السودان شعبًا وأرضًا… ها هنا طريق الخلاص
الوليد بكري
إنه عبث حقيقي لا يليق بقضايا الوطن ولا بأحزابنا الوطنية الديمقراطية أن تظل بلادنا على وتيرة معاناة تصطلي كل يوم بنيران حرب مليشيا الدعم السريع ضد بلادنا أرضًا وشعبًا، بينما تتلقى آمال وطموحات الشعب ضربات من النزاعات والصدامات والتقاطعات حول آليات الحل المنتظر. ولا شك أن لهذا الراهن دورًا مهمًا في تأخر إنهاء الحرب على آليات التغيير المنشود وفقًا لحق الشعب السوداني العظيم في السلام والحرية ودولة القانون، وكل هذا ناتج عن عدم وضوح وثبات المواقف. كما أن اختلاط المصالح السياسية من غير وعي وإدراك صحيح وعميق مع مصالح البلاد والشعب العليا أدى إلى تمزق وحدة الخارطة السياسية المبدئية والعملية، لتكون المحصلة كما نرى قوى سياسية بعض قياداتها تعمل لاحتكار الحل السياسي لدى المجتمع الدولي، سيما عند الوسطاء والمبعوثين، وفي ذات الوقت ترفع شعار الحل الشامل، وتوقع الاتفاقيات فيما بينها في ظل وسيط خارجي بهدف شروط قبول مبدأ الحوار مع مليشيا الدعم السريع الإرهابية. وفي جانب آخر هنالك منتمون لمنظومة الإسلام السياسي يلبسون رداء الوطنية ويقومون بدور التسويق لاستراتيجيات المحيط الإقليمي والدولي عبر سيناريوهات متعددة، وهنالك آخر كل مرة يخرج على نحو قديم متجدد؛ مرة مع شعب واحد وجيش واحد، وتارة مع تحالف المليشيا بقيادة دولة الإمارات، ثم اتفاق معارض، ثم اتفاق، والآن هو معارض.
ومما سبق من حقنا أن نعمل ميزان قيم الوطنية، فالمواقف وتحمل المسؤوليات لا تفرض علينا غير التأكيد بأن ميزاننا الثابت للالتقاء والاختلاف يكون طبقًا لخارطة الوطنية وقيمها، التي تتنزل بمعيار مصلحة البلاد العليا وحق الشعب في السلام وحياة حرة كريمة. وبالتالي فالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل مع كل جهد لتحقيق السلام، وبالتأكيد لا نريد محصلته تجزئة للحلول أو أن تكون مصادرة غير معلنة لأهداف ثورة ديسمبر الشاملة والكاملة: «العسكر للثكنات والجنجويد ينحل». فمن الإنصاف أن نعترف بالحقيقة كلها، وهي أن الأزمة في بلادنا ليست فقط في حرب مليشيا الدعم السريع ضد السودان أرضًا وشعبًا، بل الأزمة أيضًا في بعض قيادات وقوى وأحزاب سياسية تسجن نفسها في انتظار الحل السياسي الشامل على سراب حوار الطرشان وتجريب المجرّب، وانتظار وجودها على خارطة تسوية تعمل لها أطراف خارجية من غير اكتراث لما يتطلع إليه شعبنا. لذا نقول لمن ينتظر تنفيذ محاور مبادرة الرباعية، أو آخر يشترط للقبول:
إن السلام والحل السياسي الذي تنتظره بلادنا وتنشده جماهير شعبنا، والذي لن يحيد عن مواصلة النضال إلى أن يحقق إنهاء وجود مليشيا الدعم السريع الإرهابية عسكريًا وسياسيًا، وإنفاذ محاكمات عادلة لكل من ارتكب جرمًا في حق الشعب السوداني، وإقامة حكم ديمقراطي تعددي حقيقي، وإنجاز سلام عادل وشامل يزيل الظلم ويرفع الغبن، وعدالة انتقالية واجتماعية شاملة، عليها حق التحرر من الخوف والفقر والجهل والمرض، على جادة إقامة دولة القانون التي تحفظ للمواطن حقه في حياة كريمة، تعزز وتصون الحرية من الذين يفرضون إرادتهم، لاسيما على الضعفاء، بوسائل القوة المادية أو القوة الدينية أو القوة الاقتصادية أو القوة العسكرية.
