إنتاج النفط في ظل استمرار النزاع، لكنه أوضح أن قطاع البترول يحتاج إلى إعادة تقييم شاملة لكل حقول وآبار النفط.

وقال إبراهيم  لسودان تربيون إن الحكومة تستطيع أن تقرر، بعد التقييم، الحاجة إلى شركاء أجانب من عدمها، مشيرًا إلى أن السودان يمتلك كوادر مؤهلة بما في ذلك المهندسون والجيولوجيون والإداريون والفنيون، يمكن تشغيلهم في كل الحقول الموجودة والعمل على اكتشاف المزيد.

وشدد على أن قطاع النفط في السودان انهار، حيث توقفت مصفاة الخرطوم ومصفاة الأبيض، إضافة إلى خط أنابيب بترول بترو انيرجي، كما أن خط أنابيب “بتكو” الذي ينقل الخام من هجليج والوارد من جنوب السودان مهدد بالتوقف في أي لحظة.

استثمار خاسر

صورة تظهر احدى المنشأت النفطية في الهجليج
صورة تظهر احدى المنشأت النفطية في هجليج- ارشيف

ودعا إبراهيم إلى ضرورة إدارة حقول النفط بواسطة السودانيين بعد خروج الشركة الصينية من مربع “6”.

وأرجع قرار الشركة الصينية الخاص بالإنهاء المبكر لاتفاقية تقاسم الإنتاج وخط الأنابيب إلى سياسة اتخذتها بكين منذ 2008 بعدم تمويل أي استثمار خارجي خاسر، حيث إن أي مشروع منتج لا يمول ذاته يتوقف فورًا دون مجاملة.

وأضاف: “سمعنا منهم هذا الموقف في اجتماعات رسمية وهذا الأمر واضح في حيثيات خطاب الشركة”.

وبيّن أن الدمار الذي حدث في الحقل واستطالة فترة التوقف بسبب الحرب بلغ درجة لا يمكن السكوت والاستمرار معها، حيث يستحيل مواصلة العمل والصرف على حقول نفط متوقفة عن الإنتاج منذ أكتوبر 2023.

وأوضح أن الشركة اتخذت قبل خطاب طلب فض الشراكة خطوات تمثلت في خفض التكلفة بتسريح 60% من العاملين وإيقاف المقاولين والمتعاقدين مرورًا بإعلان قانوني بالحالة القاهرة “Force majeure”.

وشدد على أن الصين لا تخضع لأي ضغوط سياسية من أي جهة مهما كانت فيما يخص استثماراتها الخارجية، حيث تنظر إلى المشاريع الخاسرة بعيدًا عن أي ارتباط سياسي أو محاور سياسية، فقط ربح وخسارة.

وأشار إلى أن حقول مربع (6) التي انسحبت منها الصين توقف الإنتاج فيها منذ أكتوبر 2023 بسبب الحرب.

لا موانع من العودة

ونوه عادل إبراهيم إلى أن التعاون مع الصين مفتوح في مجالات عدة غير البترول.

وأضاف: “لو جرت مفاوضات جديدة بعد الحرب فسوف تخضع لإعادة تقييم المشروع، إن كان فيه أرباح ومكاسب مادية محسوبة، قطعًا سيعود الاستثمار الصيني في البترول بعد الحرب وليس الآن”.

لكن المدير العام السابق لشركة البترول الوطنية السودانية “سودابت” أيمن أبو الجوخ رأي إن خروج شريك استراتيجي كشركة البترول الصينية ينعكس بصورة سلبية على دخول الاستثمار في مجال النفط بالسودان حتى بعد انقضاء الحرب.

وأشار إلى أن اتفاقية تقاسم الإنتاج في مربع “6” لا علاقة لها بالرسوم أو الصادر، منوهًا إلى أن تلك الاتفاقية كانت تتضمن خللًا كبيرًا بمنح الشركة الصينية “20” سنة من بداية كل استكشاف جديد، وتلك كانت موضع ملاحظات من الحكومة السودانية.

وذكر أن الشركة الصينية في الفترة الأخيرة كانت تُحجم عن زيادة الإنتاج بسبب تراكم الديون على الحكومة السودانية منذ انفصال جنوب السودان.

نظرة فنية

وقال وزير الدولة بالنفط السابق سعد الدين البشرى إن أجل الاتفاق مع الشركة الصينية ينتهي في ديسمبر 2026، وبعدها ستكون رؤية الحكومة السودانية في وجود اتفاقية جديدة أم لا.

وأوضح أن الشركة الصينية خرجت الآن بالقوة القاهرة وهي منصوص عليها في الاتفاقية، مشددًا على أن أي شركة في ظل الظروف الحالية التي تمر بها مناطق إنتاج البترول تملك حق فض الشراكة.

وأشار إلى أن الأمر غير متعلق بالإنتاج فقط وإنما بأرواح الناس، كما أن منطقة هجليج شهدت سابقًا توترات لكن كانت بصورة فردية ومن مجموعات صغيرة تختص بالسرقة.

ونوه إلى أن خروج الشركة من الناحية الفنية سيتسبب في مشكلات عديدة، خاصة أن كل نقاط الإنتاج ونقل البترول ستتوقف بالكامل إلا إذا قام الدعم السريع مع قوات أجنبية بالعمل على إعادة إنتاج الحقول.

وأوضح أنه في هذه الحالة ستواجههم مشكلة نقل البترول سواء كان لدولة جنوب السودان أو إفريقيا الوسطى.

