الجمعة , 13 مارس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

جَدَل العلاقة بين السّودان وجنوب السّودان

أحمد يعقوب

أحمد يعقوب

ربّما تمثّل الحقبة الحالية من عمر البلدين شمالاً وجنوباً ؛ واحدة من أسوأ الفترات التي واجهها البلدين ضمن أُطر تنظيم العلاقة بينهما، منذ إستقلال جنوب السّودان في التاسع من يوليو للعام 2011.

يمر السّودان بأسوأ فتراته السياسية والفكرية ؛ ولربما يمكن القول أن الحرب الحالية قد توفّر لها كل الأدوات التي ساعدت على قيامها ؛ كان ذلك عبر تواريخ طويلة من الحروب الأهلية الدائمة منذ ماقبل استقلال السودان؛ مع إختلال الموازيين في الحكم وتسلّط النّخب، واحتكار قرار البلاد وتغييب المشروع الوطني عمداً وفرض المشاريع الأيدلوجية قسراً . هذا مع فشل كل الانتقالات التي حدثت في ثورات العام 1964 والعام 1985 والعام 2018.

على الصعيد الآخر ؛ فإن جنوب السودان المُستقل حديثاً قد ورث بعضاً من مشاكل السودان الأكثر تأثيراً وعمقاً في موضوعات بناء الدولة والمشروع الوطني ؛ ولم يستفد من تجاربه الطويلة مع النّخب السودانية مستنسخاً الشعور والمخيال السياسيين من السودان الجريح ؛ وهي أزمة سيعاني منها البلدين طويلاً ، مالم تتغير البِنى المعرفية التي تؤطر الفعل والخطاب السياسي ؛ والعمل على الخروج من نفق سيطرة الأبنية القبلية والعرقية على أشكال السلطات في الدولتين .والتي بطبيعة الحال قادت البلدين إلى ما يمكن أن نطلق عليهما تأثير ( الوقوع في أسر منظمات ما قبل الدولة / القبيلة).

إن العلاقة الجدلية بين السودان وجنوب السودان؛ أسس لها المستعمر ونظامه الاقتصادي الممثل في الرق عبر وكلائه المحليين،واليوم يتجنب الكثيرين الخوض وفتح ملفات الاسترقاق والتي ساهمت بشكل أساسي في وضعية العلاقة، وقد فاقمت النّخب الحاكمة في السودان من اتساع هذه الجدلية ؛عبر تاريخ طويل من الاضطهاد والانتهاكات وممارسة الوصاية على السودان عموماً وجنوب السودان خصوصاً، وبلغت هذه الأشكال من الوصاية زروتها بعد جلاء المستعمر في العام 1956 مباشرة .

ولأنّ البلدين مغلوبان على أمرهما في هذه الفترة ؛ فقد هبطت مُعضلات ومشكلات النّخب إلى المجتمعات شمالاً وجنوباً .
تشكّلت العلاقة ما بين (الخرطوم وجوبا)1 ؛ بعد استقلال جنوب السودان في العام 2011 على أنابيب النفط لاغير؛ بالرغم من أن البلدين يشتركان في خصائص كثيرة ومصالح متشابكة ومعقدة اجتماعياً ؛ ولايستطيع السودان ولا جنوب السودان أن ينفصلا عن مصالحهما المشتركة والتي هي أكبر من أنابيب النفط، حيث يتشاركان أكبر حدود دولية؛ وهجرات موسمية وتداخلات المصالح المشتركة للقبائل الحدودية وأجيالٌ ترعرعت ضمن ثقافة موحدة عبر الأطر التعليمية في السودان ووجدان مشترك في بعض جوانبه كان مساهماً بشكل كبير في الخارطة الكلية للبلاد( شمالاً وجنوباً ). إذاً لماذا نرى الآن تصاعد الخطابات الاجتماعية المحرضة بين الطرفين والتي هي أشبه بحرب الكل ضد الكل؟.

تمثل حرب الخامس عشر من أبريل بداية التحلّل للبِنى القديمة التي شكّلت العلاقة التي كانت ولا تزال شائهة شمالاً وجنوباً ؛ مع معرفتنا أن حرب السودان ليست في أراضي جنوب السودان ؛ولكنها تؤثر على البنية الكلية لشكل الخطاب والفكر السياسي هنا وهناك في البلدين ، كما تؤثر على شكل العلاقات بين المجتمعات في الدولتين ناهيك عن التأثيرات الاقتصادية والمصالح المشتركة الملموسة . ويبلغ التأثير مداه في البنى اللغوية المستخدمة في إنتاج الخطاب.

لا يمكن الانكار بأي حالٍ من الأحوال؛أن الحرب في السودان قد أحدثت ضرراً بليغاً على النفوس مجتمعة؛ سواء كانت الانتهاكات أوالسلوكات التي تحط من كرامة الانسان ؛ وقد تعرض إنسان البلدين لهذه الانتهاكات ؛ وبالتحديد أؤلئك الذين لا يزالون في السودان أو جرى ترحيلهم إلى جنوب السودان.

