الخميس , 22 يناير - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

سقوط الخرطوم يناير 1885، بوصفه بداية لا نهاية

بكري يوسف البُر

بكري يوسف البُر

لفهم سقوط الخرطوم على يدي المهدي، ليس الغرض منه استعادة تاريخ قديم صوّروه لنا بالطريقة التي يريدوننا أن نفهمها حسب رواياتهم التاريخية التي بين أيدينا. سقوط الخرطوم في يناير 1885 مفتاح لفهم كيف صُممت لنا أنماط حكم وسيطرة أثّرت على اللاحق من الحِقب التاريخية.

يقال إن التاريخ لا يكشف أسراره إلا من قراءة وشكّ فيه بعمق معرفة، ومواجهته بشجاعة لكشف مؤامرة المستعمر بتغييب العقل عن الوعي، واعتمادنا على روايات مبتورة لا تهتم بالتسلسل التاريخي للأحداث وفهم مقاصدها وتفكيكها. عوضاً عن ذلك خُدّرت عقولنا بصناعة تعليمية مقصودة فيها التغييب.

ظاهر سقوط الخرطوم ومقتل غوردون في 26 يناير 1885 رواية يعرفها الجميع، ولكن المخفي عنا أن اللاعبين الأساسيين الذين ساهموا في سقوط الخرطوم وغوردون من بينهم هي الخارجية البريطانية، لا الحكومة ولا البرلمان. فُرض علينا حكم بالوكالة لأشخاص لهم مصالح، وأُدير السودان حينها كملف لا كدولة.

حان سحب الستار عن الحقائق وفضح المؤامرة التي سار السودان على ذات نهج الدسائس وأهلها مغيّبون عن فهم الواقع. غُيّبنا عن الفهم بكتابة تاريخ برتابة، ولم نسأل بعد الحدث: من استفاد، ومن دفع الثمن، ومن كتب الرواية لتنقل من الذاكرة، ولتحليلها وتفكيك البنية التاريخية للأحداث، للتخلص من السذاجة في فهم تاريخنا، وأن نسعى للنضج الفكري في تناول التاريخ. لأن الماضي لا تزال بصماته تحوم حول حاضرنا بنفس النهج والترتيبات، ونحن لا نزال نكرر أخطاء التاريخ بقلة وعي وتعمق في دراسة تاريخنا من ناحية الفكر الاستعماري منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا.

السودان أصبح مساحة اختبار لحكم استثنائي، خارج القواعد، بإدارة بلد كامل بعقلية الشبكات والشركات، لا عقلية الدولة، وعلى نمط المحافل الماسونية (ليس كنظرية مؤامرة ساذجة) الشائعة في ذلك الزمان داخل النخب البريطانية في القرن التاسع عشر، لتؤدي دورها كحكومة ظل بالمعنى التآمري، وبشبكة نفوذ وتنسيق سياسي وعسكري ومالي. وتعيين الشخصيات التي لعبت دوراً في تاريخ السودان بتفويض واسع، تم اختيارهم بعناية لانتمائهم لدوائر ثقة نخبوبة مغلقة، بنفوذ نخبوي له مصالح اقتصادية وهيمنة سياسية.

كانت المهمة الأساسية لغوردون هي إخلاء السودان عام 1874، ولكنه تماطل في التنفيذ من أجل إرسال الحكومة البريطانية القوات للإنقاذ من السقوط، بمؤامرة هو شريك فيها. ونشط المجتمع البريطاني في الأوساط الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، والجمعيات التبشيرية، ومجلس العموم، ومجلس الوزراء لإنقاذ غوردون. كل ذلك التحرك كان تحت تخطيط جهاز الضغط الذي يريد إعادة احتلال السودان لمصالحه الخاصة، وهي:
Sudan lobby
،
Sudan network London
،
Sudan supporters in Britain.

