الأربعاء , 18 فبراير - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

حكومة التعايشي الافتراضية متاهة جديدة في الأزمة السودانية (7)  

الصادق علي حسن

الصادق علي حسن

حتى لا تتكرر الأخطاء مرة آخرى 

 العديد من شباب لجان المقاومة من مدن وولايات السودان الخاضعة لطرفي الحرب العبثية الدائرة ، ظلوا يتواصلون معي ، ومنهم من يرون ضرورة المواصلة في الكتابة عن الأزمة السودانية ،وحول البحث في مآلاتها ونتائجها الحالية والمستقبلية الضارة بوحدة البلاد واستقرارها ، وأوضاع المدن المحاصرة مثل مدينة الفاشر ، ومدينة كادوقلي بجنوب كردفان والتي تعاني من انعدام ضروريات الحياة ،  وتعلية الحوار الموضوعي ، والاستفادة من دروس التجارب التي مرت على البلاد ، خاصة تجربة ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م ، و الاعتصام والفض،  والعشرات من شهداء الاعتصام الذين ظلت جثامينهم في المشارح حتى إندلاع الحرب ولجنة التحقيق المكونة  برئاسة الأستاذ نبيل أديب، وعدم تحديد المسؤولية الجنائية حتى اندلاع الحرب، وتجربة الشراكة بين المكونين العسكري والمدني، فإهدار المكاسب التي حققتها ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م ، واعتصام القصر (الموز)، والمطالبة من داخله بالإنقلاب على المكون المدني فقرارات البرهان بالانقلاب على شركائه المدنيين ، فمشروع الاتفاق الإطاري ،والتنازع ما بين قيادتي الجيش والدعم السريع على فترة إدماج الدعم السريع وعلى السلطة ، فالحرب التي اندلعت في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م ، وفي ظل الخراب والدمار والقتل الجزافي الشغل الشاغل لساسة وخبراء وسائط الفضائيات بمن أشعل الحرب ، وتوالد أجسام وتحالفات جديدة (تقدم، قمم ، صمود، فتأسيس ثم حكومة تأسيس الموازية)،  وفي الخضم تتجه البلاد في خطوات متسارعة نحو الحرب الأهلية والتجزئة والتقسيم ، وهنالك جماعة حركة الإسلام السياسي تتربص وتسعى سعيا حثيثا لتستغل ظرف خلو الساحة العامة من الأنشطة المدنية ،وسيادة لغة الحرب ،وخطاب الكراهية ،لفرض أمرها على الشعب والدولة كواقع ، ليس من خلال العودة إلى الساحة السياسية والسلطة علنا لقيادتها ، بل للتحكم   والسيطرة على الدولة ومصير شعبها مرة آخرى ، وممارسة الإرهاب والإرعاب للقوى السياسية والمدنية وإدانتهما أمام الرأي العام بالتهم المزجاة من خلال الوسائط ، بمظنة ان الأمور يمكن أن تؤول إليها بهكذا بساطة متناهية، فتعود إليها السلطة لتحتكرها هذه المرة تحت غطاء حرب الكرامة  ، الدولة السودانية على حافة الانهيار التام ، ولا تزال تدار بعقلية محاصصة قسمة السلطة المستترة بين القبائل والجهويات، وبهكذا أوضاع وصراعات، لن تستقر الدولة ولكن تتوقف الحروب، وإن طال الزمن ،إن تحالف السلطة القائم يجمع المتناقضات في داخله ، كما وليس لديه أي تصور لإدارة الدولة ، حزب المؤتمر الوطني بعد تجربته المريرة التي استمرت لثلاتين عاما ، هو نفسه قد تخلى عن شعار المزايدة بالدين والجهاد خلال هذه الحرب العبثية، لكساد تجارة هذا الشعار الذي استغله لثلاثة عقود واكتشف الرأي العام أن الدولة الدينية المزعومة مجرد شعارات للإلهاء السياسي ، ولم يتبق لحركة الإسلام السياسي في السودان سوى منظومة شبكات المنابر العالمية التي تستخدم الدين في المؤتمرات العالمية في تركيا وماليزيا ،،،، الخ  ، وفي الحرب العبثية الدائرة تخلى المؤتمر الوطني عن المزايدة بشعار مزاعم التآمر على العروبة والإسلام ، وقد صار يتحدث أن الحرب معركة كرامة ووجود ، كالطرف الآخر في الحرب الذي ينظر للحرب بأنها معركة وجود وفي صراع الوجود بينهما وسيادة لغة الحرب والكراهية  ، ما لم تبرز صوت الأغلبية الصامتة ،فإن الحرب التي دخلت مرحلة الحرب الأهلية ستمتد لسنوات طويلة  .

