ندوب خفية وأرواح معلقة: التكلفة النفسية للحرب صدمات وجنون
الخرطوم، 19 ديسمبر 2025 – تتبدى مأساة صامتة تعصف بآلاف الأسر في الداخل ومناطق النزوح، تتمثل في الصدمات النفسية التي لم تفرق بين صغير وكبير، في خضم تقارير تحصي أعداد القتلى والجرحى في حرب السودان.
وتجسد قصة العم “فتح الرحمن” وطفلتيه مأساة جيل كامل من الأطفال الذين اغتالت الحرب استقرارهم الذهني، في وقت يواجه فيه النظام الصحي النفسي في البلاد شللاً شبه تام ونقصاً حاداً في الكوادر والمرافق، مما يجعل المعركة ضد “الاضطرابات النفسية” لا تقل ضراوة عن معارك الميدان.
كان فتح الرحمن السيد يعمل نجارا.. يداه تؤلفان الخشب ونعومته أكثر مما تعرفان ملمس الحرير، إذ يمتلك محلاً في السوق الشعبي بأم درمان لصناعة الدواليب والمنتجات الخشبية.
ومع اشتداد القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في المدينة عام 2023، غادر فتح الرحمن أم درمان متوجهاً نحو ولاية القضارف، حيث يمتلك شقيقه منزلاً وبعض الأعمال التجارية.
لدى فتح الرحمن ابنتان “نور” ذات السنوات الخمس، و”لينا” ذات السنوات الثماني، وبعد فترة وجيزة من وصولهم إلى القضارف، بدأت البنتان تبديان تصرفات غير طبيعية، جراء عيشهما أوقاتاً عصيبة في أم درمان، بسبب سقوط ثلاث “قذائف” في الحي، سقطت اثنتان منها داخل منزلهما، كما يروي فتح الرحمن لـ”سودان تربيون”.
كان وقع الانفجارات مدوياً، إذ دمر جزءاً من المنزل وأطاح بالنوافذ والأبواب، في وقت كانت فيه الفتاتان تغطان في نوم عميق.
ويتذكر فتح الرحمن في حديثه أنهما أصيبتا بذعر وخوف لم يتوقف لأيام حتى غادرت الأسرة إلى القضارف.
وذكر متحدثا بصلابة ورضا إن الفتاتين ربما فقدتا جزءاً من وعيهما وقواهما العقلية حالياً لأنهما تقومان بين فترة وأخرى بالبكاء فجأة، ثم تصدران أحاديث غير مفهومة.
الحرب المدمرة – كما وصفها فتح الرحمن – تسببت في شروخ نفسية لأعز ما يملك في الدنيا، وهما فتاتاه الصغيرتان اللتان عرضهما على عدد من الأطباء، ولم يتبين أحد ما أصابهما بدقة.
دراسة مخيفة
كشفت دراسة أجراها المركز الكندي للأبحاث العلمية بشأن مستويات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، أن 63% من المشاركين في استبيان لم يتلقوا أي نوع من الدعم النفسي.
وفي مطلع ديسمبر الحالي، كشفت وزارة الصحة الاتحادية عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الأمراض النفسية بالسودان، مؤكدة أن تدهور الأوضاع خلال فترة الحرب ضاعف الحاجة إلى تدخلات عاجلة وإطلاق خطة اتحادية لإعادة تأهيل مستشفيات الطب النفسي ومراكز علاج الإدمان.
وقال وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم، إن الاضطرابات النفسية تشهد ازدياداً عالمياً، غير أن الوضع في السودان أكثر تعقيداً بسبب الحرب والانتهاكات التي طالت المدنيين، موضحاً أن الوزارة تعمل على تعزيز الوعي وتوفير خدمات تساعد في الاكتشاف المبكر وتسهل الحصول على العلاج.
ودعا إلى تبني رؤية شاملة للصحة النفسية وتخصيص ميزانيات تكفل تطوير هذا المجال داخل النظام الصحي.
