سماء مكتظة بالمسيّرات.. موتٌ هابطٌ من الأعلى يحصد السودانيين
- 17 فبراير 2026
- في اختيار المحرر, الأخبار, الحرب بين الجيش السوداني والدعم السريع
الخرطوم 17 فبراير 2026- حصدت المسيّرات آلاف الأرواح خلال الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، واتسعت رقعة استخدامها جغرافيًا خلال المعارك المختلفة، مما أدى إلى سقوط أولئك الضحايا، كما قضت هجماتها على مراكز ومنشآت حيوية.
ويتسابق الطرفان بشكل مكثف في الحصول على تقنيات مختلفة من الطائرات دون طيار بغية تحقيق تقدم في مناطق متعددة من البلاد، فيما دخلت أنواع من المسيّرات لأول مرة إلى السودان واستخدمت في الحرب مثل المسيّرة الصينية الفتاكة (طراز CH-95 أو FH-95).
وتقنيًا، ينتشر استخدام المسيّرات الانتحارية (FPV / Kamikaze) بين الطرفين، وشوهد استخدامها بكثافة في الخرطوم والجزيرة والفاشر وغيرها.
وتُستخدم هذه النوعية من المسيّرات لاستهداف تجمعات القوات والمدرعات الخفيفة والقناصة، إضافة إلى الحد من تحركات الأفراد، كما يشير طيارون سابقون في سلاح الجو السوداني.
ويتبيّن فنيًا، بحسب الطيارين خلال حديثهم مع “سودان تربيون”، استخدام الطرفين لأنواع مختلفة من المسيّرات، حيث يستخدم الجيش مسيّرات من طرازات مختلفة مثل المسيّرات الإيرانية “مهاجر 6” التي تُعد العمود الفقري لسلاح الجو، إلى جانب المسيّرات الصينية والتركية “بيرقدار”.
في المقابل تستخدم قوات الدعم السريع مسيّرات من طراز صيني وأخرى تجارية مثل DJI المعدلة لحمل قذائف الهاون عيار 120 ملم.
ومن الملاحظ، حسب الطيار الحربي السابق العميد عادل عبد اللطيف، أنه مع استمرار الحرب حصل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع على عدد مقدر من المسيّرات.
وفي الوقت الذي يستخدم فيه الجيش طراز بيرقدار وأكانجي، يقول عبد اللطيف لـ”سودان تربيون” إن قوات الدعم السريع تستخدم مسيّرات من طراز CH-95 وأخرى صغيرة لإشغال وتشتيت الدفاعات الجوية.
ويرى أن جميع هذه الأنواع من المسيّرات تمتلك أسلحة وذخائر ذات فعالية عالية وقوة تدميرية كبيرة من صواريخ وقنابل تقليدية وموجهة.
ويشدد عادل على تعمد كلا الطرفين شل تحركات القوات واستهداف أهداف استراتيجية وبنى تحتية ومحطات الكهرباء والمياه، مشيرًا إلى أن الطرفين يمتلكان القدرات اللازمة لتعويض فاقد المسيّرات المُسقطة.
ووفقًا لتقارير خبراء الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، هناك عدة أطراف يُعتقد أنها ساهمت في تزويد طرفي النزاع بالمسيّرات مثل (إيران، تركيا، روسيا) للجيش، بينما دُعمت قوات الدعم السريع من قبل دولة الإمارات عبر ممرات لوجستية في ليبيا وتشاد.
ضحايا المسيّرات

شهدت حرب السودان خلال عامي 2024 و2025 تحولًا جذريًا نحو حرب المسيّرات، وتوسعت رقعة الاستهداف لتشمل جميع الولايات.
ونسبت بيانات مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLED) حصيلة لهجمات المسيّرات بمقتل ما لا يقل عن 2,200 شخص منذ بداية النزاع، وقعت 80% منها خلال عام 2025 وحده.
