Thursday , 22 February - 2024

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

خطاب “ما أريكم إلا ما أرى” الاقتصادي للحكومة الانتقالية (8)

بقلم : حسام عثمان محجوب
[email protected]

البرنامج المراقب من موظفي الصندوق “Staff-Monitored Program”

بعد كثير من الجولات والمفاوضات والزيارات والاجتماعات والتصريحات، اتضح أن حكومة الفترة الانتقالية تضع كل بيضها في سلة المانحين من مؤسسات التمويل الدولية وبعض الدول الغربية والعربية، وقد ترجمت هذا باتفاقها مع صندوق النقد الدولي على برنامج مراقب من موظفي الصندوق، ينص أساساً على تعويم الجنيه، ورفع الدعم، وعدد آخر من الإجراءات التي يراقبها موظفو الصندوق خلال فترة البرنامج الممتدة بين يوليو 2020 ويونيو 2021، وهو البرنامج الذي يصوره لنا مؤيدو برنامج الحكومة بأنه طريقنا الوحيد للخلاص ولإصلاح الاقتصاد السوداني. وهم يتجنبون، وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم البدوي، الإجابة الصادقة على السؤال الذي يذكرهم، بأن هذا هو البرنامج الخامس عشر من سلسلة البرامج المراقبة من موظفي الصندوق التي وضع الصندوق منها أربعة عشر سابقين في عهد النظام البائد فشلت جميعها، فما الضامن أن ينجح هذا الأخير؟

ورغم أن تقارير الصندوق نفسها تبين المخاطر الكبيرة التي ستتبع تطبيق هذا البرنامج، بما فيها من قسوة على جماهير الشعب السوداني، قد لا يستطيعون تحملها، ومن بينها “الدعم المحدود للمانحين”، إلا أن حكومتنا تبدو غير مكترثة لهذه النصائح الهامسة من الصندوق، بينما تستمع بإذعان شديد لتهديدات المجتمع الدولي والمانحين التي أصبحت أعلى نبرة، كما وضح الدكتور خالد التجاني في صحيفة السوداني يوم 4 فبراير حزمة الاشتراطات والتوجيهات التي تضمنها بيان اجتماع أصدقاء السودان في ألمانيا أواخر يناير الماضي، حيث طالبوا “الحكومة السودانية الالتزام بالتنفيذ السريع لمزيد من خطوات الإصلاح”، وشدّدوا “على الحاجة الملحة لمعالجة إصلاح سعر الصرف دون مزيد من التأخير”، واعتبر بيان الأصدقاء ذلك بدون مواربة “شرطاً أساسياً لتقييم أداء السودان”، و”كشرط للاستفادة الكاملة من الدعم المقدم من قبل الشركاء والمؤسسات المالية الدولية”. وقد بين د. خالد أن الحكومة لم تضع البرنامج المراقب ضمن مرجعيات الموازنة، ويتساءل– محقاً – عن دواعي إخفاء هذا الأمر. وقد بلغت وقاحة المانحين وممثليهم أن صارت تهديدات سفرائهم وموظفيهم بعدم تحويل المساعدات إلا إذا تم تعويم الجنيه علنية في مختلف وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية، كما تشهد على ذلك تصريحات السفير البريطاني السابق والسفيرة النرويجية الحالية. ولن يستطيع نفي وزير المالية الحالي د. جبريل إبراهيم في مؤتمر إعلان تعويم الجنيه لأن يكون القرار اتخذ نتيجة ضغوط أجنبية، إخفاء هذه الحقيقة الناصعة.

زيادة الجهد “التحصيل” الضريبي

ومن النقاط الأساسية في خطاب الحكومة الاقتصادي وبرنامج الصندوق، أن نسبة التحصيل الضريبي للناتج المحلي في السودان أقل من المتوسط الأفريقي، ويجب أن تزيد بمقدار الضعف تقريباً من نحو 6% إلى 12%، لتمكن الاقتصاد السوداني من وضع قدميه على خطى الخروج من القاع، ولكن شكك في هذه النسبة عدد من الاقتصاديين منهم د. التجاني الطيب، الذي ذكر في حوار مع صحيفة الديمقراطي يوم 21 أكتوبر 2020، أن نسبة الـ 6% هي فقط للإيرادات الضريبية الرسمية، ولا يدخل فيها التجنيب، والزكاة، ورسوم الولايات، وهنا أيضاً فإن عجز الحكومة عن تحصيل هذه الإيرادات تقابله الحلول السهلة التي ترهق المواطن بمزيد من الضرائب غير المباشرة، مثل الزيادات في ضرائب القيمة المضافة للاتصالات، والرسوم الحكومية.

من المستفيد من برنامج الحكومة؟

برغم تزيين خطابات الحكومة بشعارات الثورة، فالفحص الدقيق لبرنامجها الاقتصادي يوضح أنها لم تملك عزيمة حقيقية لتغيير مسار الاقتصاد السوداني الذي خلفه النظام البائد، ويبدو الفرق الأكبر في الارتماء في أحضان مؤسسات التمويل الدولية والمانحين، وهو ما لم يكن متيسراً لنظام الإنقاذ. لا يبدو أن الحكومة تراعي في قراراتها مصالح غمار المواطنين، فرغم قدرتها على القيام بخطوات عديدة تسهم في إصلاح الاقتصاد، لكنها اختارت عدم اتخاذها؛ لأنها ستهدد مصالح القوى المتنفذة في سودان اليوم، من رأسمالية نمت وترعرعت على السحت أيام البشير، ومليشيات استولت بغير حق على ثروات الوطن، وأجهزة عسكرية وأمنية لم تقم بدورها في حماية المواطنين ولا اقتصادهم، بينما احتفظت بإمبراطورياتها الاقتصادية بعيدة عن أعين أصحاب الشأن من أبناء الشعب وقياداتها تمد ألسنتها للحكومة المدنية لعجزها وفشلها. لذلك كان الأسهل دوماً السير في طريق يزيد حياة المواطنين صعوبة ومسغبة، وتكرار التعليل الفطير لدكتور البدوي، بأن الشعب بعد الثورة سيستحمل إن تم توضيح الأوضاع له، دون أن يفهم تحذير تقرير صندوق النقد الدولي من تآكل رصيد الحكومة، وضيق نافذة تقبل الجماهير لأي إجراءات اقتصادية قاسية.

من الشواهد على أن البرنامج الاقتصادي للحكومة يخدم نفس القوى المستفيدة في زمن الإنقاذ – باستثناء بعض رموز النظام المعروفين طبعاً – عجز الحكومة المخزي عن اتخاذ إجراءات تسيطر على إنتاج الذهب (ممن لا يملكون الحق في ذلك)، وتنظم عملية تصديره، وهو أحد أهم أسباب انخفاض سعر الصرف وزيادة التضخم. ورغم توضيح د. البدوي لموقفه من قضية الفاخر، بل وطلبه الصريح من رئيس الوزراء التحقيق فيها، وهو ما لم يحدث ولم يهتم أحد بإطلاع الشعب عما جرى فيه، إلا أن إجاباته المتكررة برفض الدعوات لسيطرة بنك السودان على عملية التصدير لا تبدو مقنعة.

ومنها أيضاً محفظة السلع الاستراتيجية، التي وضح الخبير الاقتصادي الهادي هباني في مقالة من جزءين في يونيو 2020، أنها تسلم استيراد السلع الاستراتيجية على طبق من ذهب – بدون مخاطر تذكر – لنفس (المافيا) التي كانت متحكمة في قوت الشعب وسلعه القومية في عهد النظام البائد، من بنوك (الخرطوم، والبركة، وفيصل، وأمدرمان الوطني)، ومصدري الذهب، وشركة الجنيد، ورجال أعمال.

ومن هذه الشواهد أيضاً الدعوات التي انطلقت لخصخصة بعض الأصول المستردة بواسطة لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال، ومن نافلة القول، إن ذلك يعني تسليمها مرة أخرى لكوادر النظام القديم المستترة أو طبقة رجال الأعمال التي ظهرت واغتنت في عهدهم.
وفي مقابل ذلك، ظل الدكتور إبراهيم وخليفته في الوزارة ومجمل خطاب الحكومة، يوحون بصعوبة قيام الدولة بالسيطرة على تصدير أهم منتجاتها ومحاصيلها عبر الشركات القومية، التي كانت تقوم بهذا الدور قبل أن يقوم نظام المؤتمر الوطني بتدميرها. وقد لاحظ الدكتور حسام الدين إسماعيل الاقتصادي بلجان المقاومة من قبل أن الدكتور إبراهيم البدوي ظل يطرح مشكلات لكل الحلول التي قدمها معارضو برنامجه – مثل الدعوات لإصلاح هذه الشركات – بقوله بصعوبة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذه الحلول، على عكس السهولة التي اتخذ بها قرارات كان المنطق يقول إنها أكثر صعوبة وضرراً.

خاتمة

إن المواصلة في تنفيذ البرنامج الاقتصادي للحكومة تهدد بكارثة حقيقية على الوطن والمواطنين، وعلى مصير الثورة والانتقال الديموقراطي، وعلى جميع القوى السياسية أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية لإيقاف هذه الكارثة، وخصوصاً القوى المسيطرة على ما تبقى من هياكل قوى إعلان الحرية والتغيير، ولا سيما المشاركة في الحكومة (حزب الأمة القومي، وحزب المؤتمر السوداني، والتجمع الاتحادي، وحزب البعث العربي الاشتراكي)، حتى وإن اقتضى الأمر أن يذهب دكتور حمدوك وحكومته. وإلى ذلك الحين فيجب أن يكون معلوماً أن السيد حمدوك هو المسؤول عن الأوضاع البائسة للاقتصاد السوداني، وعن التدهور المتوقع الذي ستشهده، كما يجب أن يكون معلوماً أن كثيراً من الخيارات كانت متوفرة لديه ولطاقم الحكومة الاقتصادي، ولكنهم اختاروا هذا الدرب الذي لا يملك – للأسف – أي فرص موضوعية لأن يحقق إصلاحاً اقتصادياً، يصب في مصلحة غالبية جماهير الشعب السوداني الكادحة والصابرة والعظيمة.
=====
انتهت كتابة ومراجعة هذه الورقة يوم الأحد 21 فبراير 2021

Leave a Reply

Your email address will not be published.