السبت , 15 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

ما وراء الورقة الأمريكية وضمانات وقف الحرب في السودان

محمد الأمين عبد النبي

 

محمد الأمين عبد النبي

بعد عامٍ من رفض البرهان دعوة أمريكية لإرسال وفده إلى سويسرا في أغسطس الماضي، وصل البرهان بنفسه في أغسطس الحالي وأجرى مباحثات سرية مع مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وحملت الأخبار أيضًا إجراء بولس مباحثات سرية مع قيادة الدعم السريع؛ جرت هذه المباحثات على ورقة أمريكية أُودعت في بريد البرهان وحميدتي قبل وصولهما إلى سويسرا، والتي تركز على وقف إطلاق النار والعدائيات، وفتح ممرات إنسانية، وإطلاق عملية سياسية مدنية، ومخاطبة مستقبل الجيش والدعم السريع وحلفائهما. جاء اللقاءان بغرض الرد على مضمون الورقة وموافقة قيادة الطرفين على التفاوض غير المباشر كخطوة مطلوبة للمفاوضات المباشرة، بعيدًا عن جدل شروط البرهان التي كانت سبب فشل مباحثات سويسرا السابقة، وبعيدًا من خلافات الرباعية التي أجّلت انعقاد اجتماع واشنطن نهاية الشهر الماضي، مما يشير إلى أن واشنطن هذه المرة اتجهت إلى منهجية جديدة تقوم على تجنب التصعيد الإعلامي السلبي، وتجاوز التحرك الرباعي، وبحث المواقف التفاوضية وراء الأبواب المغلقة، واختبار نوايا الطرفين دون الوقوع في مأزق الانخراط المباشر في المفاوضات دون تحضير كافٍ، خصوصًا في ظل غياب الثقة الكاملة بين الطرفين.

كل المعطيات تشير إلى أن هذه الخطوة الاستكشافية غير المباشرة قد تحقق تقدمًا ملموسًا إذا أظهر الطرفان الجدية والالتزام والإرادة، ومن شأنها أن تتحول إلى مسار تفاوض مباشر يفتح الباب للوصول إلى اتفاق.

المرونة التي أبداها البرهان هذه المرة ناتجة عن دوافع تحسّن موقفه التفاوضي بصورة كبيرة عن العام الماضي، بخروج الدعم السريع من ولايتي الجزيرة والخرطوم، وتجسير الهوة التي تتسع يومًا بعد يوم داخل معسكر بورتسودان وحمولاته، ومخاطر تشكيل حكومة موازية في نيالا بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية، مما يشير إلى إدراك الحقائق على الواقع التي تؤكد أن لا حل عسكري وتدعم وقف الحرب.

لا شك أن سرية المحادثات تضفي طابعًا أكثر جدية من قبل الإدارة الأمريكية، مما يدفع الطرفين إلى الانخراط في مفاوضات تكسر نمط الجولات السابقة التي كانت ترتبط عادة بتبادل الشروط المسبقة والتأثر بالحملات الإعلامية. فالسرية تتيح للطرفين مساحة لاستكشاف فرص الحلول دون قيود معلنة، وفي ذات الوقت تدفع أطراف الرباعية لمراجعة مواقفها ودعم نتائج هذه المباحثات والبناء عليها، وتوسعة المظلة الإقليمية والدولية.

معلوم أن منهجية إدارة ترامب للتعامل مع الحرب في السودان لا تنفصل عن استراتيجية شاملة تقوم على الدفع بمقترحات عملية لإنهاء النزاعات، سيما في غزة وليبيا ولبنان وأوكرانيا وغيرها، وترتبط بتقييم جهود التجارب السابقة لحمل المتحاربين في السودان، سواء كانت مفاوضات غير مباشرة في جدة أو مباشرة في المنامة، والبناء على الموقف الثابت للإدارة الأمريكية وشواغلها المرتبطة بتحقيق السلام في العالم كعنوان بارز لسياسة ترامب، وعلى دعم التحول الديمقراطي بقيادة مدنية، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن الإقليمي في منطقة البحر الأحمر، ومحاصرة النفوذ الروسي والصيني. وفي إطار هذه السياسة، تسعى إدارة ترامب إلى إحلال السلام في السودان، سواء كان بمجهودها الفردي أو في سياق مجهود جماعي يشمل الرباعية وقطر وبريطانيا وتركيا، انطلاقًا من نفوذها في المنطقة، وأدوات الضغط على الطرفين، والضمانات التي توفرها لتنفيذ أي اتفاق محتمل.

إمكانية تحقيق اختراق تفاوضي في سويسرا كبيرة أكثر من أي وقت مضى، رغم العديد من التعقيدات والعقبات التي تعترض مسار الحل التفاوضي، سيما إصرار الإسلاميين على الحسم العسكري، وتباين مواقف الرباعية، وتداعيات تصاعد العمليات العسكرية في الفاشر وكردفان. وبالتالي، فإن مسار التفاوض لن يكون سهلًا، ولكن الوصول إلى اتفاق ممكن، والذي يحتاج إرادة وطنية شعبية منحازة للسلام، تدفع الطرفين دفعًا لوقف معاناة السودانيين، وتتسلح بالتفاؤل والعمل الجاد في مواجهة أي تراجع، لتتكامل مع إرادة إقليمية ودولية داعمة لأي اتفاق. وهذا لن يتأتى إلا بتحمل القوى المدنية مسؤوليتها في توحيد الصوت المدني الداعم للسلام، وتجاوز القوى الإقليمية المنخرطة في الملف السوداني انقساماتها لكي تلعب دورًا إيجابيًا في إحلال السلام في السودان.