Tuesday , 18 June - 2024

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

تنسيقية د. حمدوك والقوة الخشنة …البحث عن حاضنة الجديدة

حسين اركو مناوي

يقلم: حسين أركو مناوي

الأصعب في المشكلة السودانية ليس التحليل والنقد ولا البحث عن المخرج، بل التوافق حول المخرج. وأسوأ الأمراض يكمن في ثقافة الإقصاء والانفراد بالسلطة عند البعض في إدارة شؤون الدولة السودانية. هذه الثقافة أصبحت متجذرة وتمثل مصدر التحدي عبر عقود طويلة، حتى وصلت إلى درجة تأسيس قوى حزبية مثل حرية وتغيير المجلس المركزي، التي نشأت على ظهر ثورة مدنية وتحولت اليوم إلى قوة قاسية تسعى للسيطرة والتحكم، وذلك حتى تستطيع معاركها ضد منافسيها في معركة الإقصاء التي تخوضها منذ سقوط النظام السابق. وعلى الرغم من أن حركة حرية وتغيير قد تظهر بمظهر المدنية والديمقراطية، فإنها في الواقع تقاتل بشراسة من أجل تحقيق أهدافها وإقصاء الآخرين، وفي سبيل ذلك تلجأ إلى الاعتماد على دعم وتوجيهات خارجية، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار البلاد وسلامتها الوطنية. وهكذا، وصلت الحالة السودانية اليوم إلى مستوى لا يمكن تجاوزه، ويمكن تلخيصه في عبارتين؛ تمزيق الوطن والتدخل الخارجي.

بفي 15 أبريل 2023، لم تعد قراءة المشهد السياسي في السودان صعبة. كل شيء يحدده الموقف السياسي من أحداث السودان، وبالتحديد مواقف مثل: أين يقف فلان أو علان من وحدة السودان؟ ما الموقف السياسي والأخلاقي من الجرائم التي ترتكبها قوات الدعم السريع، وما الموقف من الأجندات الخارجية التي تمس سيادة ووحدة البلاد؟ هذه الأسئلة تُشكل معيارًا لفهم منحنيات المواقف السياسية بصورة دقيقة، صعوداً وهبوطًا، بياضًا وسوادًا، دون كسور أو تشويش. على الرغم من أنه في ما بعد 15 أبريل لم تكن هناك غيوم تغطي سماء المشهدين العسكري والسياسي، فمن الضروري ربط هذا المشهد بمحطة ما قبل 15 أبريل، تلك المحطة التي قادت الأوضاع إلى هذا المنحدر.

أثناء وبعد قيام ثورة 19 ديسمبر 2018, شاءت الأقدار ان تتحول السودان الي مضمار سباق تتعفّر فيه القوى الحزبية والدولية والمجتمع المدني في رمال السياسة. في هذا المضمار، المعركة السياسية لم تعد كما عهدناها, فاختلط الحابل بالنابل ودخل الناس في معترك لا يُسمع منه غير صهيل الخيل وصوت الحوافر وبات من المؤكد ليس كل من يُمْسك بأعنة الخيل هو سوداني، وحتى إن كان سودانياً ليس بالضرورة أنّه يتمتع بالاستقلالية أو له موقف سياسي يساهم إيجاباً لمصلحة مستقبل بلادنا مهما توسّمنا في بعض السودانيين الخير بل وربما هم المِعْول الهدّام الذي يتخفى خلف ستار سميك من شعارات وردية براقة تُخادع الرؤية كالحرباء وتوفر بطاقة مرور لكثير من سماسرة السياسة لمقايضة وحدة السودان ومستقبله باسم المدنية والديمقراطية، وهي شعارات في الظاهر يبدو هكذا لكنها في الواقع شبيه بموقف الشاعر أبي الطيب المتنبي في مدحه لأحد أمراء الدولة الحمدانية، سيف الدولة في قصيدة مشهورة منها؛
مَدَحتُ قوماً وإن عِشنا نَظَمتُ لهم ….قصائداً مِنْ إناث الخَيلِ والحُصُنِ.
تحت العَجاجِ قوافيها مضَمّرةً…إذا تنوشَدنَ لمْ يَدخلنَ في أُذنِ.

