الذكاء الاصطناعي واختبار البشير.. هل اوشكت مهنة الترجمة على النهاية؟
محمد التلب
muhammed.eltilib@gmail.com
في أحد أيام العام 2008 – قبل ما يقارب العقدين من بروز ثورة الذكاء الاصطناعي التي تنتظم العالم حاليًا وتنذر بإحداث تحولات هائلة في مستقبله – حدثت لي قصة طريفة استحضرتها مؤخرًا في سياق قيامي بمحاولات لفهم حجم ومآلات التطورات التكنولوجية لهذه الثورة على المدى القريب والبعيد.
كنت وقت حدوث تلك القصة أعمل في بدايات حياتي المهنية كمحلل ومترجم محتوى إعلامي مع فرع من هيئة الإذاعة البريطانية يُسمى (BBC Monitoring Service)، ويختص هذا القسم بتقديم خدمات مدفوعة القيمة لترجمة وتحليل المحتويات الإعلامية الصادرة بلغات مختلفة عن اللغة الإنجليزية إلى جمهور مشتركين ناطقين باللغة الإنجليزية في الدول الغربية، ويتضمن أفرادًا ومؤسسات مرتبطين بدوائر صنع القرار أو أفرع أجهزة المخابرات المتخصصة فيما يُعرف بـ”استخبارات المصادر المفتوحة” (Open Source Intelligence)، والتي تراقب ما يُنشر على وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء والإلكتروني.
وكانت إحدى مهامي الوظيفية وقتها هي القيام بالترجمة السريعة للمحتويات الإعلامية المكتوبة أو المنطوقة من لغتها الأصلية ولغتي الأم، وهي اللغة العربية، إلى اللغة المستهدفة والأم لجمهور المستهدفين من الخدمة، وهي اللغة الإنجليزية.
وبالإضافة إلى الصعوبة الزائدة في الترجمة إلى لغة غير لغتي الأم، كانت طبيعة عملي الفنية تقتضي تحقيق توازن دقيق، ويكون في بعض الحالات صعبًا جدًا أو مستحيلًا، بين الترجمة الحرفية من جهة، وهي الترجمة التي تنقل كل كلمة بكلمتها ومقابلها في اللغة الأخرى، والترجمة التفسيرية من جهة أخرى، وهي الترجمة التي تنقل معنى الجملة أو النص ككل مع مراعاة روح النص، لكن دون الالتزام بمعنى الكلمات الحرفي.
وكنا نعالج حالات اختلال هذا التوازن أو استحالة تحقيقه بسبب الفروقات اللغوية بين العربية والإنجليزية بأسلوب (هجين) كما كنا نسميه، حيث نقوم عبر هذا الأسلوب بتضمين الترجمة الحرفية للكلمات كما هي، ومن ثم إلحاقها بفقرة شارحة للترجمة التفسيرية، مستخدمين معايير المصطلحات الرسمية التي تعتمدها مؤسسة الـ BBC، ويسهل فهمها بالنسبة للجمهور المستفيد.
وكانت درجة صعوبة تحقيق هذا التوازن تنخفض عمومًا في حالات الترجمة من اللغة العربية الرسمية أو الفصحى، لكنها تزداد بشكل كبير في حالات الترجمة من اللغات العربية الدارجة إلى اللغة الإنجليزية.
ونظرًا لقلة عدد الصحفيين السودانيين العاملين في BBCM، كنت عادة ما أُكلف بمهام الترجمة الفورية والتفريغ الكتابي باللغة الإنجليزية للخطابات الجماهيرية التي يُلقيها الرئيس السوداني السابق عمر البشير على الهواء مباشرة في تلك الفترة. وكان تكليفي يتم على أساس أن ثقافتي المحلية كسوداني تجعلني أكثر قدرة من زملائي غير السودانيين على فهم وترجمة محتويات وسياقات ومحمولات اللغة العربية الدارجة المستخدمة في السودان.
وكنت عادة ما أندب حظي عند تكليفي بهذه المهمة تحديدًا، لأني كنت أتخوّف من مصاعب ترجمة خطابات عمر البشير للإنجليزية، نظرًا لنزوع الرئيس السوداني السابق لاستخدام أسلوب خطاب موغل في استخدام المصطلحات الشعبوية والدارجة السودانية. وهو أسلوب جعله ناجحًا جدًا في مخاطبة وجدان ومشاعر عامة أفراد الشعب السوداني وإثارة حماسهم، خصوصًا في أرياف البلاد، على عكس أساليب ومصطلحات الخطابة السياسية المعتمدة من قبل النخب السياسية ذات التعليم الجامعي في العاصمة الخرطوم، والتي تفتقر بحكم طبيعتها الصفوية إلى جاذبية خطابات البشير الشعبوية خارج مناطق نفوذها داخل العاصمة الخرطوم. ربما كان هذا أحد أسباب استمرار البشير كحاكم عسكري على رأس نظام سياسي سلطوي قابض حكم السودان لفترة طويلة ناهزت الثلاثين عامًا منذ استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري في 1989، إلى قيام الجيش بإزاحته من السلطة في أبريل 2019 تحت ضغط شهور من الاحتجاجات الشعبية الواسعة ضد حكمه.
