سوق العمل في السودان.. ثلاث سنوات من الانهيار تحت مقصلة الحرب
الخرطوم 1 مارس 2026- يواجه سوق العمل في السودان انهياراً غير مسبوق جراء الحرب المستعرة بين الجيش وقوات الدعم السريع لما يقارب الثلاث سنوات؛ حيث وجد العمال بمختلف تصنيفاتهم (المنظمة وغير المنظمة) أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الفقر والنزوح، وتحولوا إلى أشباح يطاردون لقمة العيش.
والعمال هم الفئة الأكثر تضرراً من الحرب في السودان، حيث فقدوا أدوات الإنتاج ومصادر الدخل اليومي دون غطاء تأميني أو بدائل إغاثية مخصصة لهم. وأدى اختفاء الأسواق بعد تدميرها ونهبها في العاصمة الخرطوم ومدينة ود مدني وسنار وسنجة وغيرها، إلى إنهاء آلاف الوظائف غير المنظمة والأعمال الهامشية والعمل المنظم. كما تسبب التدمير والنهب والحالة الأمنية في نزوح ملايين العمال من مناطق الإنتاج، والخروج إلى مناطق أخرى ومراكز إيواء لم تتوفر لهم فيها سبل جديدة للعمل.
النزوح المهني

وتظهر قصص الكوادر المهنية التي انخرطت في عمالة اضطرارية بمناطق النزوح حجم المأساة، حيث يُجبر هؤلاء على ممارسة أعمال شاقة لا تليق بأعمارهم أو خبراتهم العلمية لمجرد البقاء على قيد الحياة. وغدت التخصصات الأكاديمية جزءاً من الماضي، بينما تحورت المهن لدى آخرين؛ فمنهم من استطاع التكيف وتأمين لقمة العيش، ومنهم من أخفق في ذلك.
وتؤكد وزيرة الدولة بوزارة الرعاية الاجتماعية، سليمى إسحاق، لـ«سودان تربيون» أن العنف الاقتصادي يمثل أحد أخطر أشكال الانتهاكات، مشبهةً إياه بالعنف الجنسي الذي مورس ضد النساء في سياق النزاع الحالي. وأوضحت أن هذا النوع من العنف بدأ بنهب الأموال، وحرمان النساء من الوصول إلى الموارد ومصادر الرزق، ومنعهن من العمل، ولا سيما في القطاع الزراعي. وشددت الوزيرة على أن هذا التضييق حرم العاملات من إعالة أنفسهن وتوفير الغذاء لأسرهن.
وأشارت إسحاق إلى أن النساء يمثلن 70% من القوى العاملة في المهن البسيطة والقطاع غير المنظم، مما يجعلهن الفئة الأكثر تضرراً. وكشفت عن توجه الوزارة الحالي لتنفيذ مشاريع تنموية مستدامة، مؤكدة أن الهدف هو تقديم برامج ذات أثر حقيقي بعيداً عن الدعم المادي المؤقت أو المبادرات القائمة على “الشفقة”. كما أعلنت عن دراسة مجموعة من المشاريع الحالية والمستقبلية المخصصة للنساء، إلى جانب مبادرات شبابية من رواد أعمال تعتمد على أفكار ابتكارية طموحة. واختتمت الوزيرة حديثها بالإشارة إلى أن سياسة العنف الاقتصادي وإفقار النساء كانت فعلاً مقصوداً، منوهةً بأنه إذا كان السودانيون يعيشون تحت خط الفقر قبل اندلاع الحرب، فإنهم اليوم يواجهون معاناة العيش في ظل الفقر المدقع.
تأثر العمالة المساندة

وقال وزير الصناعة في ولاية البحر الأحمر، أحمد طاهر، إن الحرب أثرت على كثير من القطاعات، مؤكداً في حديث لـ«سودان تربيون» أن شريحة العمال هي الأكثر تأثراً، خاصة في المصانع. ونوه إلى أن الفئة الأكثر تضرراً هم العمال الذين يقومون بوظائف مساندة في عمليات الإنتاج، وأصحاب الصناعات الصغيرة مثل الحدادة والبرادة وغيرها.
من جهتها، قالت وزيرة الرعاية الاجتماعية بولاية البحر الأحمر، إلهام إدريس، إن كثيراً من الذين يعولون الأسر النازحة أصبحوا بلا دخل لإعانة أسرهم، وفقدوا الكثير من الوظائف. وأوضحت أنه بعد تحرير الكثير من المدن، هناك عودة طوعية لعدد من الولايات مثل الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض، مبينة أن هناك عدداً من النازحين في 53 مركزاً، وأكثر من 50 ألف شخص (ما يعادل 10 آلاف أسرة) يتلقون مساعدات من مفوضية العون الإنساني ومنظمات المجتمع المدني.