نتيجة لذلك الحراك ارتفع عدد القوات المقترحة من 1500 جندي لإنقاذ غوردون إلى 23000 جندي، ومن ميزانية 300000 جنيه إسترليني إلى 8 ملايين جنيه إسترليني، لم يُعرف حتى اليوم من أين تم توفير المبلغ، الذي لم يكن من خزينة الحكومة البريطانية، وتم توفيره من طرف جماعات الضغط؟؟

قرأ الإمام محمد أحمد المهدي الواقع بعمق، وعلم، وبحاجة ومعلومات دقيقة، وبقدرة على تحليل المعلومات السياسية والعسكرية، أن القوة البريطانية القادمة لا تنوي إنقاذ غوردون، ولكنها آتية لتبقى. لذا قرر السيطرة على الخرطوم في 26 يناير 1885. وبذكاء ناشد وطلب المهدي من غوردون، ولأكثر من مرة، بالانسحاب من الخرطوم مع التزامه بتوفير ممر آمن لخروجه، ولكنه رفض الخروج وفضّل البقاء لتنفيذ خطة جماعة الضغط في استعمار السودان. ومن أبرز المشاركين في المؤامرة الجنرال هارنجتون وزير الحربية، وملك بلجيكا ليوبولد الثاني، وونجت، وكتشنر، وسلاطين، والجنرال ولسلي، ولاحقاً الرجل الغامض عرّاب الماسونية هنري ويلكم (حضر للسودان بعد عام 1900).

لم تكن مشكلة فشودة التي استُخدمت فيها الحكومة البريطانية في إرسال القوات لإنقاذ غوردون إلا مسرحية اشترك فيها أطراف عديدة. وبعد كل تلك الضوضاء وُجد أن مارشال قائد حملة فشودة معه من القوة 7 ضباط و120 جندياً سنغالياً. لاحقاً تم سحب كل الملفات الخاصة بأزمة فشودة من وزارة المستعمرات ومن الأرشيف القومي الفرنسي من قِبل مخرجي مسرحية فشودة.

كان تفكير المهدي صائباً ويُظهر بُعد نظر، عندما ناشد غوردون بالخروج آمناً. كان ذلك كفيلاً بنسف خطة جماعة الضغط لاحتلال السودان، ولكن سقطت الخرطوم وقُتل غوردون، وأصبح الطريق ممهداً لجماعات الضغط في تنفيذ خططهم التي كُتب لها النجاح لاحقاً في غزو السودان عام 1898.

دلالات سقوط الخرطوم في 26 يناير كانت كارثية في الآتي من تاريخ السودان، وفيها وُضعت السياسات التي أبقت السودان دولة متخلفة وفاشلة ومتخبطة، ودخولها في دائرة الملف الدولي المفتوح. ومنذ ذلك التاريخ يُنظر إلى السودان بوصفه مشكلة أمنية، دينية، جغرافية يجب احتواؤها.

عقب سيناريو سقوط الخرطوم ظهرت بوادر عسكرة الدولة، وتقديس القوة، وتحويل الجيوش إلى مركز السياسة.

الثورة المهدية نجحت في إسقاط الخرطوم، ولكنها فشلت، رغم امتلاكها طاقة تعبئة هائلة، إذ افتقرت إلى تصور الدولة، وخلطت بين الخاص الديني وبناء الحكم. رسّخ سقوط الخرطوم عسكرة الوعي السياسي، وشرعنة الحكم بالقوة، وترسيخ ثنائية المخلص والعدو في المخيلة السودانية اللاحقة، وجعل العنف مدخلاً شرعياً لبناء الدولة.

سقوط الخرطوم يناير 1885، وغياب غوردون الذي حلّ محله حكام سودانيون بلا تفويض شعبي حقيقي، وأن المهدي رحل وبقيت فكرته في الخلاص بالقوة مهما كان الثمن.

سقطت الخرطوم على سلالم القصر في يناير 1885، وهي نفسها تُستباح اليوم، وتُترك بلا قرار، وتُدار بلا عقد اجتماعي، وتُستنزف في صراع لا علاقة له بمصالح أهلها.

هل يتوالى سقوط الخرطوم لأن التاريخ أراد ذلك؟ أم هو الفشل في إدارتها؟ أم ذلك المراقب المُحرِّض من الخارج الذي ينتظر لحظة الانقضاض؟؟

ملاحظة:
(سقوط الخرطوم المقصود: سقوط المشروع والهيمنة الإمبريالية)

يناير 2026