مدخل الحل

من الأخطاء الجسيمة تصدر تجمع المهنيين السودانيين لقوى ثورة ديسمبر المجيدة ٢٠١٨م،  لم تكن لقيادة تجمع المهنيين السودانيين كسب سياسي يؤهله في الحراك الثوري سوى  ساعة ضبط الخروج،  لقد كان التحكم في ساعة ضبط خروج الثوار أحد  أسباب نجاح الثورة ، ولكن تحول النجاح  من ضبط ساعة الخروج إلى التغول على مكاسب الثورة و لعب الدور الأساسي في إضاعتها والذي بدأ بتوقيع ممثله (أستاذ الفيزياء أحمد ربيع) على وثيقة اتفاقية مع ممثل ما تم تسميته بالمكون العسكري (قائد الدعم السريع الفريق أول حميدتي) ، وبموجب ذلك الاتفاق، صار الاتفاق المذكور مرجعية للوثيقة الدستورية المعيبة التي خولت الجيش والدعم السريع ممارسة النشاط السياسي والتنفيذي في الدولة،  كما ومن خلال تلك الشراكة غير المتكافئة بين المكونين المذكورين ، وقد تم تسمية حميدتي بالنائب الأول لرئيس مجلس السيادة ولا توجد في الوثيقة الدستورية المعيبة هكذا منصب ، ثم تضاعفت قوات الدعم السريع بالآلاف ، ثم ظهر نذر الخلاف بين البرهان وحميدتي على منصب الرئيس وكان للبرهان تحالفاته الموروثة من المؤتمر الوطني والآخرى التي أنشأها مع بعض حركات اتفاق جوبا، ولحميدتي تحالفاته التي أنشأها مع قوى الإطاري، .

الحرب واقعة واقعة  

على لسان مالك عقار عضو مجلس السيادة بموجب اتفاق سلام جوبا ، في يوم ١٢/ ٤/ ٢٠٢٥م، ومن داخل مكتبه بالقصر الجمهوري ، وكان ذلك قبل اكثر من ستة أشهر من صدور قرارات البرهان بالانقلاب على الشريك المدني (المكون المدني)  في ٢٥/ ١٠/ ٢٠٢٥م . التقى مالك عقار بوفد هيئة محامي دارفور ، ونقل وفد الهيئة للسيد عضو مجلس السيادة مالك عقار التخوفات التي تنبي بأن الحرب ستندلع في البلاد، وأن الجيش لن يًسلم المكون المدني رئاسة مجلس السيادة بعد انقضاء الفترة المخصصة للمكون العسكري بموجب أحكام الوثيقة الدستورية ، وأن من مصلحة قوى اتفاق جوبا وفي رأس شعاراته التحول المدني الديمقراطي وبالضرورة تلافي وقوع الحرب وتعزيز مطالب الشارع السوداني بتقوية دور الأجهزة المدنية ، ولكن كانت المفاجأة ما قاله مالك عقار لوفد الهيئة بأن (الحرب وأقعة واقعة ، والعندو جبل يشوف جبلو من هسي وين ،والعندو غابة يشوف غابتو، والفي السهلة ينتظر مصيرو وانه في السبعين من عمره  ، ومسكنه لا يمر بكبري يعيق خروجه، وبمجرد اندلاع الحرب سيتخارج )، أقوال عضو مجلس السيادة مالك عقار لم تكن محبطة جدا لوفد الهيئة ، بل كشفت للوفد بأن رؤيتها لنذر الحرب ليست احتمالية ، بل وبعلم اعضاء بمجلس السيادة  الحرب واقعة واقعة، وهذا العلم بالضرورة ينسحب لتكويناتهم ، في ظل غفلة تنظيمات قوى الثورة . ممثل الهيئة في تصريح لوكالة سونا للأنباء نقلته للرأي العام عقب الإجتماع، اكتفى بذكر ما تناوله الإجتماع من خطورة عدم تأمين  الموسم الزراعي في مناطق الإنتاج، وضرورة التأمين الزراعي ، ولم يتحدث عن جبل الجليد الذي ظهر له في الإجتماع (الكتلة التي انفصلت عن الأطراف)، في معادلة السلطة التائهة، وتربص المكون العسكري بعلم أحد أطراف اتفاق سلام جوبا على الأقل . 

إن قوى الثورة تحتاج أن تقف وتدرس الأوضاع بصورة مغايرة للمألوف، والتفكير خارج مدخل النفق المسدود ، فالبنادق المرفوعة تحولت إلى مناصب ،والشعارات المنصوبة إلى مزايدات محاصصات السلطة ،وعليها الاستفادة من الدروس بالوعي والإدراك ، وأن لا تسلم مقودها مرة آخرى وتنتظر .ولكن أين هي نفسها وقد تفرقت ،وهنالك منها أقمار مضيئة مثل مؤمن ود زينب وجابس ولجان مقاومة الفاشر.