شريان حياة محفوف بالمخاطر… «ستارلينك» يكسر عزلة الموت في دارفور
طويلة 2 مارس 2026- على بُعد 68 كيلومتراً فقط من جحيم الفاشر غرباً، وفي بلدة طويلة الهادئة نسبياً، يتحول مشهد النزوح اليومي إلى طقس غريب من نوع آخر. داخل مساحة صغيرة مشيدة من جذوع الأشجار والقش، يجلس عشرات النازحين في صمت مطبق، عيونهم شاخصة نحو شاشات هواتفهم المتواضعة، ينتظرون.
لا ينتظرون الدقيق، رغم أن الجوع يقرص بطون أطفالهم، ولا ينتظرون الدواء، رغم أن المرضى يتوسدون التراب في الخيام المجاورة. هم ينتظرون شيئاً آخر: إشارة خضراء تظهر فجأة على شاشات هواتفهم، لتخبرهم أن شبكة “الواي فاي” المتصلة بجهاز “ستارلينك” عادت للعمل مجدداً.
“الإشارة تختفي وتظهر، أحياناً ننتظر لدقائق حتى نتمكن من إرسال رسالة صوتية قصيرة، لكن هذا أفضل من العدم”، يقول أبو بكر آدم، نازح من حي الرديف بالفاشر، يجلس القرفصاء في ركن قصي ممسكاً بهاتف قديم تفطّرت شاشته.
ستارلينك.. شريان حياة
منذ أشهر، وتحديداً بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، انقطعت كل وسائل الاتصال عن مئات الآلاف من السكان العالقين داخل المدينة، وعن النازحين الذين تمكنوا من الفرار إلى طويلة والقرى المحيطة. شركات الاتصالات الأربع العاملة في السودان (زين، إم تي إن، سوداني، كنار) توقفت تماماً عن العمل في عموم دارفور منذ اندلاع الحرب؛ إما نتيجة تدمير أبراجها، أو لانعدام الوقود، أو لخروج المناطق عن سيطرة الدولة.
في هذا الفراغ الكبير، ظهرت أجهزة “ستارلينك”، التابعة لشركة “سبيس إكس” المملوكة للملياردير إيلون ماسك، كحل وحيد لكسر العزلة. فجأة، صارت السماء هي النافذة الوحيدة التي يطل منها سكان دارفور على العالم.
“لولا ستارلينك، لكنا في العصر الحجري”، يقول أبو بكر بمرارة. “لا نعرف إن كان أهالينا في الفاشر ما زالوا أحياءً أم ماتوا. ابنتي وزوجها وأطفالهما الخمسة عالقون هناك، آخر خبر وصلني قبل 20 يوماً أنهم يحتمون بمدرسة وتُحاصرهم الميليشيات. ماذا حدث لهم بعدها؟ لا أدري”.
الأسعار.. بين القدرة والاضطرار
على باب المكان، تُعلّق لافتة صغيرة مكتوبة بخط اليد: “ستارلينك: الساعة 1000 جنيه”. سعر يبدو خيالياً في منطقة انهارت فيها العملة وتوقف فيها الدخل تماماً، لكن المفارقة أن عشرات النازحين ينتظرون دورهم لدفع هذا المبلغ.
يقول صالح يعقوب، صاحب الموقع، لـ “سودان تربيون”: “الناس مضطرة، ليس لديهم خيار آخر. بعض الأماكن الأخرى تبيع الساعة بـ 1500، لكني أحاول التخفيف عن الناس. هنا الساعة بألف، لكن الحق أن الاتصال لا يستمر أكثر من 4 ساعات بالألف، وأحياناً أكتفي بـ 500 إذا كان الحال صعباً جداً. لا أربح كثيراً، لكني أشعر أن هذه رسالة”.
ويضيف: “أدفع أنا 120 دولاراً شهرياً للباقة الأساسية، ورسوماً إضافية للسرعة. الأجهزة تُجلب من ليبيا أو تشاد عبر التهريب. كل شيء صعب، لكن معاناة الناس أضعاف أضعاف ما نعانيه”.
بكاء لـ 40 دقيقة
في ركن آخر تجلس خديجة محمد (55 عاماً) تبكي بصوت خافت. بعد 45 دقيقة من الانتظار، تمكنت من إجراء مكالمة صوتية مع ابنها الأكبر العالق في الفاشر. “كان يبكي ويقول: أمي، الجوع يقتلنا. لا نملك مالاً لشراء ماء، ولا دواء. لقد مرضنا كلنا. أطفالي الصغار يموتون أمام عيني، وأنا لا أستطيع شيئاً”.
تتنهد خديجة بعمق: “ماذا أقول له؟ أنا هنا في خيمة بلا سقف مناسب، وآكل مرة في اليوم. الفرق الوحيد أنني أستطيع التنفس بحرية، أما هم ففي سجن كبير اسمه الفاشر”. وتضيف: “بكيت 40 دقيقة بعد المكالمة، ثم عدت إلى الراكوبة مرة أخرى، لعلّي أسمع صوت حفيدي قبل أن يموت”.