إن الممارسات التي جاءت نتيجة للحرب وجرى تطبيقها على شعوب البلدين؛ وخاصة عمليات الترحيل القسري والانتهاكات التي وثقتها المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الانسان ؛ وضعت العلاقة على المحك. وتبادل شعبي البلدين أصابعهم الممتدة بالتهديد تارة والاساءات تارة أخرى. لقد كان التاريخ المشترك لشعوب البلدين مرتكزاً أساسياً وعنصراً حاسماً في الجدل الذي يسود العلاقة بين البلدين اليوم ؛ زلم يستطع شعبي البلدين أن يحدثا أي قطيعة مع شلك التاريخ ،وبالطبع فإن ذلك التاريخ الشائه والوصائي والعنصري قد ترك رواسبه في النفوس، وانتقل إلى الأجيال الجديدة ليس عبر الحكايا بل؛ ولقد اختبرت هذه الأجيال تلك الممارسات ولسعات التاريخ عبر نفسها من حيث المضايقات والخطاب الموجه إلى شعب جنوب السودان وبعض السودانيين،الذي يستبطن التّعالي ويحمل في طيّاته العنصرية التي لاتسئ فقط إلى العلاقة بل إلى مفهوم الانسانية نفسها.

إن أجيال اليوم تحمل تركة ثقيلة إسمها التاريخ؛ والذي من عدسته يتم النظر إلى شكل العلاقة؛ فيما يمكن وصف هذه النظرة التي جرى تعميمها بالمُجحفة والمُتحيزة؛ حيث هناك أصوات لم يٌسمح لها بالتعبير في البلدين ترى أن التاريخ القديم يجب أن لا يحدّد العلاقة بين شعوب البلدين؛ هذا مع عدم نسيان ما حدث وتعلم درس المستقبل من الماضي بأن لايحدث مرة أخرى.

تغذّي التيارات السياسية والمثقفة وباعة السّم في الميديا شمالاً وجنوباً الوريد الذي يحمل الداء لتسمّسم العلاقة بين شعوب البلدين؛ ولان هذه التيارات لا تستمد قوتها وإزدهار أيدلوجيتها إلا من خلال خطابها الشعبوي الذي له جمهوره في البلدين ؛ إنها تبقى فوق الجميع من خلال هذا التسميم الذي يدمر إزدهار الشعوب والوصول لصيغ مشتركة حول التعايش والاستفادة من درس التاريخ لمستقبل أفضل لكليهما.

لقد آن الأوان لشعوب البلدين إعادة النظر في شكل العلاقة عبر عدسات أخرى ؛ وأن لا تظل عدسة التاريخ الشائه هي الوحيدة المعتمدة لوضع وشكل العلاقة بين البلدين. إذ أن المستقبل يظل مفتوحاً لشعبي البلدين لتقوية علاقتهما والاستفادة المشتركة من مواردهما البشرية والطبيعية؛ وقيادة المنطقة سياسياً وتجارياً. بإمكان البلدين العمل على التكامل وفرض سيادتهما على شرق القارة وبعضاً من شمالها وأجزاء من غربها وتسيّد هذه المنطقة تماماً.

ما يجمع شعوب السودان وجنوب السودان لايمكن أن يؤطر في نمط واحد أو يتجلّى في سمة واحدة ؛ إن ما يجمعهما يمكن وصفه بأنه غير قابل للانهاء وإلا انتهيا جميعاً؛ وتظهر الحرب الحالية هذا النمط ؛ حيث نرى اليوم أهتماماً بالحرب التي تجري في السودان وتفاعلاً كبيراً ودائماً في جنوب السودان أكثر مما نراه في بعض أجزاء المناطق السودانية بعينها؛وقد تم التعبير عن هذا التفاعل في جنوب السودان بانقسام داخلي ما بين التبعية لطرف على حساب الآخر والعكس ؛ وهو بالضبط الحالة التي تجمع السودانيين اليوم في السودان. لا يمكن تفسير هذا الأمر إلا بأنه من الإستحالة فض أي شراكة ما بين الشعبين سواء في السلم أو الحرب.

لا يمكن التعويل على الأنظمة في صناعة المستقبل أبداً ؛ لأن الأنظمة لا تحمل المستقبل بإطاره الكبير؛ إنها تحمل ما يمكن وصفه بالعناصر التي تساعدها على الحكم؛ إن المستقبل اليوم تخطط له الشعوب وتجبر أنظمتها على تنفيذها؛ ولشعبي البلدين مصلحة أكبر في تقوية علاقتهما وإعادة النظر حول أيُّ مستقبل يرومونه.

هوامش:
1- نستخدم جوبا والخرطوم هنا لنشير للعلاقة ما بين الأنظمة السياسية وليست العلاقة ما بين المجتمعات .