الثلاثاء , 27 أكتوبر - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

القمة الروسية الإفريقية الثالثة.. هل يحسن السودان استثمار الفرصة هذه المرة؟

أمية يوسف حسن أبوفداية

أمية يوسف حسن أبوفداية

تأتي القمة الروسية الإفريقية الثالثة، المقرر انعقادها في العاصمة الروسية موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة للسودان، الذي يواجه حرباً مدمرة وأزمة اقتصادية وإنسانية عميقة، ويحتاج إلى إعادة بناء علاقاته الدولية على أساس المصالح المتبادلة، وجذب الاستثمارات، واستعادة قدرته على توظيف موارده الضخمة في خدمة شعبه.

ومن المنتظر أن تبحث القمة، بمشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعدد من القادة والمسؤولين الأفارقة، آفاق التعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والتجارة والاستثمار، إلى جانب وضع إطار للتعاون الروسي الإفريقي للأعوام 2027 و2028 و2029. وتمثل هذه الملفات فرصة مهمة للسودان، شريطة أن ينتقل من مرحلة المشاركة السياسية وتوقيع الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ والمتابعة وتحقيق النتائج الملموسة.

ويقود الفريق أول عبد الفتاح البرهان الوفد السوداني، بمشاركة وزير الخارجية وعدد من الوزراء المختصين. وهي خطوة تعكس اهتماماً رسمياً بالتعاون مع روسيا، وإن جاء هذا الاهتمام متأخراً قياساً بحجم التحديات التي تواجه البلاد، وبحجم الفرص التي يمكن أن تتيحها الشراكات الدولية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني.

لكن المشكلة السودانية لا تكمن دائماً في غياب الفرص أو نقص الاتفاقيات، وإنما في ضعف المتابعة المؤسسية. فقد ظلت شكاوى عدد من شركاء السودان وأصدقائه تتعلق ببطء التواصل، وضعف التنسيق بين الجهات الحكومية، وعدم متابعة الاتفاقيات الموقعة حتى تصل إلى مراحل التنفيذ. والنتيجة أن فرصاً استثمارية مهمة قد تتعطل أو تضيع، بينما تمضي دول أخرى بخطوات أكثر جدية نحو استقطاب رؤوس الأموال والخبرات الدولية.

إن توقيع اتفاقية، مهما بلغت أهميتها، لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب اقتصادية. فالاتفاقية تحتاج إلى جهة مسؤولة عن تنفيذها، وجدول زمني واضح، وميزانية محددة، ومؤشرات لقياس الإنجاز، ومتابعة مستمرة لا تتوقف بتغيير الوزير أو غياب المسؤول أو انتقال الملف من مؤسسة إلى أخرى.

من الضروري أن تبادر الحكومة السودانية إلى تشكيل لجنة مشتركة رفيعة المستوى لمتابعة الاتفاقيات مع روسيا وغيرها من الدول، على أن تضم ممثلين عن الوزارات والجهات الاقتصادية والاستثمارية ذات الصلة، وأن تتمتع بصلاحيات واضحة، وترفع تقارير شهرية إلى رئيس مجلس الوزراء، وتقارير دورية إلى مجلس الوزراء بشأن ما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر.

وينبغي أن تكون هذه اللجنة مؤسسة مستدامة لا تتأثر بتغيير الوزراء أو غياب المسؤولين، وأن تمتلك قاعدة بيانات موحدة تتضمن جميع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والتمويل المتوقع، والجداول الزمنية، والعقبات التي تستوجب تدخلاً سياسياً أو إدارياً.

كما لا يجوز تجاهل شكاوى المستثمرين الأجانب والمنظمات الطوعية الدولية الراغبة في مساعدة السودانيين على استعادة مصادر دخلهم وتمكينهم اقتصادياً. فالمطلوب ليس استقطاب المساعدات والإغاثة وحدها، بل تشجيع المشروعات الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، ودعم المشروعات الصغيرة، ونقل التكنولوجيا والخبرات. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل البيروقراطية المفرطة أو الإجراءات المتضاربة أو المضايقات التي قد تدفع الشركاء إلى توجيه مشروعاتهم واستثمارتهم إلى دول أخرى .

تملك روسيا إمكانات يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد السوداني، خصوصاً في مجالات النفط والغاز والتعدين والطاقة والكهرباء والزراعة والثروة الحيوانية والبنية التحتية. ويستطيع السودان، بما يمتلكه من أراضٍ زراعية وموارد معدنية وثروة حيوانية وموقع استراتيجي، أن يقدم فرصاً حقيقية للشركات الروسية، مقابل استثمارات وتمويل وخبرات وتقنيات تسهم في زيادة الإنتاج والصادرات.

سياسياً ودبلوماسياً، أظهرت موسكو استعداداً للدفاع عن مواقف الحكومة السودانية في مجلس الأمن. ففي 18 نوفمبر 2024، استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع قرار بشأن السودان، رغم تأييده من الأعضاء الأربعة عشر الآخرين في المجلس. وقد بررت موسكو موقفها بالاعتراض على ما اعتبرته مساساً بسيادة السودان وسلطة حكومته. وهذا موقف مهم في حسابات الخرطوم الدبلوماسية .

إن المطلوب من زيارة البرهان إلى موسكو ليس مجرد المشاركة في القمة أو إصدار بيان مشترك، بل العودة بنتائج محددة، واتفاقيات قابلة للتنفيذ، ومشروعات ذات جداول زمنية واضحة، وآليات تمويل ومتابعة معلنة.

فالسودان لا تنقصه الموارد ولا الفرص بقدر ما تنقصه الإدارة الفاعلة والاستمرارية المؤسسية. وكم من فرصة كان يمكن أن تغير واقع البلاد الاقتصادي لو وجدت من يتابعها حتى النهاية!
إن نجاح هذه القمة بالنسبة للسودان لن يقاس بعدد الاجتماعات أو الصور أو الاتفاقيات الموقعة، وإنما بما ستضيفه فعلياً إلى الإنتاج الوطني، وما ستوفره من وظائف، وما ستجلبه من استثمارات، وما ستسهم به في تحسين حياة المواطنين. وتلك هي المسؤولية التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج السياسة ومراسم الدبلوماسية.

باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي