Wednesday , 28 September - 2022

سودان تريبيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

محمد مأمون أحمد مكي شهيد؟

بقلم: الإمام الصادق المهدي

الشهيد هو الذي يشهد بمقتله في سيبل الله لدين الله بالحق. قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى”[1].
هذا الشاب هجر نعيماً كان يمنحه له وضعه الاجتماعي وانضم لجبهة النصرة، وهي فرع من تنظيم القاعدة في سوريا نشط للإطاحة بالنظام “البعثي” هناك وإقامة دولة الشريعة أو الخلافة.
كان محمد رحمه الله يستمتع بمباهج الحياة المادية بكل أنواعها، ولكن منذ الأزل كما في قصة بوذا فإن المباهج المادية تخلو عادة من المعاني الروحية والمثل العليا، والإنسان لأن فيه قبساً من روح الله لا تشبعه المباهج المادية، ففي مجال المسائل المادية كلما حصل الإنسان على قسط منها تطلع لمزيد، ولكن المثل العليا، والمعاني الروحية هي التي يمكن أن تحقق للإنسان الطمأنينة، وهذا يفسر تلبية كثير من أبناء وبنات الأسر المنعمة لنداءات يتوسمون فيها إشباع جوعهم الأخلاقي والروحي.

من كان ذو حاجة ماسة لا ينتظر منه أن يفحص تفاصيل النداء، ففي كل حالة فإن دافع الحاجة لا قوة النداء تفسر التلبية، فكم من ملة أو عقدية تبدو غريبة أو منكرة لغير أصحاب الحاجة ولكنها تستقطب إليها أصحاب الحاجة سواء كانت الحاجة فكرية أو عاطفية، لذلك قيل:
وعينُ الرِّضا عن كلَّ عيبٍ كليلةٌ وَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا
كل ظاهرة في والوجود الطبيعي أو الاجتماعي خاضعة لقانون يفسرها، (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)[2].
جبهة النصرة فرع شامي من القاعدة، القاعدة أصلاً قاعدة الجهاد، وقد تكونت أثناء الحرب الجهادية لإجلاء الاحتلال السوفيتي من أفغانستان، وفي تكوينها العقدي استمدت من اجتهاد إسلامي أول رائد له في الفكر الحديث الشيخ أبو الأعلى المودودي (الهندي)، الذي نقل رؤيته إلى الساحة العربية الأستاذ سيد قطب، وفحواها: الحاكمية لله لأنه يقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ)[3] وتفسيرها في نظرهم أن ولاية الأمر كله لله وهي تلتقي هنا مع الاجتهاد الاثني عشري القائل بولاية الفقيه. والذين لا يقبلون هذا الفهم بدعوى اجتهاد فكري، أو رأي الشعب، أو الحداثة، أو غيرها من المفاهيم إذ ينازعون الله سلطانه يخرجون من الملة، إنهم كفار، وما دامت علة القتال في نظرهم هي اختلاف الملة فإن جميع أولئك هدف مشروع للقتال. هم كمسلمين أسماً أو الذين يدينون بملل أخرى لا عصمة لدمائهم ولا لأموالهم.
هذا الفكر ليس جديداً بل قتل بموجبه ثلاثة من الخلفاء الراشدين: قتل عمر (رض) من اعتبره معتدياً على صاحب الولاية المشروعة. وقتل عثمان (رض) من اعتبروه خالف أمر الله في الحكم. وقتل الخوارج علياً (رض) لأنه خالف نص إن الحكم إلا لله أي الإمرة لله.
هذا الاجتهاد الخارجي فهم أن آية السيف نسخت كل آيات التسامح في القرآن: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ)[4].
واعتبروا أن الإسلام هو داعية السيف برواية لحديث مؤيد لذلك: ” بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مَعَ السَّيْفِ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم”[5].
بموجب هذا الاجتهاد شيطنوا التعايش السلمي مع الآخر الملي أو المذهبي فلا سلام بيننا، وشيطنوا النظم السياسية الحديثة فالديمقراطية كفر، وشيطنوا الفكر الذي يخرج من الفهم النقلي، فالتفكير كالتكفير تطابقت الحروف وتطابق المعنى، وشيطنوا المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان وهي ناقصة عقل ودين ولا تجوز ولايتها في أمر عام: “لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً”[6].