وبالتالي للحوار مبادئ يعرفها الجميع، والتي تنص مرتكزاته على الآتي: الحق هو القوة وإن كان أعزل أو قليل المناصرة. وطبقًا لما سبق من مبدأ لأي حوار، بالتأكيد لا يوجد حزب سياسي يرفض المبدأ، لكن في ظل الحقائق لمليشيا الدعم السريع الإرهابية وبعض قوى الظلام لن يكون أي حوار جديرًا حتى باسمه. ولا معنى للبقاء في صالة الانتظار والنظر في الأفق بانتظار طائرة المبعوث الأمريكي ومخرجات اجتماعات «الرباعية»، التي تضل طريقها للحل الناجع بسبب حقائق غياب الإرادة وإدراك التحدي. ولا لأي انتظار يترقب أن تبدل مليشيا الدعم السريع من نهجها، أو أن نرجو خيرًا لوطننا يأتي على يد من كان جزءًا منه فكرًا أو تنظيمًا. لذا لا يوجد حل ولا خيار غير الحوار مع إرادة الشعب السوداني العظيم. وبالتالي قوتنا ثباتنا على موقفنا ووضوح خطنا السياسي: «الحوار السوداني السوداني»، الذي يتطابق مع تطلعات وآمال شعبنا.
فقد ظلت القوى السياسية السودانية ملاحقة بسؤال: لماذا لم تحقق سلامًا مستدامًا؟ وبالنظرة المتبصرة لواقع السودان يحق للجميع أن يطرح هذا السؤال وأن يقف بانتظار الإجابة المجردة، سيما وأن السودان سبق الكل، ولثلاث مرات وعلى التوالي، قام بإسقاط نظام الفريق عبود والمشير جعفر نميري وعمر البشير على آليات ثورة أكتوبر وأبريل وديسمبر. إلا أن القوى السياسية فشلت تمامًا في إكمال والحفاظ على هذه الثورات الشعبية، وسرعان ما رجع السودان إلى الشمولية، هذا بجانب سياسة تمزيق مرتكزات الوحدة الوطنية وتهديد السلام الاجتماعي والردة إلى الجغرافيا والعصبية والقبلية، وفتح الأبواب على مصراعيها للتدخل الإقليمي والدولي.
وكل هذا وغيره ما كان للقوى السياسية والمجتمعية، وعبر نسخها المتعددة، أن تظل على هذه الانتكاسات والخيبات، لولا وقوعها في شراك مسار القبول بالمبادرات والحوار الخارجية تحت عبارة الحل السياسي الشامل. ومن غير الرجوع إلى التاريخ البعيد، عهد نظام الإنقاذ، نجد أكثر من عشرة اتفاقات خارجية كان المنتوج انفصال جنوب السودان، واشتعال حرب في الجنوب الجديد، هذا بجانب الحرب في دارفور التي لم تخمد نيرانها برغم اتفاقات عديدة، كان آخرها في جوبا إبان حكم الحرية والتغيير، ثم اندلاع حرب مليشيا الدعم السريع الإرهابية ضد بلادنا أرضًا وشعبًا.
وبالرغم من كل هذا نرى في مبادرة الرباعية سيناريو قديمًا متجددًا من دعوات متصلة لحوار الطرشان، واستراتيجيات وسيناريوهات الاتفاق ونقض العهود والمواثيق مع قوى لا تزال على سطح المشهد، والتي كان آخرها «أكشن» الرباعية المتصل.
ووفقًا لما سبق من محطات أساسية لخارطة وحقائق ومسار السلام، وُضع السودان تحت دائرة حقل التجارب وإعادة إنتاج الأزمات، والوقوع في ذات الأخطاء، والعمل على حلها بذات القيادات والعقول وخبراتهم التراكمية السياسية التي فشلت تمامًا في إكمال أي اتفاق أو إتمام لبنات ثورات الشعب السوداني. كما أن الشعب السوداني العظيم لن يقبل أن يظل الراهن في موقف التأخر لواجب الأوطان، ولا يقبل على بلاده أن تتحول إلى سفرجي على موائد مصالح المحيط الإقليمي والدولي، وأن ينحصر دورها في تلبية طلبات المليشيات والقوى السياسية على سيناريوهات الحوار والاتفاق وقسمة الثروة والسلطة، لتكون محصلته صفرًا كبيرًا يؤدي إلى تأخير السلام المنشود والدخول في حرب فتكت بالشعب وتهدد وحدة البلاد. وبالتالي تصبح الإجابة بأن السلام القادم هو بيد الشعب، وبقيادة أحزاب وقوى سياسية تنشد السلام والتغيير فعلًا وقولًا، على رأسها الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل. فهو خارطة طريق بميزان وضوح لا يقبل المراوغة ولا يحتمل التلكؤ، وبهذا يقطع الطريق على كل من يتوهم بأن هنالك فرصة للمناورة بمد حبال للعب أو التلاعب تحت ستار الحوار والسلام والاتفاق السياسي والوفاق الوطني، كما كان يفعل. فلا خيار يحفظ ما تبقى من أجزاء البلاد من شبح الانقسام والتشظي، ويحقق آمال وتطلعات المواطن في حياة كريمة، ويضع السودان على جادة الحق والديمقراطية والحرية والعدل، إلا عبر الحوار السوداني السوداني طبقًا لإرادة الشعب.
