الجمعة , 17 يوليو - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

حكومة التعايشي الافتراضية: متاهة جديدة في الأزمة السودانية (6)

الصادق علي حسن

الصادق علي حسن

الحلو في مدخل النفق المسدود

لم تستفد الحركات المسلحة التي تحمل شعارات التحرير من تجربة الإرث الكفاحي لزعيم حركة تحرير السودان المؤسس الدكتور جون قرنق، والذي توافرت فيه القدرات والنظرة الثاقبة والوعي والإدراك. والباحث في تجربة د. قرنق يجده قد استفاد من تجارب قادة التحرر في إفريقيا. كتب الرئيس الإثيوبي الأسبق منقستو هيلا مريام في مذكراته: (كنا نبحث عن قرنق في السودان، ولم نصنعه، وظهر قرنق في السودان في الوقت المناسب ووجدناه). كان منقستو يبرر بحثه عن قرنق بظهور دور لأصابع الرئيس السوداني النميري في دعم المعارضة ببلاده كما ذكر.

لقد استفاد قرنق من تجربة الرئيس كوامي نكروما في غانا، وهو من زعماء التحرر الإفريقي، وكان مندفعًا، وصار بعد استقلال بلاده رئيسًا لها، وتحول كفاح الاستقلال إلى رئاسة دائمة، ففقد الرئاسة التي لم تدم له، وكحال صاحبه، لم يتبقَّ له من سيرة في بلاده سوى رمزية الاستقلال، وفي المحيط الإفريقي الارتباط بقضايا التحرر الوطني الإفريقي.

الزعيم الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا استفاد من درس كوامي ومن دروس معلم الديمقراطية جوليوس نيريري في تنزانيا، فلم يحول ضريبة الكفاح إلى ملك عضوض، وصار رائدًا للديمقراطية في بلاده وفي إفريقيا والعالم. معلم الديمقراطية جوليوس نيريري لم يكن يرفع الشعار فقط، بل ظل يمارس مضمونه بمبدئية وإخلاص، وبقي في نظر شعوب القارة من رئيس سابق لدولة تنزانيا إلى عظيم من عظماء القارة الإفريقية ورائدها في ممارسة الديمقراطية.

إن الديمقراطية ليست شعارات تُرفع، ولن تزدهر إلا بممارستها ممارسة حقيقية. لم تمهل الأقدار د. قرنق وقد دخل إلى مضمار تجربة الحكم والسلطة للاختبار، ومات بعد أن أرسى قيمًا ومبادئ ديمقراطية نظرية استلهمت منها الحركات التي رفعت السلاح أفكارها، لكن يظل المحك في اختبار الممارسة والتطبيق.

التناقض في ممارسة الديمقراطية بين النظرية والتطبيق

في عام 2011م تم تكوين الجبهة الثورية السودانية من حركات الكفاح المسلحة الأربع: (الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال برئاسة مالك عقار، وحركة وجيش تحرير السودان برئاسة عبد الواحد النور، وحركة العدل والمساواة برئاسة د. جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان برئاسة مناوي). وفي نظم عملها الرئاسة دورية بالتناوب بين الحركات الأربع المذكورة (سنة إلى سنتين).

ولكن بعد انقضاء فترة مالك عقار في رئاسة الجبهة الثورية، لم تُبدِ حركته أي رغبة في نقل الرئاسة لمكونات الجبهة الثورية الأخرى. حركة وجيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد النور لم تكن حريصة على تولي رئاسة الجبهة المذكورة، وانحصر التنافس على رئاسة الجبهة عقب انتهاء دورة مالك عقار بين حركة العدل والمساواة بقيادة د. جبريل إبراهيم وحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي. فظلت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال برئاسة عقار في رئاسة الجبهة لعدم الاتفاق بين حركتي جبريل ومناوي، وكان يمكن معالجة الأمر ديمقراطيًا، لكن مصلحة عقار وحركته كانت في الإبقاء على الرئاسة عنده.

وفي عام 2015م اتفق د. جبريل ومناوي على أن يتولى جبريل رئاسة الدورة المستحقة لحركات دارفور على أن يتولاها بعد ذلك مناوي، وحينما تم الاتفاق، امتنعت الحركة الشعبية – شمال عن نقل الرئاسة للدكتور جبريل إبراهيم.

تبريرات تجزئة ممارسة الديمقراطية

في نوفمبر 2015م، وكنتُ أمينًا عامًا لهيئة محامي دارفور، اشتركت ممثلًا للهيئة في اجتماعات نداء السودان بباريس، وكانت الهيئة من المبادرين لتأسيس نداء السودان في اجتماعات عقدت بأديس أبابا بمشاركة د. أمين مكي مدني، ود. بابكر محمد الحسن، والأستاذ عبد المنعم الجاك.

