الثلاثاء , 18 أغسطس - 2026

سودان تربيون

أخبار السودان وتقارير حصرية لحظة بلحظة

صراع العمالقة وتحالفاتهم على المستقبل الرقمي

عمار قاسم حمودة

عمار قاسم حمودة
‏ammarhamoda@gmail.com

الولايات المتحدة وحلفاؤها، والصين وحلفاؤها يبدأون جولة جديدة من المواجهة.

ثلاثة أخبار تمثل رؤوس اشارات الدخول في دورة جديدة من المواجهة بين المعسكرين.

1- “باكس سيليكا”.. تحالف دولي تسعى واشنطن لتشكيله في مواجهة الصين

‏‎الخطة الأميركية تستهدف ملاحقة هيمنة بكين على المعادن النادرة والتكنولوجيا

2- ترامب يوقّع أمرًا تنفيذيًا يمنع الولايات الأميركية من تطبيق لوائحها الخاصة بالذكاء الاصطناعي

3- شراكة استراتيجية بين السعودية وأميركا تشمل الذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة النووية

مثلت حرب الجمارك التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مباشرة بعد عودته للبيت الابيض تدشينا لاختبار الولايات المتحدة لفعالية ونجاعة ما تملكه من أدوات وكذلك اختبار حدود المقدرة الصينية على الاستجابة للضغوط السياسية والاقتصادية والتكنولوجية. كما رأينا فإن اعلان ترامب لم يذهب في مبتغاه إلى النهايات المرجوة منه – كما كان يود – بحسب عند الاعلان عن زيادات التعرفة الجمركية على الصين تحديدا، ومن ثم كانت النتيجة هي التراجع واختبار عوامل القوة من جديد، مع السعي لتمتين عوامل القوة ومعالجة عوامل الضعف التي ظهرت في الاختبار السابق.

الآن، وهو ما أعتبره الجولة الجديدة ضمن جولات لا يعرف لها نهاية في الأفق في هذا الصراع، ظهر على سطح الأخبار في مجال السباق العالمي نحو المستقبل الرقمي من جانب الولايات المتحدة ثلاثة أحداث مهمة هي خلاصة معالجة آثار الجولة السابقة والدخول بالترتيبات الجديدة في عمق المعركة.

لمعرفة علاقة الأخبار الجديدة بتطور الأحداث، علينا عرض خلاصات الجولة السابقة مع التبسيط غير المخل.

تدخل الولايات المتحدة السباق او المعركة وهي تعول كثيرا على التقدم التكنولوجي الناتج عن مراكز الأبحاث الحكومية ومراكز أبحاث الشركات الأمريكية التي تقود القطاع الخاص بقوة. كان الاعتماد هنا على التفوق التكنولوجي في قوة المعالجات الرقمية ذات الطول النانوميتري الدقيق، والتي كانت قبل بداية الجولة السابقة لصالح الولايات المتحدة. لكن بعد المواجهة اضطرت الصين للكشف عن تقدمها في المجال وتضاؤل الفارق، مع ظلال من الشك حول ما تخفيه الصين – بطبيعة ثقافتها المؤسسية التي عادة تخفي تقدمها التكنولوجي – في هذا المجال الحساس أي مجال الرقائق الالكترونية. الرقائق الالكترونية وقوتها الحاسوبية هي نواة العالم الرقمي وربائبه من ذكاء اصطناعي، وحوسبة سحابية، ومراكز بيانات، وغيرها. في هذه المساحة، تمثلت النقاط الحرجة في تصميم وتنفيذ التصاميم التي تؤمن التفوق، وهي هنا ذات شقين أساسيين، هما البحث العلمي، وتجاوز تحديات التصميم الي التنفيذ الفعلي. للأسف فإن التفوق في آلات الطباعة التي تنتج الرقائق الالكترونية هو معقود حتى اللحظة لشركة هولندية تتربع بصورة تجعلها تحتكر التقدم بصورة مزعجة حتى للحلفاء! ASML

ولذلك سنجد فيما رشح من اخبار التحالف الجديد (باكس سيليكا) وجود هولندا في قلب التحالف. وهو ما يبرز بوضوح الاهتمام بهذا الجانب الحرج في حسم السباق نحو المستقبل الرقمي. فيما يخص البحث العلمي المتقدم والابتكار فذلك ما تساهم به المملكة المتحدة واسرائيل في تحالف باكس سيليكا.