وأعلن الوزير عن خطة لإعادة تشغيل المراكز المتوقفة، وعلى رأسها مستشفى “التجاني الماحي”.
وأشار إلى أن الحرب جعلت خدمات الدعم النفسي أكثر إلحاحاً، خاصة وسط ضحايا الانتهاكات، لافتاً إلى ضرورة دمج هذه الخدمات في الرعاية الصحية الأساسية وتدريب الكوادر لتعويض النقص الكبير في الأطباء النفسيين الذين لا يتجاوز عددهم 22 طبيباً على مستوى البلاد.
وأوضح أن المسح الميداني الذي أجرته اللجنة الاستشارية للطب النفسي في ست ولايات (الخرطوم، نهر النيل، الجزيرة، القضارف، كسلا، والبحر الأحمر) كشف عن أوضاع حرجة تعاني منها المستشفيات والمراكز النفسية، الأمر الذي دفع لتبني توصيات بإعادة تأهيل أقسام ومستشفيات الطب النفسي. ونبّه إلى أن مستشفى البحر الأحمر النفسي هو الوحيد الذي يواصل تقديم الخدمات بدعم اتحادي.
كما أعلن عن توفير خمسة أجهزة للعلاج بالصدمات الكهربائية (ECT) لمستشفيات التجاني الماحي والقضارف وود مدني وبورتسودان لتحسين جودة الخدمات العلاجية.
إحصائيات غائبة
ولا تلقي الحكومة اهتماما يذكر بالآثار النفسية الكارثية للحرب إذ يؤكد موظف يعمل في وزارة الصحة الاتحادية عدم وجود أي احصائيات أو معلومات حول المصابين النفسيين.
وقال الموظف الذي طلب حجب اسمه لأنه غير مخول له بالتصريح لـ”سودان تربيون” إنه لا يوجد فريق متخصص أو خطة استراتيجية للتعامل مع تلك الآثار النفسية المرتبطة بالحرب.
وأكد وجود محاولات مبذولة في إطار تأهيل بعض مراكز ومستشفيات الطب النفسي بالتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية.
وجزم بأن الوزارة لا تمتلك أي رؤية حتى الآن للتعامل مع الصدمات النفسية، في وقت توالي فيه بعض المنظمات المحلية والمراكز المتخصصة العمل على ذلك خاصة فيما يتعلق بحوادث الاغتصاب والانتهاكات مثل التعذيب والضرب والاعتقال وغيرها.
وأعتذرت وزير الرعاية الاجتماعية سليمى اسحاق عن التعليق على التأثير النفسي والاجتماعي للحرب المستمرة، معتبرة أن ذلك الأمر ليس من تخصص الوزارة.
وتشير “سودان تربيون” إلى أن من واجبات الوزارة تقديم الدور الإرشادي لأنه مرتبط بشكل وثيق بالدعم النفسي الاجتماعي.
ويرى خبراء اجتماعيين أن دور الوزارة الذي يجب تقوم به تجاه الآثار النفسية يشمل بناء منظومة للدعم النفسي والاجتماعي لضمان استعادة الأفراد لتوازنهم واندماجهم في المجتمع.
كما يشدد الخبراء على دور الوزارة في برامج حماية الأطفال نظراً لأنهم يمثلون أكثر من 50% النازحين.
البالون الحزين
وتصف اختصاصية الطب النفسي أم أيمن عادل في حديث لـ”سودان تربيون”، الآثار النفسية المرتبطة بالحرب على الأشخاص بالكبيرة.
وقالت إن الحرب المستمرة في السودان أدت إلى انتشار واسع للآثار النفسية السالبة بين المواطنين، خاصة النازحين والناجين من العنف المباشر.
وأوضحت أن من أبرز الآثار النفسية، القلق المزمن مع توترات وقلق من المستقبل وخوف وحياة مصيرها مجهول.