هذه المفاهيم موجودة في التراث الإسلامي ولكن ما الذي أنعشها الآن؟
القاعدة لبت نداء القتال لطرد السوفيت من أفغانستان ويومئذ حظيت بدعم أمريكي كبير تسليحاً وتمويلاً وساهمت في ذلك بلدان عربية كثيرة، وبعد جلاء السوفيت اتجهت القاعدة لإجلاء بلاد المسلمين من القوات الأجنبية ما أدى للعداء لأمريكا والفتوى: إن قتل الأمريكان فريضة على كل مسلم.

منذ 11/9/2001م أعلنت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش حرباً عالمية ضد الإرهاب مستهدفة القاعدة في كل مكان ومستهدفة طالبان في أفغانستان، هذه الحملة لأنها اهتمت بالأعراض ولم تخاطب الأسباب زادت من تمدد طالبان في أفغانستان، وزادت من تمدد القاعدة في العالم الإسلامي، والتحقت بها حركات مع اختلاف العوامل المحركة لها تتفق في طرد الاحتلال الأجنبي السياسي أو حتى الثقافي. هكذا شهدنا القاعدة في جزيرة العرب، والقاعدة في المغرب، والقاعدة في بلاد الرافدين، وحركة الشباب الصومالي، وبوكو حرام.. وهلم جرا.

ثورة الربيع العربي في سوريا قوبلت بقمع السلطة وانطلقت حرب أهلية صار أقوى مناهضي السلطة فيها فرع للقاعدة باسم جبهة النصرة.

وفي العراق أدت نتائج الاحتلال الأمريكي لتطورات أخلت بالتوازن الطائفي في العراق فاتجه فرع القاعدة هناك إلى خطوة أكثر جرأة بالاستيلاء على جزء كبير من أراضي العراق وسوريا وإعلان خلافة إسلامية – داعش- وأبو بكر البغدادي خليفة للمسلين، واقبل على بيعته إمارات في درنة بليبيا، وجماعة بوكو حرام، وفي سيناء، وفي أماكن كثيرة، ولبى النداء للهجرة إلى “دار الخلافة” شباب من 80 دولة، وحتى في السودان هاجر إليها عدد من شبابنا كشباب الأطباء الذين سار بذكر هجرتهم الركبان.

وبايع كذلك جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة وهم جماعة سودانية منشقة من الأخوان المسلمين كما أعلن الولاء لها د. محمد علي عبد الله الجزولي.

حاجة الشباب في بلداننا وحتى في مجتمعات غربية لمثل عليا، ورغبتهم في إعلان استنكارهم لواقعهم الاجتماعي لا جاذبية أفكار القاعدة وداعش هي الوقود المغذي لتلبية نداء هذه الحركات القوية في التعبير عن الاحتجاج ولكنها كبديل للمستقبل واضحة القصور.
قلت كثيراً وأكرر: الشباب ليس مجرد مرحلة عمرية ولكنه مرحلة مثالية، وحماسة، وتفاؤل وهذه العوامل طاقة خلاقة إن وظفت في مجالاتها، ولكن إذا أحبطت فإنها تتحول لطاقة مدمرة تدمر نفسها وما حولها.
هنالك عوامل محبطة للشباب أهمها: غياب مشروع استنهاض يشبع المثالية الشبابية، وتحكم استبدادي يمنع المشاركة، وظلم اجتماعي في طرف منه ترف القلة، وفي الطرف الآخر الفقر والعطالة للكثرة، وفي أكثر الحالات ممارسة تبعية مذلة للخارج.

لذلك اتجه كثير من الشباب لظاهرة المخدرات حتى صارت منتشرة بشكل وبائي هرباً من الواقع فإن فيها سعادة وهمية.
وكثيرون اتجهوا لخيار اللجوء للغرب باعتباره جنة في الأرض، قال معلق في صحيفة النيويورك تايمز (29/4/2015م): “هؤلاء الآلاف الذين يخاطرون بحياتهم عبر الأبيض المتوسط لسان حالهم يقول: إن حالة أوطاننا من السوء بحيث نخاطر بحياتنا لكيلا نعود إليها”. مخاطرة كلفت هذا الشباب في العام الماضي 20 ألف غريق!