وبالفعل جاء يوم 15 أبريل 2023 وأثبت أن أنشودة المدنية والديمقراطية لا تدخل في أذن السودانيين، وأثبت أن أولئك الذين يتشدقون بالمدينة والديمقراطية ما هم إلا أحصنة طروادة لخدمة أجندة أجنبية وما هم إلا أدوات عبرهم تم تمرير جرثومة الإطاري مُغَلّفة في كبسولات من شعارات المدنية والديمقراطية في الوقت الذي كان من وراء هذه الشعارات جهد غير مسبوق لإعداد غزوة عسكرية محكمة ضد السودان ودكّ كل مدنه تحت سنابك قوات الدعم السريع، وهو مشهد ليس بطارئ إنما هو امتداد لسباقٍ نحو السلطة بدأ مبكراً إبّان الثورة ودخل في هذا المضمار أطراف كثيرة. بالطبع يجب ألا يفهم أن السودانيين لا يفهمون الديمقراطية أو أنهم ضد المدنية، بالعكس، السودانيون يفهمون ويعشقون الديمقراطية ولكن ليست الديمقراطية التي تأتي بإرادة الآخرين وهذا واضح من مواقف غالبية السودانيين تجاه أدعياء المدنية والديمقراطية، إذ ظللنا نلاحظ سخط وغضب عارم على نطاق واسع في كل أهل السودان وخاصة عندما يحاصرون ويطاردون هؤلاء في مدن السودان بل وفي عواصم دول أخرى.

حينما بدأ بنيان الإنقاذ يتداعى برز على السطح تحرك كثيف من أطراف شتى كلُ يريد أن يعرف أين موقعه من السلطة القادمة ما بعد انهيار ذلك النظام الذي طالما بسببه شهد البلاد على مدى ثلاثين سنة الماضية صراعاً عنيفاً نتج عنه اصطفافاً سياسياً، وعسكرياً وجهوياً واجتماعياً تحت ذريعة البحث عن دولة تسع الجميع ووضع حدٍ للإقصاء الذي كان يمارسه نظام الانقاذ. وقد كانت لهذا الإقصاء مساوئ كثيرة ومنها الشرخ الكبير بين السودانيين الذي سمح لجهات معادية أن تتخذها ثغرة لكى تتسلل إلى عمق الجبهة الداخلية وتتحكم في شأنِنا الداخلي في كل صغيرة وكبيرة

السباق نحو الإطاحة بـ عمر البشير لم يقتصر عند المعارضة فحسب إنما كانت هناك أجنحة من حاضنة النظام نفسه تتسابق مع المعارضة لقطع الطريق أمام اي محاولة للاستيلاء على السلطة.

كنا ولا زلنا نراقب هذا السباق المحموم والمتسارع الخطي . في هذا المضمار ليس كل متسابق كان حراً في إرادته أي بالفهم السوداني البعض منها تتحرك على شاكلة الخيل تجقلب والشكر لحماد، كما لم تكن الخيول كلها متكافئة لا في حجم القدرات المادية ولا التنظيم ولا المعلومات. القوي المتسابقة من ألوان الطيف فيهم قوى حزبية وجماهيرية وطنية أصيلة وقوي مرتبطة بدوائر أجنبية، البعض من هذه القوى تتحرك تحت وطأة شروط خارجية وعسكرية قاسية ، إلا أن القاسم المشترك هو إسقاط النظام وإن اختلفت في الرؤى حول ما بعد الإسقاط.

لمعرفة المواقف السياسية وتحديد الأدوار في هذا السباق السياسي، لا بد من العودة إلى المشهد ما قبل سقوط الإنقاذ لنرى كيف تطورت الأحداث وتدحرجت إلى هذا القاع السحيق ومن هم اللعيبة في هذا المشهد وهنا يجوز لآي من القوي السياسية والمدنية وحركات الكفاح المسلح بما فيها الحركة الإسلامية أن تدّعى بأنها ساهمت في إسقاط نظام الإنقاذ ولكن لا يحق لأي طرف أن ينفرد بشرف الادعاء بأنه الجهة الوحيدة التي أسقطت نظام الإنقاذ.