فقدان الثقة
وأكدت عضو لجنة المعلمين السودانيين، إشراقة النجيب، في تصريح لـ«سودان تربيون»، أن الحرب ألقت بظلالها القاتمة على النساء العاملات من النواحي كافة: اقتصادياً، وصحياً، وأمنياً، وأخلاقياً، واجتماعياً، وأسرياً. وأوضحت أن مقومات الحياة باتت شبه معدومة، ولم تعد تتوافق مع متطلبات المعيشة في ظل الدخل المحدود للنساء المتبقيات داخل السودان.
ونوهت النجيب إلى التأثيرات الصحية الكارثية على النساء والعمال جراء انعدام الدواء وتوقف المستشفيات عن العمل، مما أدى إلى تفشي الأمراض وارتفاع معدلات الوفيات. وفي سياق متصل، نبهت إلى وجود تأثير اجتماعي عميق؛ حيث تعرضت النساء لفقدان الثقة في أنفسهن نتيجة اضطرارهن للعمل في مهن لا صلة لها بدراستهن أو تخصصاتهن العلمية. كما لفتت إلى نشوب خلافات أسرية حادة بسبب ظروف النزوح والاختلاط القسري وانعدام سبل العيش.
أما بخصوص النساء النازحات في الخارج، فقد أشارت النجيب إلى أن انخراطهن في مجالات عمل هامشية أفقدهن الشعور بالقيمة والثقة بالذات. واختتمت حديثها بالتحذير من أن مستقبل التأثير على العمال والنساء سيكون كبيراً، مشددة على أن مسؤولية الدولة تكمن في إعادة الثقة لهذه الفئة عبر إقامة مشاريع تنموية، وتوفير مراكز متخصصة للدعم النفسي، وضمان سبل المعيشة الكريمة، وتعويضهم مادياً ومعنوياً عن خسائرهم.

تآكل الأجور
يمثل قطاع العمال في السودان العمود الفقري للاقتصاد، إلا أنه بات اليوم الفئة الأكثر هشاشة وتضرراً. وتظهر بيانات جمعتها «سودان تربيون» صادرة عن منظمة العمل الدولية (ILO) ونقابات العمال السودانية، أن معدل البطالة قفز من 32% قبل الحرب إلى ما يقارب 80% في المناطق المتأثرة بالنزاع.
وأوضحت البيانات أيضاً فقدان أكثر من 5 ملايين شخص لمصدر دخلهم الرئيسي منذ اندلاع الحرب. وأكدت التقارير أن القطاع غير المنظم يمثل 65% إلى 70% من اقتصاد العاصمة الخرطوم، وهو القطاع الذي تبخر بالكامل نتيجة النهب والحريق. كما أشارت تلك التقارير إلى تآكل الأجور، حيث انخفضت القوة الشرائية لمن احتفظوا بوظائفهم بنسبة تتجاوز 85% بسبب التضخم وانهيار العملة.
بلا معدات
وأشارت كريستينا آدم جاه الله -التي تعمل في شارع النيل بالخرطوم- إلى فقدانها لكل ما تملك، بجانب “كشك” كانت تعمل فيه لتوفير لقمة عيشها. وقالت لـ«سودان تربيون» إنها فقدت كل شيء مع تدمير الكشك ومنع السلطات للعمل في شارع النيل.
عودة مستحيلة
وتقول الأمينة العامة لجمعية “كل المهن” التعاونية، لين عز الدين، لـ«سودان تربيون»، إن عضوات الجمعية من “بائعات الشاي والطعام” فقدن أعمالهن وأدواتهن منذ اندلاع الحرب، وذكرت أن منهن من حاولن العمل في مهن أخرى مثل صناعة المخبوزات والصابون وغيرها.
وكشفت عن عودة الكثير من البائعات إلى الخرطوم، لكنهن يواجهن صعوبات جمة، مثل عدم توفر مكان للعمل أو زبائن، بينما تعاني أخريات من مشاكل عديدة تعيق عودتهن، إذ لا يملكن شيئاً يعينهن على العودة أساساً.
ومن جانبها، تقول إيمان يوسف، العاملة في موقف المحطة الوسطى ببحري في بيع الشاي، لـ«سودان تربيون» إنها واجهت ظروفاً قاسية جداً بسبب الحرب. وأبانت أنه بعد إعلان دخول الجيش للخرطوم، عادت وأسرتها للعاصمة، لكنها واجهت وضعاً أكثر صعوبة حيث عملت في أعمال البناء والحفر.
