حكومة «الدعم السريع» تعتزم تعيين وزير مالية وإنشاء نظام مصرفي
نيالا 8 يناير 2026 – شرعت الإدارة المدنية التابعة لقوات الدعم السريع، بالتعاون مع تحالف «تأسيس»، في اتخاذ خطوات عملية لتأسيس بنك مركزي ونظام مصرفي موازٍ في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في خطوة تنذر بتعميق الانقسام المؤسسي والاقتصادي في السودان الغارق في الحرب.
وفي أواخر يوليو 2025 أعلن تحالف السودان التأسيسي”تأسيس”- ائتلاف يمثل الذراع السياسي للدعم السريع- التوافق على تكوين مجلس رئاسي يتزعمه محمد حمدان “حميدتي” ويشارك فيه 15 عضوًا، كما جرى تعيين عضو مجلس السيادة السابق محمد حسن التعايشي رئيسًا للوزراء على أن يتوالى تباعًا إعلان تكوينها الرسمي.
ولم تحظَ الحكومة الموازية باعتراف إقليمي أو دولي بل قوبلت برفض رسمي من الهيئات المؤثرة عالميًا على رأسها الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ومجلس الأمن، كما سارعت عديد من الدول منفردة لإعلان عدم اعترافها بأي سلطة موازية للحكومة الشرعية في السودان.
وأعلنت الإدارة المدنية في ولاية شرق دارفور، قبل أيام، بدء إجراءات تأسيس «بنك المستقبل» كأول مؤسسة مصرفية في المنطقة، تهدف إلى معالجة أزمة السيولة النقدية وانهيار النظام المالي التقليدي.
وقال محمد إدريس خاطر، رئيس الإدارة المدنية بشرق دارفور، إن البنك سيعتمد على «الصيرفة الإلكترونية» لتجاوز التحديات اللوجستية وتوفير حلول جذرية لغياب الخدمات البنكية في إقليمي دارفور وكردفان.
تعيين وزير للمالية
من جانبه، كشف عضو الهيئة القيادية بتحالف «تأسيس»، حسب النبي محمود، في حديث لـ«سودان تربيون»، عن خطة أوسع تشمل تعيين وزير للمالية في إطار «حكومة الوحدة والسلام» الانتقالية، وتأسيس بنك مركزي جديد، بالإضافة إلى البدء في استخراج أوراق ثبوتية ومعالجة قضايا الأراضي والمحاكم.
ورأى حسب النبي أن طوال الأعوام الثلاثة الماضية شهدت تفاقم مشاكل السودانيين المتعلقة بالاقتصاد الوطني وبنك السودان ووزارة المالية، التي اتهم «حركة العدل والمساواة» باختطافها في إطار تقسيم مؤسسات الدولة كـ«غنيمة» من قبل أطراف الحرب في بورتسودان، وفق قوله.
وشدد على أن «آن الأوان لاسترداد مؤسسات الدولة»، معتبراً أن ذلك سيتم عبر بناء مؤسسات وطنية جديدة لخدمة الشعب السوداني من قبل «حكومة تحالف تأسيس»، على أن تعمل في إطار فدرالي لا مركزي لضمان توزيع الخدمات بعدالة ودون تمييز.
صراع السيادة المالية
وتأتي هذه التحركات، بحسب مراقبين، في سياق صراع محتدم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للسيطرة على الموارد المالية والمؤسسات السيادية، وهو صراع لا يقل ضراوة عن المواجهات العسكرية. وتتهم الإدارة المدنية في دارفور السلطات في بورتسودان بـ«تسييس» النظام المالي واختطاف وزارة المالية، مما أدى إلى حرمان مناطق واسعة في غرب السودان من السيولة والرواتب، وهو ما دفع «الدعم السريع» إلى البحث عن نظام مالي بديل.
ويمثل إعلان تحالف «تأسيس» عن تعيين وزير مالية وسجل مدني موازٍ محاولة لفرض واقع «الدولة داخل الدولة»، وهو ما يخشى مراقبون أن يؤدي إلى تقسيم فعلي للبلاد، بحيث يصبح لكل طرف نظام مالي وعملة وأوراق ثبوتية خاصة به.
سلاح الاقتصاد
وفي المقابل، اعتبر الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي، في حديث لـ«سودان تربيون»، أن مجلس السيادة والحكومة الانتقالية أثبتا منذ بداية الحرب القدرة على توحيد الاقتصاد بفضل الشرعية الدولية، ونجحا في حرمان «الدعم السريع» من استخدام الاقتصاد كسلاح يهدد الاستقرار الوطني.
ولفت فتحي إلى أن الدولة خاضت «أهدأ معاركها وأخطرها»، التي لم تكن بالدبابات بل بالقرارات الدولية والتمسك بمؤسسات الدولة.
ورأى أن إقامة نظام مصرفي بواسطة الدعم السريع في دارفور سيكون له أثر سلبي على حركة التجارة، واصفاً الخطوة بأنها «إجراء أحادي يعمق الانقسام الاقتصادي» ويزيد من تفاقم الأزمة المعيشية والارتفاع الجنوني للأسعار، مما يلقي بعبء ثقيل على مواطن دارفور المنهك.
ونوه الخبير الاقتصادي بسيطرة بنك السودان المركزي على أنظمة التحويلات الدولية مثل «سويفت» و«أيبان»، مؤكداً قدرته على منع أي بنك موازٍ من الوصول إلى هذه الأنظمة، مما يعني عزله عن النظام المالي العالمي وتصعيب عملياته بشكل كبير.
التحديات الاقتصادية
ويرى محللون أن تأسيس بنك في مناطق الصراع يواجه تحديات قانونية ودولية هائلة، أبرزها غياب الاعتراف الدولي، إذ تظل المؤسسات المالية العالمية، مثل صندوق النقد والبنك الدولي، تتعامل حصرياً مع البنك المركزي في بورتسودان بصفته الجهة الشرعية الوحيدة.
علاوة على ذلك، يبرز رأس المال والضمانات كعقبة رئيسية، حيث لم يكشف المسؤولون في حكومة الدعم السريع عن حجم رأس مال «بنك المستقبل» أو هوية المساهمين، مما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه المؤسسة على الصمود في ظل اقتصاد الحرب.