وأشارت أم أيمن، إلى جانب أخر يتمثل في الإكتئاب، بفقدان الرغبة أو التمسك بالحياة، بجانب افتقار قيمة النفس.
ونوهت إلى تأثيرات نفسية أخرى بعد فقدان الأشخاص لكل شئ، واضطرابات النوم حيث أغلب الناس لا ينامون جيدا حيث بات يلازمهم أرق طبيعي ونوبات هلع.
ولفتت الاختصاصية النفسية إلى انتشار فزع الاشخاص إلى جانب اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
وتابعت: “هذه الحرب رأى الناس فيها أشياء مخيفة كثيرة جداً وفقد الناس أقرباء وأحباب.. ما رآه الناس أمر صعب للغاية”.
ووصفت تأثر ذاكرة الأشخاص بالمخيف، قائلة:”الذاكرة أصبحت ممتلئة بالمواقف المخيفة والمفزعة مثل البالون المنفوخ وبمجرد لمسها ينفجرون ويجهشون بالبكاء”.
وأكدت أن الفئة الأكثر تأثراً تشمل الأطفال، النساء، والمسنين، إذ يواجهون فقدان الأمان، التهجير، وتكرار المشاهد الصادمة، ما يؤثر على استقرارهم النفسي والسلوكي.
الصدمة النفسية
تفاوتت وطأة الصدمة النفسية بين السودانيين بسبب الحرب، فبينما واجه البعض ويلات رؤية القتل والتصفيات، تعرض آخرون لفقدان الأعزاء، أو الإصابات، أو الاعتقال والضرب والإهانة، فضلاً عن النزوح واللجوء والهروب المستمر من الموت والعنف.
وتقدر منظمة الصحة العالمية، في تقارير حديثة، تعرض 70% من مؤسسات القطاع الصحي للدمار والتوقف.
كما تشير تقارير ذات صلة إلى فقدان جل المؤسسات العلاجية النفسية المتمركزة في العاصمة الخرطوم.
إضافة إلى ذلك، افتقد السودانيون وجود مستشفيات ومراكز بديلة في الولايات، علاوة على فقدان الكادر الطبي الذي تعرض بدوره للقتل والاعتقال أو اضطر للنزوح واللجوء والهجرة.
وكانت مديرة مستشفى التجاني الماحي للطب النفسي قد كشفت الشهر الماضي في تصريحات صحفية أن إدارة المستشفى بدأت في صيانة العنابر استعداداً لاستقبال المرضى، مشيرةً إلى أن المستشفى تعرض لأضرار بالغة.
معدلات الصدمة النفسية
وحسب تقرير نشرته جمعية علماء النفس السودانيين، فإن نشر الشائعات المرتبطة بأخبار الحرب والقتال زاد من معدلات الصدمات النفسية.
وذكر التقرير أن الشائعات المرتبطة بالتهديد كانت الأكثر تأثيراً وخطورة؛ إذ تضع المتلقي في حالة من الشك والخوف المستمر، مما يؤدي إلى الإصابة بقلق دائم.
ويضيف التقرير: “عادة ما تكون الشائعة في حالة الحرب أكثر خطراً من الرصاصة؛ لأنها تتسبب في زرع الخوف وتفقد الشخص ثقته في نفسه”.
ووفقاً لدراسة أجراها المركز الأمريكي لأبحاث الصحة العامة، فإن 62% ممن بقوا أكثر من 30 يوماً في مناطق القتال في السودان يتعرضون لاضطرابات نفسية بدرجات وأنواع متفاوتة، من بينها الاكتئاب، والقلق، والأرق، والخوف، والإدمان.
كما كشفت دراسة حالة شملت 443 طالباً، أجراها 6 باحثين في كلية الطب بجامعة الخرطوم ونشرتها منصة أبحاث الطب النفسي العالمية، عن معاناة أعداد كبيرة من طلاب الجامعات في المناطق التي مزقتها الحرب من مستويات عالية من التوتر والقلق والاكتئاب.