مخاوف أمنية وتجسس
لكن استخدام “ستارلينك” في مناطق الحرب ليس مجرد رفاهية تقنية، بل يحمل مخاطر كبيرة. يقول المهندس أسامة حسن، المتخصص في الشبكات والنازح من الفاشر إلى طويلة: “ستارلينك تعمل عبر أقمار صناعية، وهذا يعني أن كل اتصال يمر عبر محطات أرضية خارج السودان. نظرياً، يمكن لأي جهة تمتلك القدرة التقنية أن ترصد هذه الاتصالات، خاصة إذا كانت تمتلك أدوات مراقبة متطورة”.
ويضيف: “في مناطق الحرب، يصبح تحديد المواقع الجغرافية للمستخدمين مسألة حياة أو موت. إذا تمكنت قوات الدعم السريع أو أي جهة أخرى من تتبع إشارات الأجهزة، يمكنها استهداف الناشطين والصحفيين، بل وحتى المدنيين العاديين”. ويروي أسامة حادثة وقعت قبل أسابيع: “بعض النازحين أخبروني أنهم تلقوا رسائل تهديد بعد استخدامهم للإنترنت، تتهمهم بالتواصل مع الجيش. لا نعرف كيف تم تحديدهم، لكن الاحتمالات متعددة”.
توثيق الجرائم.. والناجون يروون
في ظل هذا الخطر، يظل “ستارلينك” الأداة الوحيدة التي تمكن النشطاء والصحفيين من توثيق ما يحدث داخل الفاشر. عبر اتصال متقطع، تصل يومياً شهادات جديدة من داخل المدينة المحاصرة: رسائل استغاثة من معتقلين يموتون بسبب الكوليرا، وشهادات عن إعدامات ميدانية.
يقول أبو بكر (اسم مستعار لناشط إغاثي فضّل عدم ذكر اسمه) لـ “سودان تربيون”: “بعض العالقين في الفاشر اعتمدوا على رسائل ورقية تُهرّب مع الفارين. كانت تصل أحياناً، ولكننا هنا بفضل ستارلينك نستطيع توثيق الانتهاكات بشكل شبه فوري. أرسلنا صوراً لمئات الجثث، وشهادات لناجين من الإعدام، ومقاطع فيديو للمعاملات السرية داخل المعتقلات”. ويضيف: “لكن المشكلة أن معظم النازحين لا يملكون هواتف ذكية حديثة، ولا يستطيعون تحمل تكاليف الإنترنت. الكثير من الشهادات تضيع لأن أصحابها لا يملكون وسيلة لإيصالها”.
نزوح إلى طويلة.. وأمل بالاتصال
منذ سقوط الفاشر بيد الدعم السريع في أواخر أكتوبر 2025، فرّ آلاف السكان باتجاه المناطق الأكثر أمناً نسبياً، وفي مقدمتها بلدة طويلة التي تبعد 68 كيلومتراً فقط. تقارير المنظمات الإنسانية تشير إلى أن أكثر من 25 ألف شخص وصلوا إلى البلدة وحدها، بينما توزع الآلاف على مخيمات القرى المجاورة.
لكن الوصول إلى طويلة لم يكن نهاية المأساة، فالمخيمات هنا تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة: مياه نظيفة، طعام، دواء، مأوى. ومع ذلك، يصر النازحون على البقاء على اتصال مع من خلّفوهم وراءهم. “آخر مرة تحدثت مع عمتي في الفاشر، كانت تبكي وتقول إن الجيران ماتوا جميعاً”، تقول آسيا نور (30 عاماً)، نازحة من حي السلام. “منذ 10 أيام لم نسمع عنها شيئاً. أخشى أن تكون ماتت، أو أن جهاز ستارلينك الذي كنا نستخدمه قد انكسر أو سُرق. كل شيء ممكن هناك”.
صمت دولي وانتظار كارثة
رغم التحذيرات المتكررة، لا يزال المجتمع الدولي عاجزاً عن تقديم استجابة ملموسة لإنقاذ سكان الفاشر والنازحين في طويلة. المساعدات الإنسانية لا تصل، والممرات الآمنة مغلقة، والاتصالات شبه معدومة.
يقول منسق إغاثة في طويلة: “ستارلينك هو الشيء الوحيد الذي يربط هؤلاء الناس بالحياة، لكنه ليس حلاً. الناس يموتون جوعاً ومرضاً، وأغلبهم لا يملك حتى ثمن نصف ساعة إنترنت. نحن أمام كارثة إنسانية كبرى، والعالم ينام”.
وحيث “استارلينك” لا يزال العشرات ينتظرون في تلك المساحة الصغيرة. بعضهم يهمس بدعاء، والآخر يحدق في السماء كأنه يبحث عن القمر الصناعي الذي قد يحمل إليه صوت ابنه الضائع.
تقول امرأة مسنة بصوت خافت: “نحن لا نطلب كثيراً، فقط نريد أن نطمئن على أطفالنا قبل أن نموت. حتى الموت أصبح أسهل عندما تعرف أن من تحبهم بخير”.
في الفاشر التي سقطت، وفي طويلة المكتظة، وفي كل بقعة من دارفور، تظل أجهزة “ستارلينك” تشبه رسائل في قوارير: تطفو على سطح محيط من الموت، تحمل آخر كلمات الناجين قبل أن يبتلعهم الصمت.