وذكر البشري أن مناطق إنتاج البترول مستهدفة وتتطلب إعادة الصناعة في تلك المناطق تكاليف كبيرة، خاصة في مسألة خط الأنابيب والمجالات الفنية المرتبطة.

وتدهور إنتاج البترول بشكل كبير منذ العام 2018، إذ كان الإنتاج حوالي 100 ألف برميل وأحيانًا 120 ألف برميل قبل أن يتراجع إلى 90 ألف أو 80 ألف برميل، وبعد العام 2018 وصل الإنتاج إلى نحو 35 ألف برميل.

وأشار البشرى إلى أن إنتاج البترول أصلًا كان فيه مشكلات فنية وتمويلية إلى جانب مشكلة المديونية مع الصين، والتي كانت الحكومة تعمل على معالجتها دون أن تؤثر كثيرًا على مسار الإنتاج.

وأبان أن خروج الشركة الصينية حاليًا لجوانب أمنية، ولكنه سينعكس في كثير من الجوانب الفنية والمالية للبلاد، خاصة أن هناك إيرادات ستتوقف بالرغم من الإنتاج الضعيف للحقول.

شروط جديدة

وحول ما حمله خطاب الشركة الصينية من رسائل يرى البشرى أن الخطاب كان وديًا جدًا ولم يكن فيه روح عدائية أو تحميل الحكومة المسؤولية، مشيرًا إلى أنه من ناحية الاستثمارات الصينية في المستقبل بعد التحرير يمكن التواصل لاحقًا في إعادة الاستثمار بعد الحرب وفقًا لاتفاقيات وشروط جديدة.

وقال إن تدهور صناعة النفط يحتم على الدولة البحث عن بدائل لرفد ميزانية الدولة بنشاطات أخرى غير البترول، لأنه يواجه مشاكل فنية تؤخر مسألة الإنتاج.

كما استبعد عدم استمرار التعاون مع الصين مستقبلًا، خاصة وأنها ترى أن السودان البوابة نحو إفريقيا وأن مصلحتها الاستمرار في التعاون معه بالرغم من المشكلات التي كانت في المديونية.

قبضة أمنية

ويرى المحلل الاقتصادي عبد العظيم المهل أن تداعيات الحرب والانفلات الأمني الذي بدأ منذ العام 2018 أدى إلى هروب الاستثمارات ليس الأجنبية فقط وإنما حتى المحلية، والتي هاجرت إلى إثيوبيا ومصر وإلى العديد من الدول الأفريقية حتى البعيدة.

وتابع: “من الصعوبة بمكان على شركة أجنبية أن تتحمل تدهورًا أمنيًا امتد لأكثر من 7 سنوات دون أن يكون هناك قبضة أمنية قوية، وهذا يلفت النظر لمن يدعون لحل الجيش”.

وأضاف: “نحن نحتاج إلى قبضة أمنية قوية وأن يكون القانون ساريًا والأمن مبسوطًا في كل السودان”.

وأوضح أن السودانيين يذهبون إلى مصر لأنها تتركز فيها قبضة أمنية قوية تمثل أساس التنمية، منوهًا إلى أنه لا توجد تنمية وديمقراطية بدون أمن، ولا يمكن الاستثمار في أي بلد تسودها الفوضى.

واعتبر أن الأمن هو الحافز الأول لجلب الاستثمار، داعيًا إلى ألا يكون خروج الشركة الصينية مؤشرًا لخروج كثير من الشركات الأخرى من مجال النفط أو المجالات الأخرى.

وتوقع أن ينعكس خروج الشركة الصينية سلبًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، خاصة وأن الشركة الصينية تهتم بالمسؤولية الاجتماعية، كما أن الصين أيضًا كانت تدافع عن السودان في مجلس الأمن والأمم المتحدة نتيجة لمصالحها واستثماراتها في السودان.

وذكر أن إنهاء الشراكة مع الصين يمثل ضربة قوية للاقتصاد السوداني في الوقت الذي كان يُتوقع فيه زيادة الإنتاج خلال المرحلة المقبلة، ومعنى ذلك أن إنتاج النفط سيقل أكثر مما عليه الآن.

ولم يستبعد المهل أن يكون خروج الشركة الصينية جاء نتيجة لضغوط أمريكية لصالح دخول الشركات الأمريكية مثل شركة شيفرون.

ولعبت شركة شيفرون الأمريكية دورًا تاريخيًا في اكتشاف النفط بالسودان، حيث اكتشفت أول حقل نفطي (أبو جابرة) عام 1979 وبدأت العمل فيه عام 1975، ثم انسحبت عام 1984 لأسباب أمنية.

وفي عام 2021، زار وفد من شركة شيفرون السودان لمناقشة استئناف الاستثمارات النفطية، مما يشير إلى اهتمامها بالعودة، وذلك بعد أن كانت هي التي مهدت الطريق لاكتشافات لاحقة.

وتعرضت حقول النفط في هجليج، التي تنتج قرابة 21 ألف برميل من الخام يوميًا، إلى هجمات من قوات الدعم السريع بطائرات مُسيَّرة، كان آخرها في 13 نوفمبر، حيث تسبب في مقتل ثلاثة عمال وألحق أضرارًا بمختبر محطة المعالجة المركزية.

ويُتوقع أن يؤثر توقف عمل الشركة الصينية في حقول هجليج على نفط جنوب السودان، حيث تضم المنطقة محطة معالجة مركزية لـ 130 ألف برميل من نفط جوبا، الذي يُنتج في حقول ولاية الوحدة الجنوبية ويُصدَّر عبر الأراضي السودانية.