طلبتُ من الأستاذ ياسر عرمان اجتماعًا للرد على استفسارات، منها: لماذا لا تنقل الجبهة الثورية الرئاسة إلى الدكتور جبريل إبراهيم بحسب نظم عمل الجبهة ورئاستها الدورية، وقد صارت الرئاسة استحقاقًا لجبريل بعد موافقة مناوي وعدم رغبة عبد الواحد؟ وعد ياسر بالإجتماع للرد.

وقبل إحدى الجلسات، وكانت الاجتماعات مكثفة، تواجد المسهلون الدوليون خارج القاعة. وقد أحضروا ممثلين لاتحاد الشغل التونسي للوقوف على التجربة التونسية، كما حضرت كيمي ياي، التنفيذية الأولى بقسم السودان بالخارجية الأمريكية، لتسبق وصول المبعوث الأمريكي. واستمرت المناقشات مع التمديد ليوم واحد لعدم التوافق على البيان الختامي، رغم جهود الإمام الصادق، والأستاذ فاروق أبو عيسى، ود. أمين مكي مدني. وأذكر أنه أُحيل أمر إعداد البيان للأستاذ الحاج وراق وآخرين.

هذه المعلومات أستحضرها من الذاكرة التي صارت تحتاج إلى التحقق بالرجوع إلى الأوراق، لكن أذكرها بصورة عامة لأغراض مشاركة الرأي العام في بعض الجوانب المهمة من الممارسة السياسية التي تحتاج إلى معرفة والوقوف عندها لتعلية ممارسة الرقابة من الجمهور على الأحزاب السياسية والحركات المسلحة.

قبل بداية إحدى الجلسات التداولية قال لي ياسر عرمان: “رأينا أن تجلس مع القائد عبد العزيز الحلو للرد على استفساراتك”. يمتاز الأستاذ ياسر بالحنكة والمراس، لذلك يبدو لي أنه يحيل بعض الأمور لغيره في الحركة التي كان يتولى أمانتها العامة وقتذاك، كما كان لي معه موقف آخر سأستشهد به لاحقًا.

مبررات القائد الحلو

قال لي القائد الحلو، في خلاصة اجتماع طويل، إنه يتعذر عليهم تسليم رئاسة الجبهة الثورية للدكتور جبريل إبراهيم لثلاثة أسباب، ذكر منها اثنين:

  1. تجربة أبو كرشولا
    قال الحلو إن للحركة الشعبية – شمال نظم عملها وأدبياتها في الحرب، وإنه هو الذي سعى لضم حركة العدل والمساواة للجبهة الثورية رغم خلفية ارتباطها بالحركة الإسلامية، وأنه بادر لضم حركات دارفور عند تأسيس الجبهة. وقد أظهرت تلك الحركات نوعية جديدة في القتال غير معروفة في النظم العسكرية، حيث تقوم بالاقتحام والهجوم المباغت بلا ترتيب أو تنظيم، وتحقق مكاسب قتالية سريعة. لكن التجربة مع حركة العدل والمساواة كانت مريرة، إذ إن الحركة الشعبية – شمال لا تهاجم المدن والمناطق للاستيلاء على أموال المواطنين، بل أهدافها المؤسسات العامة ومقدرات النظام. وللحركة نظم لتقسيم الغنائم: ثلث للقوة المهاجمة، وثلث لخزينة الحركة، وثلث لمعالجة أوضاع أعضاء الحركة غير المشاركين، خاصة المصابين والجرحى. وفي أحداث أبو كرشولا لم تلتزم القوة المشاركة من العدل والمساواة بالنظم القتالية، واستولت على أموال وعربات المواطنين وأخذتها إلى تشاد.
  2. الانحياز لأحد طرفي الخلاف في جنوب السودان ومجزرة بانتيو
    ذكر الحلو أن الخلاف دب بين قيادة حركة تحرير السودان بدولة جنوب السودان بين الرئيس سلفاكير ونائبه د. مشار، وأن الرئيس سلفاكير اتصل بهم، لكن رؤيتهم في الحركة الشعبية – شمال كانت عدم التدخل بين الرفاق إلا في مساعي التوفيق. غير أن د. جبريل إبراهيم، من وراء ظهر الحركة الشعبية – شمال والجبهة الثورية، التقى بالرئيس سلفاكير. ومن النتائج الهجوم على أبناء دارفور وأحداث مجزرة بانتيو 2014م التي طالت المدنيين والأطفال والنساء في الشوارع والمنازل.

أما السبب الثالث، فقال الحلو إنه سيذكره لي يومًا ما، لكنني لم ألتقه بعد ذلك، ولم أسمع منه تلك التجربة. إن وجهة نظري المتواضعة أن معالجة الأخطاء الجسيمة المذكورة تتم وفق نظم العمل الداخلي، ولا يتم التستر عليها، لكن الرأي العام علم بالخلاف حول رئاسة الجبهة الثورية، وأن معالجة أمر الرئاسة يجب أن تتم وفق القواعد المقررة.