أما في السودان فقد شهد السودان تجربة فريدة، عاش السودان قبل عام 1989م مجتمعاً معتدلاً دينياً، ومدنياً ومعيشياً وشهد مشروعات للتأصيل والسلام معتدلة كذلك ولكن فئة من مواطنيه هيأ لها طموحها القفز فوق الواقع الاجتماعي ورفع شعارات طوباوية شدت إليه كثيراً من الشباب فأنشدوا:
في سبيل الله قمنا..
نبتغي رفع اللواء
لا لدنيا قد عملنا
نحن للدين فِداء
فليعُد للدين مجده
أو تُرق منا الدِماء..
أو تُرق منهم دِماء
أو تُرق كل الدماء..

وقال قائلهم: “نحن أبناء الفقراء سنحكم بطهارة اليد فإذا رأيتمونا نبني العمارات ونمتلك السيارات فاعلموا أننا قد فسدنا”.
رفع النظام الانقلابي السوداني شعارات إسلاموية لا تجارى وفي ربع قرن من الزمان حققت التجربة في كل المجالات نقيض شعاراتها.

وبقدر تهاوي شعارات النظام وإفراغ الواقع من معانيها تمددت حركات في الواقع السوداني تتبنى شعارات إسلاموية كثيرة داعية للطوباوية التي أفرغ وعدها النظام. كثير من هؤلاء استمالوا قطاعات من الشباب ووجدوا في القاعدة، والنصرة، وداعش، حلفاءهم الطبيعيين فاتجهوا نحوهم مبايعين ومهاجرين.

النظام الذي رفع شعارات إسلامية طوباوية وحقق بدل اليوتوبيا (المدينة الفاضلة) الدستوبيا (المدينة الفاسدة) لعب دوراً مهماً في تشجيع نمو تيارات طوباوية أخرى، وفي دفع شباب محبط إلى الخيارات الجديدة، وفي خلق مناخ جاذب لشباب لم يكن حفياً بشعارات النظام أصلاً ولكنه نفر من الواقع الاجتماعي فاتجه نحو نداءات الوعد بفجر جديد، بعض الناس يذم هؤلاء الشباب، الذين انخرطوا في تنظيمات القاعدة والنصرة وغيرها، وينعتهم بالقتلة. هؤلاء الشباب ليسوا قتلة، القتلة هم الذين أفتوا بأن اختلاف الملة والمذهب هو علة القتال، والقتلة هم الذين خلقوا الظروف المحبطة لشباب تشدهم المرحلة الشبابية نفسها بالفطرة للمثالية، والحماسة، والتفاؤل:
وَالقاتِلُ مَن يَضَعُ الفَتوى
بالقَتْلِ..
وَليسَ المُستفتي!
ألا رحم الله هؤلاء الشباب والشابات وجازاهم حسب نواياهم.

ولكننا في السودان نحتاج وعلى جناح السرعة للدعوة لمؤتمر قومي يشخص ظروف الشباب تشخيصاً موضوعياً لدراسة حالاتهم ومعاناتهم وسوف نفعل إن شاء الله.

أما الحل لهم، ولبلادهم، ولأمتهم ففي مشروع استنهاض يصدع به عدول في الدين، وعباقرة في الفكر، ما لم نهتد لتشخيص صحيح للحالة، ويقدم المؤهلون للدعوة لمشروع نهضوي يشبع حماسة ومثالية الشباب ويوفق بين التأصيل والتحديث فإن الداء سوف يزيد انتشاره بصورة وبائية.

سيقول جماعة النصرة إن تضحية محمد وزملائه كانت سبباً في استيلاءهم على ادلب في سوريا. أقول إن تمدد النصرة في سوريا جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل.

ولكن تضحية محمد بحياته لن تذهب سدى إذا نبهتنا جمعياً لمشاكل شبابنا وأيقظتنا لنجد في إيجاد الحل، ومثلما الأعمال بالنيات كما قال نبي الرحمة ففي الأثر: “وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ”[7] ليجازي الله محمد بنواياها وبمآلات مماته، فإن باب الرحمة لا حدود له (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)[8]. ولأهله ولجيله حسن العزاء.

[1] رواه البخاري ومسلم
[2] سورة طه الآية (50)
[3] سورة الأنعام الآية (57)
[4] سورة التوبة الآية (5)
[5] رواه احمد في المسند
[6] رواه البخاري
[7] رواه البخاري
[8] سورة الأعراف الآية (156)

Leave a Reply

Your email address will not be published.