انتهاكات مستمرة
وعلى خط متوازٍ لتأثير الحرب على العمال السودانيين، تمثل الانتهاكات ضد القطاعات المهنية في البلاد واقعاً مأساوياً آخر. وأكد تقرير حول الانتهاكات أعده “مركز التضامن” (Solidarity Center) -وهو أكبر منظمة أمريكية دولية حقوقية للعمال- أن الأمر لم يقتصر على التدمير المادي لأكثر من 2000 مدرسة وخروج ثلاثة أرباع المرافق الصحية عن الخدمة، بل امتد ليشمل القتل المباشر والاعتقال التعسفي للمهنيين؛ حيث وثق التقرير مقتل العشرات من المعلمين والأطباء والصحفيين، وتحويل المنشآت الخدمية إلى ثكنات عسكرية، مما أدى إلى شلل تام في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.
استبعاد وتحرش
وفي سياق متصل، أكدت دراسة تقييم الاحتياجات والمسح القاعدي لعاملي الاقتصاد غير الرسمي (بائعات الشاي والعاملات المنزليات)، التي أعدها “مركز التضامن” وتلقتها «سودان تربيون»، وجود هشاشة واسعة النطاق تشمل عدم الاستقرار الاقتصادي، وغياب الحماية القانونية، والتعرض للتحرش، والاستبعاد من الخدمات المالية والاجتماعية. وعلى الرغم من دورهن الحيوي في إعالة الأسر، تواجه هذه النساء عوائق نظامية تحد من سلامتهن وكرامتهن.
وأفادت الدراسة بأن نسبة كبيرة من النساء العاملات فقدن الشعور بالأمان وعانين من التحرش (اللفظي والجنسي) الذي وصفته الدراسة بـ”الشائع”، مع انعدام الثقة في آليات التبليغ الرسمية. كما زاد انتشار الأسلحة في الأماكن العامة من حدة الشعور بانعدام الأمن. وذكرت الدراسة أن مجموعات النساء العاملات يواجهن صعوبات كبيرة؛ حيث يحصلن على دخل غير منتظم لا يكفي لتغطية نفقات المعيشة الأساسية بسبب التضخم العالي، مما يدفعهن للاقتراض أو تقليل الاستهلاك اليومي.
وكشفت الدراسة بشأن الوصول إلى الخدمات الأساسية أن الخدمات الصحية متاحة فيزيائياً لكن تكلفة الأدوية باهظة، ويفتقر معظم المشاركين إلى التأمين الصحي، كما أن وصول الأبناء إلى التعليم غير مستقر بسبب التكاليف. وتشير الدراسات إلى أن الحرب تسببت منذ أبريل 2023 في انهيار كارثي في سوق العمل، حيث ارتفعت معدلات البطالة لتتجاوز 47% (وتصل إلى 75% في تقديرات أخرى)، مع فقدان أكثر من 4.6 مليون وظيفة. وتعرّض القطاعان العام والخاص لضربة قاسية بسبب تدمير البنية التحتية، وتوقف الإنتاج، ونهب المؤسسات، مما أجبر ملايين العمال على النزوح أو الهجرة، مع هبوط حاد في القيمة الشرائية للعملة.
وتؤكد المتابعات أن أكثر من 73.2% من العمال فقدوا وظائفهم بسبب توقف الشركات (37.6%) أو النزوح (28.7%). ويُعد القطاع الصناعي والخدمي والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية من أكثر القطاعات تضرراً. وتوصي دراسات ومقترحات بحلول استراتيجية لإعادة تأهيل سوق العمل عبر إعادة بناء البنية التحتية، وتأهيل المصانع المتضررة، وتوفير مناطق عمل آمنة، واستعادة شبكات النقل والطاقة، إضافة إلى دعم القطاع الخاص وتحفيز الشركات من خلال الإعفاءات الضريبية والقروض الميسرة لضمان استمراريتها.
وأوصت منظمات عمالية بأهمية التدريب والتحويل المهني، وتقديم برامج متخصصة لتأهيل العمال لمجالات جديدة، وتعزيز “العمل عن بُعد” بتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوفير الدعم النفسي للمتأثرين بالصدمات، وتطبيق الاتفاقيات التي تضمن حقوق العمال وأجورهم أثناء النزاعات المسلحة، مع تعزيز التعاون الدولي لتقديم المساعدات الفنية والمالية.