ايضا اسفرت المواجهة السابقة عن تكشير الصين لأنيابها الحادة فيما يتعلق بالعناصر الارضية النادرة، أو للدقة العناصر الأرضية الحرجة. سيطرة الصين على ما يفوق ال 80% من انتاج ومعالجة استخلاص العناصر موضع التنافس يجعلها تتحكم حتى في وتيرة تصنيع المقاتلات الامريكية!! جدير بالذكر أن العناصر الأرضية التي يقال عنها (نادرة) مجازا تعتبر محتكرة للصين، خصوصا في جانب المعالجة الكيميائية لاستخلاصها. هذا الاحتكار كان نتيجة لابتعاد الدول الصناعية عن استخلاص العناصر الحرجة نطرا لما تمثله من عبء بيئي واستهلاك للطاقة. الصين ومنذ ثمانينات القرن الماضي عملت باستراتيجية اقتصادية وتكنولوجية محورها هو السيطرة على عمليات استخلاص وانتاج العناصر الحرجة. في المواجهة الاخيرة وجدت امريكا وشركاتها أنهم تحت رحمة تصاديق حكومية صينية لمواد لا غنى عنها لإنتاج منتجات تكنولوجية، بل وحتى منتجات عادية مثل السيارات الكهربائية. ولوضوح تفوق الصين في هذا العامل الحاسم نجد أن تحالف باكس سيليكا قد ضم استراليا كمورد أساسي للمعادن ومكان محتمل لعمليات استخلاص العناصر الحرجة. هنا أيضا لابد من الاشارة إلى أن اتفاقا منفصلا وسابقا لباكس سيليكا قد أبرمته الولايات المتحدة مع السعودية كمصدَر للمعادن مع إمكانية عمليات الاستخلاص نظرا لتوفر طاقة رخيصة. وربما يزداد رخص الطاقة عند تنفيذ محطات الطاقة النووية المدنية والتي كانت جنبا الى جنب مع اتفاقيات الذكاء الاصطناعي وتعدين العناصر الحرجة. تقف الإمارات العربية المتحدة غير بعيد عن السعودية في مجالات الذكاء الاصطناعي، بل وتتقدم بوجود طاقة مفاعلات نووية دخلت الخدمة بالفعل ووجود مراكز بيانات نشطة ومتوسعة. الأمارات تمثل عضوا أساسيا في تحالف باكس سيليكا رغما عن عدم توقيعها الرسمي حتى الآن والاكتفاء بالحضور، والذي ربنا يكون لأسباب جيوسياسية لابد من ترتيبها اولا.

فيما يخص الذكاء الاصطناعي، فإن طبيعة التكوين السياسي والقانوني الغربي (الديمقراطي) قد يكون معوقاً للانطلاق السريع (الجنوني) الذي يتطلبه مضمار الذكاء الاصطناعي. هذه نقطة لصالح الصين والانظمة المركزية (صيغة ليست بالضرورة ديمقراطية بالكامل أو بالمعنى المعروف) والمحكومة بأنظمة تعطي الدولة اريحية في اتخاذ القرارات الكبيرة وسط التحديات الجديدة علميا وفي مجال الابتكار. الصين تتفوق بهذه الخاصية، ولنا تجربة ذات مردود ممتاز كما حدث في التعامل مع فايروس كرونا. هذا يفسر جزئيا قرار الرئيس الأمريكي حول فيدرالية القوانين الخاصة بالذكاء الاصطناعي ومنع الولايات من تشريع قوانين خاصة وبما تكون مثار جدل.
الانظمة بالشرق الاوسط تعمل بصورة ممنهجة في تعديل البيئة القانونية التي تسمح بتحرير القيود للانطلاق في مجالات الاستثمار الجديدة وفي قلبها التحولات الرقمية الهائلة وبالذات في مجال بنية الذكاء الاصطناعي، وغيرها من قوانين التملك وسهولة التجارة والتداول في اسواق الأسهم وكل ما بتعلق بتحرير القيود شيئاً فشيئاً.

تحالف باكس سيليكا في عصر التكنولوجيا الخاصة بالذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب جدا يشبه في تركيبته وغاياته تحالفات الدول الصناعية في عصر الصناعة.

واحدة من النتائج الحتمية للصراع الحالي على العناصر الحرجة هو التراجع في مستويات الالتزام بحماية البيئة عالميا. واتوقع أن يتم غض الطرف – لمدة ليست بالقصيرة – عما سيلحق بالبيئة من أضرار. وسوف يصر دعاة الذهاب بعيدا في السباق أن ما يلحق بالبيئة يمكن اعتباره أضرارا جانبية collateral damage مما لا يمكن تفاديه!!

خبير في مجال الاتصالات الدولية وتقانة المعلومات.