الثورة كانت تراكمية وكان النضال تضامنية إلا أنّ هناك عامل مهم عجّل في إسقاط النظام ألا هو التآكل الذي حدث داخل نظام الإنقاذ نفسه والتمرد والانقسام الداخلي للحركة الإسلامية حول إزاحة البشير او أبقاءه في السلطة. وأخيراً ما حدث من الاحتواء على قوات الدعم السريع التي أنشئت خصيصا للدفاع عن البشير وحمايته. فعلاً الحركة الإسلامية قررت إزاحة عمر البشير من السلطة وقد دفعت بوزير الدفاع آنذاك، عوض بن عوف لتولي السلطة وفي هذه الأثناء كان هناك سباق محموم من أطراف أخري لإزاحة عمر البشير وهنا قرر عمر البشير استدعاء محمد حمدان دقلو من صحراء هور حيث يرابط لمواجهة حركة التحرير، ويقوم بدلاً عنها بمهمة حمايته.

في خطوة مفاجأة استطاعت جهات دولية أن تختطف محمد حمدان دقلو من قبضة عمر البشير وتستخدم قوته الضاربة الخشنة بالتنسيق مع الجيش لإزاحة عمر البشير من السلطة وتقطع الطريق أمام وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة عبر انقلاب وزير الدفاع عوض بن عوف وقد ذكر الأستاذ جمال عنقرة من ضمن سلسلة مقالاته ( التأملات) في مقال بعنوان ” حميدتي…الاجتماع الخماسي ومسار الثورة” بتاريخ 23/4/2022. وقد ذكر أنّ ذلك اللقاء الخماسي كان في منزل علي مهدي واللقاء ضم السيد محمد حمدان دقلو قائد الدعم السريع وأربعة سفراء كما جاء في شهادة الأستاذ جمال عنقرة كما يلي ” وكان لاجتماع الخمسة الدور الأساسي في ذلك. الاجتماع لم يكن بين المجلس العسكري وبين قوى إعلان الحرية والتغيير، كما أشار السيد دقلو ولكنه كان بينه وبين أربعة سفراء”، انتهى كلام الأستاذ جمال عنقرة .

يبدو جلياً مما ورد في هذا الاقتباس إن هناك قوى دولية وإقليمية دخلت بقوة في المشهد السياسي وغيّر مجرى الأحداث لصالح مجموعات بعينها وعلى ذكر هذا اللقاء يمكننا نلاحظ كيف انتقل السيد محمد حمدان دقلو من مجرد حارس أمين ل عمر البشير ونظامه إلى رقم سياسي لا يمكن تجاوزه وفعلاً بعد هذا اللقاء أصبح الرجل (جوكر) أو (الرخ)، في اللعبة السياسية وتكاد كل التحولات في مسار الثورة لا تخلو من أدوار محمد حمدان دقلو بشكل أو آخر، حتى مؤتمر تنسيقية حمدوك في أديس أبابا في أواخر مايو 2024, كان دور حميدتى واضح في داخل القاعة التي وقعت فيها الاشتباكات بالأيدي وساد الهرج والمرج بسبب إدانة الدعم السريع.

كان اللقاء الخماسي هو القوة الدافعة التي ساعدت حميدتي في اختراق الطبقات السميكة للسياسة السودانية إلى درجة كان التنسيق بينه وبين الجيش في الإطاحة بالبشر تم على قدم المساواة، بل وقيل كان دوره مهماً في ممارسة الضغط على تنحي عوض بن عوف من منصب الرئاسة . بناءً علي اللقاء الخماسي يتضح جلياً انّ السند الإقليمي هو الذي صنع الرجل في نسخته بعد الإنقاذ، بل هذا السند هو قوة الدفع الأساسية لقذف محمد حمدان دقلو خارج مدار عمر البشير وإلحاقه بمدار آخر قوة جاذبيته في مكان ما خارج السودان، وفعلاً، لولا هذا السند ما كان لحميدتي أن يجرؤ في مغامرة التمرد علي البشير.