وفي ضوء الرصد الميداني والملاحظات الأولية للبيانات، تصاعدت وتيرة الهجمات بتسجيل نحو 277 هجومًا بالمسيّرات عام 2024.
وخلال عام 2025 ارتفع العدد بشكل حاد ليصل إلى 472 هجومًا، مما يعكس الاعتماد المتزايد على هذه التكنولوجيا.
وبالنظر إلى التسلسل الزمني للأحداث والتوزيع الجغرافي للضحايا حسب المناطق الأكثر تضررًا وفقًا للبيانات:
• شمال دارفور: 577 قتيلًا.
• غرب كردفان: 567 قتيلًا.
• شمال كردفان: 548 قتيلًا.
• الخرطوم: 403 قتلى.
• جنوب كردفان: 396 قتيلًا.
ويُشار إلى أن هذه الأرقام قابلة للارتفاع في ظل استمرار الهجمات بالمسيّرات على مواقع مختلفة في إقليم كردفان.
مجازر دامية
وفي صدارة المجازر الأكثر دموية التي ارتكبها أطراف النزاع، مجزرة كالوقي في ديسمبر 2025 عبر هجوم بمسيّرة استهدف روضة أطفال ثم المسعفين ثم المستشفى الذي نُقل إليه الضحايا في جنوب كردفان، مما أسفر عن مقتل 79 شخصًا، بينهم أكثر من 40 طفلًا.
وجملةً، وقعت هجمات في إقليم كردفان خلال ديسمبر 2025، حيث وثقت الأمم المتحدة مقتل 104 مدنيين في سلسلة غارات بالمسيّرات استهدفت المنطقة خلال أسبوع واحد فقط.
ويشير مشروع “سودان ويتنس” إلى أن الجيش السوداني نفّذ عمليات قصف أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1700 مدني في هجمات على الأحياء السكنية والأسواق والمدارس ومخيمات النازحين، وفقًا لتحقيق في الغارات الجوية خلال الحرب الأهلية في البلاد.
ويقول المشروع إنه جمع أكبر قاعدة بيانات معروفة للغارات الجوية العسكرية في الصراع الذي بدأ في أبريل 2023.
ومؤخرًا هاجم سرب من المسيّرات الانتحارية مدينة سنجة حيث قصف اجتماعًا بمركز للجيش، ما أسفر عن مقتل 27 شخصًا على الأقل.
وهاجمت طائرات مسيّرة تابعة للدعم السريع، الأربعاء الماضي، ثلاثة مواقع في ولايتي جنوب وشمال كردفان، بينها خلوة لتحفيظ القرآن الكريم، مما أوقع قتيلًا واحدًا على الأقل وأصاب آخرين من الطلاب، فيما هاجم الجيش مواقع للدعم السريع في محيط بارا بشمال كردفان.
وعلى صعيد متصل، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قبل أسبوعين إن ما لا يقل عن 104 أشخاص، بينهم 43 طفلًا، قُتلوا في هجمات متعددة بطائرات مسيّرة في منطقة كردفان منذ 4 ديسمبر 2025.
وقال فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان حينها: “أشعر بالقلق إزاء زيادة حدة الأعمال القتالية”، في إشارة إلى الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال في كردفان.
استخدام غير مسبوق
ويشرح عضو القيادة المركزية العليا للضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين (تضامن)، العميد (م) وليد عزالدين عبد المجيد، في حديث لـ”سودان تربيون” أن الطائرات المسيّرة بدأ استخدامها في منتصف القرن العشرين، حيث اقتصر دورها في البداية على مهام التصوير والاستطلاع العسكري، قبل أن يتم تطويرها لاحقًا لتشمل نسخًا مقاتلة ومسلحة.
وبتحليل الأسباب الكامنة وراء هذا الاستخدام الكثيف للمسيّرات، أشار الخبير العسكري إلى أن حرب السودان شهدت استخدامًا غير مسبوق للطائرات المسيّرة في قتال المدن، لا سيما في الخرطوم ودارفور وبعض الولايات الأخرى.
وعلى الصعيد العملي، لفت إلى أن جميع الأطراف استخدمت هذا النوع من السلاح، سواء عبر طائرات مسيّرة تجارية جرى تعديلها لأغراض الاستطلاع أو الهجوم البسيط.
واستنادًا إلى ما تقدم، أضاف وليد أن ما يجري يمثل أول نموذج أفريقي لاستخدام واسع النطاق للطائرات المسيّرة في سياق حرب أهلية، موضحًا أن الاستخدام غير المدروس وضعف البرمجة أو التشغيل، إضافة إلى طبيعة حرب المدن والمباني، أسهمت في وقوع أضرار جسيمة وسط المدنيين وتسببت في خسائر كبيرة ومؤلمة.
ونبه وليد إلى أن استمرار وجود تجمعات للقوى المتقاتلة داخل المدن وتحرك مركباتها في الأحياء السكنية، إلى جانب استخدام بعض المدارس والمرافق الخدمية والسكنية كمقار عسكرية، يجعل المواطنين عرضة للاستهداف المباشر، بما يعكس الطابع العبثي للنزاع القائم.
سباق الترويج
وفي السياق قال الباحث في الشؤون السياسية وشؤون القرن الأفريقي، فؤاد عثمان، لـ”سودان تربيون” إن أطراف النزاع في السودان، منذ اندلاع الحرب، تسابقت في الترويج لإمكانية الحسم العسكري القريب.
ومن منظور استراتيجي وصف فؤاد هذا الطرح بأنه “خرافة مكلفة” وواحد من أكبر الأوهام التي يسعى طرفا الصراع إلى ترسيخها وتعليقها في الوعي العام السوداني.
ويرى عثمان أن قرار إيقاف الحرب أصبح رهينًا بتوافق داعمي الطرفين، مشيرًا إلى أن من أبرز مظاهر الدعم الخارجي دخول الطائرات المسيّرة إلى ساحة القتال واستخدامها بكثافة من قبل أطراف النزاع، الأمر الذي انعكس بصورة خطيرة على حياة المدنيين.
وتأسيسًا على هذه المعطيات، يعتبر فؤاد أن تصاعد استخدام المسيّرات أدى إلى زيادة أعداد القتلى وتراجع الشعور بالأمن والطمأنينة، إلى درجة فقد فيها المواطنون الثقة في استمرارية حياتهم اليومية في ظل تهديد دائم، فضلًا عن اتساع رقعة الدمار وتدمير البنية التحتية الحيوية والأعيان المدنية، فيما لا تزال أعداد الفارين من مناطق القتال غير معلومة بدقة.
ويصف عثمان “طريق البنادق” بالمسدود، مشيرًا إلى أنه رغم حجم الخراب لا تزال هناك فرصة لوقف الحرب، معتبرًا أن هذه لحظة يجب التقاطها وأن تعلو فيها إرادة السلام على “وهم الحسم العسكري”.
قتلى بالجملة
وكانت تقارير أممية وإعلامية أفادت بسقوط مئات الضحايا المدنيين جراء هجمات بطائرات مُسيّرة خلال عامي 2024 و2025 في عدة مناطق بالسودان، من بينها مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، حيث قُتل أكثر من 120 مدنيًا في ضربات استهدفت أحياء سكنية، مراكز إيواء ومساجد، بينها هجوم على مسجد أوقع نحو 75 قتيلًا، إضافة إلى هجمات أخرى أسفرت عن مقتل ما بين 53 و60 مدنيًا.
أما في منطقة كادقلي بولاية جنوب كردفان، قالت الأمم المتحدة إن ضربات بطائرات مُسيّرة استهدفت روضة أطفال ومستشفى خلال ديسمبر 2025، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 100 إلى 116 مدنيًا، بينهم 43 طفلًا.
كما سجلت مدينة الدلنج بجنوب كردفان مقتل نحو 45 إلى 50 مدنيًا في هجمات متفرقة بطائرات مُسيّرة أواخر 2025، من بينها ضربات طالت مرافق طبية ومناطق سكنية.
وكان المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة فولكر تورك، طالب الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بإيقاف الهجمات على الأعيان المدنية والأسواق والمرافق الصحية.
وحذر في ختام زيارته الى بورتسودان في يناير الماضي من أن الضربات بالطائرات المُسيّرة على البنية التحتية المدنية في السودان تُعد “انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب.
ودعا في مؤتمر صحفي في ذلك الوقت، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى وقف الهجمات على المدنيين والأسواق والمستشفيات، ومؤكدًا أن استخدام الموارد في شراء أسلحة متطورة بدلًا من تخفيف معاناة السكان أمر “مثير للغضب”.
إحصائية مخيفة
وذكر عضو المكتب التنفيذي لـ«محامو الطوارئ»، محمد صلاح الدين، لـ”سودان تربيون” إن عدد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت أهدافًا مدنية من قبل طرفي النزاع بلغ نحو 129 هجومًا.
ومع ذلك، كشف صلاح الدين، أن هذه الهجمات أسفرت عن مقتل 218 شخصًا وإصابة 112 آخرين خلال عامي 2024 وعام 2025.
في حين أفاد، بأن الهجوم بالمسيرات بدأ منتصف ابريل عام 2024 حيث استهدفت معسكرات النزوح دور الإيواء والاسواق ومحطات الكهرباء ومخازن الوقود.
كما أوضح صلاح الدين، أن أكبر هذه الهجمات وقعت في مخيم أبو شوك في 19 سبتمبر 2025، وأسفرت عن مقتل قرابة 75 شخصًا.
في المقابل، جزم بأن هجومًا بطائرة مسيّرة استهدف تجمعًا للنازحين في منطقة السماسم بولاية جنوب كردفان صباح 31 ديسمبر، ما أدى إلى مقتل 41 شخصًا.
كما ذكر أن هجومًا آخر استهدف دار الأرقم للنازحين في مدينة الفاشر يوم 10 أكتوبر، حيث كان يستخدم كمركز إيواء، وأسفر عن مقتل 60 شخصًا.
إحداثيات الانتشار
ومن النقاط الحيوية التي تستوجب الوقوف عندها، أشار صلاح الدين، إلى أن الهجمات بالطائرات المسيّرة تركزت في ولايات الخرطوم، الجزيرة، الشمالية، البحر الأحمر، شمال وجنوب دارفور، شمال وجنوب كردفان، والنيل الأزرق.
وبالنظر إلى إحداثيات الانتشار التي رصدها التحقيق، يوضح الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد جمال الشهيد، إن الطائرات المسيّرة أصبحت من أكثر أدوات القتال الحديثة استخداماً في الحروب المعاصرة
كما هو الحال في النزاعات الدائرة في أوكرانيا وقطاع غزة نظرا لانخفاض كلفة تشغيلها مقارنة بالطيران التقليدي وسرعة انتشارها وقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة من مسافات بعيدة اعتماداً على الجمع بين مهام الاستطلاع والهجوم.
وأوضح الشهيد، في حديثه لـ”سودان تربيون” أن الطيران المسيّر يتمتع بخصائص لا تتوفر في الطيران التقليدي أبرزها
قدرات الاستطلاع، والتتبع والتصوير ثم التعامل المباشر مع الأهداف مشيرا إلى أن التجربة السودانية تؤكد أن استخدام المسيّرات لا يتم بمعزل عن السياق الميداني العام.
وسلط الضوء على قدرة المسيرات على أداء دوراً تكتيكيا أكثر من كونها أداة حسم عسكري حيث تستخدم في الاستطلاع واستنزاف الخصم وضرب خطوط الإمداد وبث الرعب
النفسي لكنها لا تستطيع بمفردها السيطرة على الأرض دون وجود قوات برية قادرة على التقدم والتمركز وهو ما يدفع الجيوش المتحاربة إلى تكثيف استخدامها كوسيلة ضغط ميداني.
وأشار إلى أن قوات الدعم السريع تلجأ إلى استخدام المسيّرات كلما واجهت ضغطًا ميدانيًا من الجيش في محاولة لتعويض خسائرها على الأرض وإبطاء تقدم القوات النظامية.
ولفت الشهيد، إلى أن الدعم السريع استخدم هذه الطائرات منذ بداية الحرب مستهدفا مواقع في مروي وبورتسودان اضافة إلى ضرب منشآت الكهرباء والسدود بهدف تقليص القدرة القتالية للقوات الحكومية وإعاقة المواجهة البرية.
ويعزو الشهيد انتشار استخدام المسيّرات إلى عدة عوامل من بينها مرونتها العملياتية وإمكانية إطلاقها من مناطق نائية يصعب
رصدها إضافة إلى تأثيرها النفسي الكبير لا سيما عند استهداف مناطق مدنية فضلاً عن انخفاض كلفتها مقارنة بالطيران التقليدي ما يجعلها خياراً مفضلًا في الحروب الطويلة ذات الموارد المحدودة.
وفي المقابل أشار إلى أن الاعتماد المتزايد على المسيّرات قابله تطور في أنظمة الدفاع المضادة لها، سواء عبر وسائل التشويش الإلكتروني أو الرادارات قصيرة
المدى أو أنظمة الدفاع الجوي المحمولة الأمر الذي حدّ من فعاليتها المطلقة وجعلها جزءاً من منظومة قتال أشمل.
وأوضح أن هناك منظومات دفاع جوي عالمية، مثل “إس-300″ و”إس-400” الروسية تستخدم كمصدات جوية للتصدي للمسيّرات.
وحذّر الخبير العسكري من خطورة استهداف المنشآت الحيوية، مؤكداً أن ضرب مرافق الكهرباء والمياه والجسور والاتصالات لا يؤثر فقط على القدرات العسكرية بل ينعكس بشكل مباشر على حياة المدنيين ويعمّق الأزمة الإنسانية ويعرقل جهود الإغاثة كما هو الحال في إقليم كردفان.
وأضاف أن استخدام المسيّرات يحمل أبعادا سياسية إذ يستغل للضغط على الحكومة أو لإرسال رسائل للمجتمع الدولي أو لإرباك أي مساعي لفرض هدنة أو فتح ممرات إنسانية آمنة في محاولة لإظهار الحضور الميداني رغم الخسائر.
وبتحليل حول طبيعة وقدرة المسيّرات على تغيير مسار الحرب، أكد الشهيد أنه رغم تأثيرها المتزايد فإنها غير قادرة وحدها على حسم الحرب في السودان.
وشدد على أن الحسم العسكري في النزاعات المعقدة يتطلب السيطرة على الأرض وتأمين خطوط إمداد مفتوحة وامتلاك شرعية سياسية داخلية أو خارجية وهي عناصر لا توفرها التكنولوجيا الجوية بمفردها.
وأمام هذا المشهد المعقد، يؤكد الشهيد، أن الطائرات المسيّرة باتت جزءاً راسخا من مشهد الحرب في السودان ليس كسلاح حاسم بل كأداة ضغط عسكري وسياسي وإعلامي مشيراً إلى أن استخدامها المتزايد ضد المدنيين جعل المواطن هو المتضرر الأكبر منها أكثر من تأثيرها المباشر على الواقع العسكري.
تأثير بلا حسم فعال
ويستنبط الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء المتقاعد معتصم عبد القادر أن الطائرات المسيّرة، رغم فاعليتها المتزايدة في الحروب الحديثة، لا يمكنها حسم المعارك وحدها، مشدداً على أن السيطرة على الأرض تظل العامل الحاسم الذي يتطلب تدخل قوات المشاة ضمن منظومة عسكرية متكاملة.