في يوم حدوث القصة، كُلّفت بترجمة خطاب جماهيري للبشير في أعقاب إصدار محكمة الجنايات الدولية لمذكرة اعتقال ضده في يوليو 2008، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حملات عسكرية لقوات نظامه ضد حركات متمردة في إقليم دارفور غربي البلاد.
أثناء ترجمتي للخطاب، تحققت مخاوفي من احتمالات صعوبات ترجمة خطابات البشير، عندما قال في إشارة استهزائيه بمذكرة الاعتقال الصادرة ضده إن على قضاة المحكمة الذين أصدروها أن (يموصوها ويشربو مويتها)!
أصابتني حينها حالة من الارتباك، لأن (يموصوها ويشربو مويتها) هي عبارة دارجة سودانية ذات محمولات يمكن وصفها بأنها سوقية أو شعبية، تهدف للقول إن الشيء أو الفعل المشار له بالعبارة – وهو في هذه الحالة مذكرة المحكمة ضد البشير – لن يعود بأي قيمة أو فائدة لمن قاموا به – وهم في هذه الحالة قضاة المحكمة.
بدأت حينها في نحت رأسي عناءً محاولًا التوصل لأقرب مقابل يحقق التوازن المنشود بين الترجمة الحرفية للعبارة وترجمتها الاصطلاحية في اللغة الإنجليزية. ويبدو أن ارتباكي كان ظاهرًا لدرجة أن إحدى زميلاتي، وهي بريطانية ناطقة بالإنجليزية، لاحظته وسألتني عن السبب. فأجبتها بأني مرتبك لأن البشير قد استخدم للتو مصطلحًا لا أدري له مقابلًا اصطلاحيًا في اللغة الإنجليزية سوى مصطلح شعبوي واحد، وهو مصطلح (shove it up your ass)، لكني لا أعتقد أن بإمكاننا استخدامه، أليس كذلك؟
فضحكت وقالت: نعم، أنت محق. لا يمكننا استخدام مصطلح فاحش لغويًا كهذا. لكن في هذه الحالة، ليس عليك سوى استخدام الأسلوب (الهجين) المشار إليه سابقًا في المقال. ففعلت ذلك لحل المشكلة، وكتبت: “squeeze it and drink its water” كترجمة حرفية، ثم أضفت لها فقرة ترجمة تفسيرية تقول:
(colloquial term dismissing the arrest warrant as worthless)
أو: مصطلح دارجي يعني أن المذكرة ليست ذات قيمة.
مناسبة هذه القصة وعلاقتها بعنوان المقال هي أني قمت مؤخرًا بإجراء عدة اختبارات لفحص قدرة برنامج الذكاء الاصطناعي الأمريكي ChatGPT على ترجمة مجموعة من أربعة نصوص إعلامية يبلغ طول أقصرها أكثر من 1000 كلمة.
أذهلتني في البداية جودة نتائج الاختبارات، حيث قام البرنامج بترجمة كل نص في خلال أقل من دقيقة، وبمستوى رفيع من جودة الترجمة، تكاد تؤول فيه نسبة الأخطاء إلى الصفر. أدركت حينها أن مهنة الترجمة في طريقها للانقراض قريبًا، نظرًا للتزايد المضطرد في جودة إمكانيات برامج الذكاء الاصطناعي.
ثم استحضرت القصة التي حدثت لي، وقررت أن أُخضع برنامج الذكاء الاصطناعي لما أطلقت عليه اسم (اختبار عمر البشير)، وطلبت منه ترجمة مصطلح (يموصوها ويشربو مويتها).
فجاء الرد أن ترجمة المصطلح تعني: “squeeze it and drink it”. فتنفست الصعداء وقلت لنفسي: “الحمد لله. يبدو أن ChatGPT فشل في اختبار عمر البشير لأنه لم يستطع إدراك الترجمة الاصطلاحية. هذا يعني أنه لا يزال هنالك الكثير من عمر مهنة الترجمة، وعمرنا كمترجمين”.
ثم لم يلبث البرنامج أن فاجأني وسألني إذا كنت أريد أن أعرف المعنى الاصطلاحي للعبارة. وعندما أجبت بـ”نعم”، جاء رده: إن العبارة تُستخدم شعبيًا للإشارة (لشيء عديم القيمة).
أدركت بعدها أنه لم يتبقَّ من عمر مهنة الترجمة كثيرًا وقلت عندها لنفسي (يبدو ان شغلة الترجمة حقتي دي أنا زاتي حاموصها واشرب مويتها قريبا جدا)