السؤال الذي ينتظر الإجابة هو هل السند الخارجي لحميدتي هو وراء كل التحولات التي حدثت في مسار الثورة؟
إلى حد بعيد جزء من الإجابة على هذا السؤال يكمن في الأدوار التي لعبها حميدتي بعد اللقاء الخماسي في المحطات التالية:
اولاً: الإطاحة بالبشير. عندما تم استدعاء حميدتي من صحراء وادى هور ، جاء خصيصا لحماية عمر البشير ونظامه ولكن وجد في الخرطوم مناخاً سياسياً مختلفاً حيث قوى جماهيرية ودولية وحزبية قطعت شوطا كبيراً في محاصرة رئيسه عمر البشير ومن أول لقاء به شعر حميدتي أن الرجل خارت قوته ولم يعد عمر البشير الذي كان يعرفه فوجد الطريق ممهداً للإطاحة به من خلال قوة لا يحلم بها ابداً فانتقل مسرعاً إلى نادي قوته تُستمد من السند الخارجي.

ثانياً: كانت اغلب الأطراف في السباق السياسي تخطط في قطع الطريق أمام عودة الإسلاميين إلى السلطة او استبدال البشير بشخصية أخرى ويبدو ضمن مهمة محمد حمدان دقلو هي قطع الطريق أمام عوض بن عوف وزير الدفاع حتى لا يستلم السلطة بدلاً عن عمر البشير.

ثالثا: محمد حمدان دقلو شارك بكل ثقله في صياغة وإخراج الوثيقة الدستورية التي كانت تعتبر طعنة نجلاء في ظهر الثورة بل الوثيقة الدستورية هي الآلية التي وفرت مسوغ وأضفت نوع من الشرعية ل قحت والمكون العسكري لكي تقوم بإجهاض ثورة 19 ديسمبر.

رابعا: كل الدلائل تشير إلى دور محمد حمدان دقلو في فض الاعتصام أمام القيادة العامة حيث ان لقطات الكاميرا أظهرت وجوداً كثيفاً لجنود يتبعون لقوات الدعم السريع يقومون بضرب وتعذيب المتجمهرين أمام القيادة العامة.

خامسا: بما ان محمد حمدان دقلو أحد المتهمين بفض الاعتصام كان فض الاعتصام خطوة حاسمة في قطع الطريق أمام الثورة وبفض الاعتصام أخذت الثورة مساراً جديداً فيه اتفق جزء أساسي من القوى السياسية ( قوي الحرية والتغيير) مع المكون العسكري لإنشاء آليات لإدارة الفترة الانتقالية.

سادساً: كان محمد حمدان دقلو أقوى داعم للاتفاق الإطاري الذي كانت الأصابع الخارجية واضحة في صياغته.

سابعا: بالرغم من وجود أياد خارجية خفية وشراكة واضحة لقوى الحرية والتغيير المجلس المركزي كان محمد حمدان دقلو هو صاحب القدح المعلى فى تخطيط وتنفيذ المحاولة الانقلابية في 15 أبريل 2023.

ثامنا: الاتفاق الإطاري كان بمثابة مرجعية سياسية يشرعن التزاوج بين الدعم السريع وقوي الحرية والتغيير المجلس المركزي ويوفر قوة عسكرية خشنة قادرة على احتكار السلطة وممارسة الإقصاء بقوة السلطة. وعلى ذكر القوة الخشنة قد بذل قائد الدعم السريع وأطراف سياسية وإقليمية جهداً مبالغاً أحياناً لا يخلو من الترهيب لجر قوى الكفاح المسلح وخاصة حركة التحرير قيادة مناوي وحركة العدل والمساواة إلى صف الاتفاق الإطاري سواء قبل او بعد 15 أبريل 2023, ولكن كل المحاولات باءت بالفشل. ذلك الجهد الكبير لتوسيع دائرة القوة الخشنة ضد مؤسسة الجيش لم يُكلل بالنجاح وجاءت الطامة الكبرى في محاولاتهم للاستيلاء على السلطة في 15 أبريل 2023 ،والتي وقعت كالصاعقة على المشروع الإطاري، وكانت فعلاً ضربة قاضية حيث أحرقت جميع كروت الحاضنة السياسية (قوي الحرية والتغيير المجلس المركزي) مما حدا إلى بحث حاضنة سياسية جديدة أو ربما تلميع وجه الحاضنة القديمة فلجأت أصحاب المصلحة إلى خلق جسم جديد تحت مسمي تنسيقية قوى المدنية الديمقراطية (تقدم) واختاروا لها رئيس وزراء السابق د حمدوك ليرأس هذا الجسم الجديد .