ويُحلل عبدالقادر في حديث لـ”سودان تربيون “بقوله: «إن الطائرات المسيّرة أثبتت نجاحاً لافتاً في نزاعات دولية عدة، من بينها حرب أرمينيا وأذربيجان، والحرب في إثيوبيا، والصراع الليبي، وصولاً إلى الحرب الروسية الأوكرانية، لما تتمتع به من دقة عالية، وانخفاض في التكلفة، وعدم تعريض العناصر البشرية للمخاطر المباشرة، إضافة إلى قدرتها على العمل دون بنى تحتية معقدة أو مدارج طيران».
وفي في تشخيصه الميداني لما يجرى أوضح معتصم، أنّ دور المسيّرات يتركز في التمهيد للعمليات العسكرية وتليين دفاعات الخصم، أسوة بالطيران الحربي والمدفعية بعيدة المدى، لافتاً إلى أن استخدامها يكون أكثر فاعلية عندما يسبق أو يواكب تقدم القوات البرية، وليس كبديل عنها.
وفيما يتعلق بالحرب في السودان، أشار إلى أن الاعتماد على الطائرات المسيّرة كان محدوداً في بدايتها حيث اعتمد الجيش على قواته الجوية والبرية بينما ركزت قوات الدعم السريع على الكثافة البشرية قبل أن يشهد العام الأخير تصاعداً ملحوظاً في استخدام هذا النوع من السلاح.
وحذر من التأثيرات الخطيرة لاستخدام المسيّرات على المدنيين والبنية التحتية، متهماً قوات الدعم السريع باستغلالها في استهداف الكهرباء والمستشفيات ومرافق الإغاثة ومعسكرات النازحين، إضافة إلى تنفيذ هجمات انتقامية عند ق الجيش.
وعلى جوانب السيطرة، أفاد بأن قوات الدعم السريع تعاني من ضعف القدرة على تثبيت السيطرة الميدانية، نتيجة قلة التدريب والخبرة القتالية مقارنة بالجيش، إلى جانب تركيز عناصرها على النهب والغنائم بدلاً من التمسك بالأرض، وسوء تعاملها مع المدنيين حتى في المناطق الموالية لها.
ويميل معتصم في ختام حديثه، إلى ان الطائرات المسيّرة ستظل عنصراً مهماً ومتطوراً في الحروب الحديثة، لكنها تبقى جزءًا من منظومة قتالية متكاملة تشترك فيها مختلف الأسلحة والقوات لتحقيق الحسم العسكري.
إزهاق مستمر للأرواح
وشدّد فولكر تورك مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، على إن هجمات الطائرات المسيرة لا تزال تزهق أرواح مدنيين في السودان، رغم أن الجيش كسر حصارا استمر فترة طويلة لمدينتين كانت تسيطر عليهما قوات الدعم السريع شبه العسكرية في جنوب البلاد.
وقال تورك خلال إفادة بشأن السودان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف الاثنين الماضي “الغارات الجوية التي يشنها الجانبان بطائرات مسيرة ما زالت مستمرة، مما يسفر عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين”.
وجزم بأن مكتبه وثق أكثر من 90 وفاة و142 إصابة بين المدنيين جراء الغارات التي شنتها قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية بطائرات مسيرة منذ أواخر يناير وحتى السادس من فبراير.
وفي غضون ذلك، قال المتحدث باسم القوات المسلحة، العميد عاصم عوض في تصريحات الأسبوع الماضي “إن وحدات الجيش تمكنت من رصد وتدمير عدد من المسيّرات المعادية ومنظوماتها بدقة عالية”.
وأفاد بحسب صحيفة “السوداني” إن القوات المسلحة تمكنت من رصد وتدمير الأهداف بدقة عالية، مشيراً إلى أن العمليات شملت مخازن ووحدات تشغيل للمسيرات والمنظومات الدفاعية، في إطار استهداف القدرات الجوية غير التقليدية التي تعتمد عليها ميليشيا الدعم السريع.
